التعريف والتنكير في السلام على عيسى ويحيى

طارق حميدة

tariqhamida@yahoo.com

 

تعاهد بضعة عشر من أسرة مركز نون للدراسات القرآنية، قبل سنوات، إلى لقاء أسبوعي يقومون فيه ‏بالتدبر الجماعي لآيات الكتاب العزيز بحيث يطلع كل واحد على ثلاثة من كتب التفسير، ثم يعرض كل منهم ‏ما اطلع عليه وما ثار لديه من أسئلة، وما قد يكون فتح الله عليه من لفتات... وقد اتفق على البدء بسورة ‏مريم. ‏ وكان مما لفت الانتباه ما يكاد يطبق عليه جميع المفسرين، من القول بمقتل يحيى - عليه السلام -.. ورأينا من ‏الأنسب أن نختبر صحة هذه المعلومة، بالبحث عن سند لها في كتاب الله - تعالى -. أو في صحيح السنة ‏النبوية... إذ كان المنهج الحق أن لا نقبل خبراً من الغيب إلا بدليل منهما أو من أحدهما على الأقل.. وكانت ‏الملاحظة الأولى أن الآيات الكريمة، لا تتحدث نهائيا عن هذا الأمر.. وأما بالنسبة للسنة فإن الحديث الذي ‏صححه الحاكم في الموضوع موقوف وضعيف كما حقق ذلك غير واحد من أهل الحديث الذين سألتهم في ‏فلسطين والأردن. فضلاً عن أن الشيخ إبراهيم العلي لم يورده في كتابه عن صحيح القصص النبوي. وكان ‏يكفي هذا القدر في رد الفكرة السائدة أو التوقف بشأنها على أقل تقدير. ‏ ثم كانت المفاجأة من خلال الآية الأخيرة في قصة يحيى - عليه السلام - وهي قوله تعالى(وسلام عليه يوم ولد ‏ويوم يموت ويوم يبعث حيا). ‏ لقد صرح القرآن بأن هذا النبي الكريم (يموت).. ولا ننسى أن القرآن لطالما ميز وفرق بين الموت والقتل ‏‏.. خاصة إذا كان القتل (في سبيل الله).. كما هو ظاهر في الآيات الكريمة الآتية: (ولا تقولوا لمن يقتل في ‏سبيل الله أموات)، (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا)، (أفإن مات أو قتل)، (ولئن قتلتم في سبيل الله ‏أو متم)، (قل لن ينفعكم الفرار إ‎ ‎ن‎ ‎فررتم من الموت أو القتل). ‏ ‏

إن يحيى - عليه السلام - لو قتل، بحسب ما نقله المفسرون عن أهل الكتاب، فإنه يكون قد قتل في سبيل الله.. ‏أفيعقل أن الله - تعالى - ينهى المؤمنين أن يقولوا، وينهى رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم -، أن يحسب مجرد ‏حسبان، أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات، ثم يخالفهم إلى ما نهاهم عنه؟؟ أيمكن أن يقرر ربنا - تعالى -حكماً ‏ثم ينقضه، أو يخالفه قصدا أو نسيانا ؟.. إن القرآن الكريم يفسر بعضه بعضا.. ويصدق بعضه بعضا. وأمر آخر، لقد تحدثت الآيات عن (سلام) على يحيى يوم ولد ويوم (يموت).. فكيف يكتب الله - سبحانه - سلاماً ‏على أحد ثم تصل إليه يد بأذى أو ضرر؟ خاصة وأن السلام يعني السلامة من الأخطار والآفات، ومعها ‏الأمن والطمأنينة وعدم الخوف. ‏ لقد جاء في كتاب الله أنه - سبحانه - قد قال للنار (كوني برداً وسلاماً على إبراهيم).. وكذلك فإن قصة عيسى ‏- عليه السلام - في السورة نفسها قد انتهت بنفس الطريقة؛ أعني بالسلام وذلك في قوله - تعالى -على لسان عيسى ‏‏(والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا)، وهذا السلام أدى إلى أنه لم يقتل ولم يصلب، كما أدى ‏السلام على إبراهيم، من قبل، إلى نجاته من الحرق والقتل.. فكيف يكون سلام على يحيى ولا يؤدي إلى ‏السلامة والنجاة؟ في رأيي أن الذي دفع المفسرين إلى توجيه السلام إلى معنى (التحية) دون معنى(السلامة) مع أنهم يؤكدون ‏بأن الأصل في السلام السلامة وأن التحية معنى تابع.. هو ما وجدوه عند أهل الكتاب حول نهاية يحيى عليه ‏السلام وما يزعمونه من خبر مقتله وقصته مع الراقصة التي يسمونها سالومي.. ما جعلهم يأخذون القصة على ‏علاتها، سيما وأنهم لم يجدوا تفصيلا في القرآن حول نهاية يحيى، كالتفصيل الموجود في شأن عيسى ليردوا ‏به ما جاءهم عن أهل الكتاب. ‏ وقبل أن نمضي بعيدا في بحثنا.. فلا بد من الإشارة إلى أن القول بمقتل يحيى على الأرجح لم يأت من ‏فراغ.. لأن الحاجة إلى السلام على يحيى ومن بعده على عيسى تدل على وجود خطر ومحاولة للقتل.. علم ‏من علم.. وجهل من جهل.. وقد حكى القرآن بالنسبة لعيسى قول اليهود مفاخرين وكلهم ثقة ويقين: (إنا قتلنا ‏المسيح عيسى ابن مريم رسول الله.. وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم). ‏ وسلام عليه.. والسلام عليّ وقد كان الاستنتاج السابق دافعا لنا للمقارنة والموازنة في شأن السلام على كل من النبيين الكريمين يحيى ‏وعيسى - عليهما السلام -.. إذ ختمت قصة يحيى ب(وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا).. بينما ‏ختمت قصة عيسى بقوله (والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا). ‏ حيث يلاحظ بأن السلام على يحيى جاء منكراً.. بينما كان السلام على عيسى معرفا بأل.. وهذا الأمر لفت ‏انتباه المفسرين من قبل وحاولوا تفسيره بأكثر من طريقة.. فقد ذكروا مثلا أن السلام على يحيى وإن جاء ‏منكرا فإنه أعظم من السلام على عيسى؛ لأنه تسليم من الله - تعالى -عليه.. أما السلام على عيسى فإنه تسليم من ‏عيسى على نفسه، فهو وإن دل على الاستغراق لجنس السلام، فلا يبلغ سلام الله - تعالى -على يحيى.. وهذا ‏التفسير ضعيف، في رأيي، لسبب بسيط وهو: أن عيسى نبي ويستحيل على النبي أن يخبر إلا بوحي من الله ‏تعالى.. إنه يخبر عن غيب يوم يموت ويوم يبعث.. ثم إن عيسى - عليه السلام - قد أخبر بذلك وهو صبي في ‏المهد.. وأنى له أن يتكلم بهذا الكلام أو بغيره، إلا إذا أنطقه الله - تعالى -وجعل الكلام على لسانه؟؟. ‏ ‏ وقال المفسرون أيضا إن تعريف السلام على عيسى جاء لأنه أصبح معهودا بعد ذكر السلام على ‏يحيى.. وقد يبدو هذا القول، على ضعفه، أقرب إلى الصواب من سابقه.. لكنه مثله يفسر السلام بالتحية. ‏ إن العهدية تكون في سياق الكلام المتصل وليس بين كلامين في سياقين مختلفين ومتباعدين زماناً ومكاناً؛ ‏فالأول جاء خطاباً من الله لمحمد ‏ حيث ابتدأت السورة بقوله تعالى(ذكر رحمة ربك عبده زكريا)، والثانية ‏جاءت خطاباً من عيسى لقومه، فالأمر لا يتوقف عند حد ورود السلام على عيسى تالياً للسلام على يحيى في ‏سورة مريم، ولهذا كان لا بد من البحث عن جواب أكثر إقناعا.. انطلاقا من أن السلام هو بمعنى السلامة من ‏الأخطار.. وهذا يعني أن كلا النبيين الكريمين يعترض مسيرته عدد من الأخطار.. وبالذات حين المولد ‏والموت والبعث.. لكن سلام الله - تعالى -يظلل هذه المسيرة وبالأخص المحطات الأكثر خطرا وحرجا وبروزا. ‏ من المناسب هنا التفريق بين صيغتي التعريف والتنكير لغة.. فالتعريف يدل على العهد لافتا إلى الأمر ‏المعهود المعروف.. أو يدل على الجنس شاملا ومستغرقا كل أفراده.. بينما التنكير يخبر عن الأمر ‏المجهول.. لكنه يفيد معنى آخر يتغير بحسب السياق الذي يوضع فيه.. فكلمة حياة المنكرة في قوله - تعالى -‏‏(ولتجدنهم أحرص الناس على حياة) تفيد التهوين والتحقير والتصغير.. ولكن كلمة نساء المنكرة أيضا في ‏قوله - تعالى -(وبث منهما رجالا كثيرا ونساءً) تفيد التكثير. ‏ وعليه فإن تنكير سلام الله على يحيى يفترض أن يدل على عظمة هذا السلام وكثرته.. فضلا عن جهالته ‏وعدم معرفته.. بينما يفترض أن يدل تعريف السلام على عيسى، على أنه أكبر وأنه تام وكامل، لأنه ‏يستغرق جنس السلام.. إضافة إلى أن هذا السلام معروف ومعهود. ‏ ميلاد يحيى... وميلاد عيسى ‏ فأما يحيى فإنه ولد من أم عجوز عاقر.. ومعروف أن المرأة كلما كبرت في السن.. فإن احتمال سلامة ‏الولادة يكون أبعد وأضعف، وهذا الخطر يستدعي سلاماً على الوالدة وعلى المولود بشكل خاص، وفي شأن ‏عيسى فإنه سيولد من بكر في العراء، وبدون قابلة، والأم في حالة نفسية شديدة إلى الحد الذي تتمنى فيه ‏الموت قائلة: (يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا). ‏ وبالمقارنة بينهما نلاحظ أن الجو النفسي والعائلي المحيط بميلاد يحيى، وكذلك السعادة والاستبشار بقدوم ‏المولود تجعل الأخطار المتوقعة أقل من الأخطار المحيطة بميلاد عيسى، وبالتالي فإن السلام الذي يحتاجه ‏ميلاد يحيى أقل بالتأكيد من السلام الذي يحتاجه ميلاد عيسى عليهما الصلاة والسلام. ‏ وقد لاحظنا كيف أن القرآن فصل في حادثة ولادة عيسى - عليه السلام -، منذ انتبذت به أمه (مكانا قصيا، ‏فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، فناداها من تحتها ألا تحزني قد ‏جعل ربك تحتك سريا)، وما بعد ذلك إلى أن أتت به قومها تحمله، وهو بالتالي معروف ومألوف ومعهود. ‏ ويوم يموت.. ويوم أموت ‏ ‏ لقد فصل القرآن في شآن نجاة عيسى - عليه السلام -، وأكد أن المجرمين الكفرة لم يقتلوه ولم يصلبوه بل رفعه ‏الله إليه بينما أشار مجرد إشارة إلى الأخطار المحيطة بيحيى، من خلال ذكر سلام الله عليه.. ومن الواضح ‏أن عيسى - عليه السلام - قد تعرض لخطر كبير.. أكبر بكثير من الخطر الذي تعرض إليه يحيى - عليه السلام -، ‏وهذا متوقع وطبيعي ومنطقي، إذ كان يحيى بالنسبة لعيسى كالمساعد والمناصر، فقد كان كما وصفه القران ‏‏(مصدقا بكلمة من الله)، فعيسى - عليه السلام - هو قائد الدعوة، وهو بالتالي المستهدف أولا والمستهدف أكثر ‏من قبل الظلمة أعداء التوحيد. ‏ ويوم يبعث.. ويوم أبعث وأما السلام يوم البعث فإن كل شخص سيسأل يوم القيامة: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين) وبناء ‏على الجواب تكون السلامة أو عدمها... إن السؤال الموجه إلى عيسى كبير وخطير (أأنت قلت للناس ‏اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟؟.. قال سبحانك ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ‏‏).. لقد انتهت رسالة عيسى بتأليهه وبالتالي كان السؤال خطيرا.. ولم تنته رسالة يحيى إلى نفس النتيجة.. إن ‏كلا الرسولين سيسأل ولكن لأن الخطر الناجم عن إجابة عيسى أعظم، لو كان، وحاشاه، قال غير ما أمره الله ‏به.. ولذلك فالسلام عليه أعظم، وهذا يفسر لماذا احتاج عيسى إلى (السلام) كل السلام.. خلافا ليحيى الذي ‏سيكفيه (سلام)... لقد عرّف القرآن وفصّل (السلام) على عيسى يوم البعث، كما فصل في نجاته من القتل ‏والصلب، ومن قبل في سلامة مولده.. لما ترتب على قصته من عقيدة فاسدة، في حين اكتفي بالإشارة إلى ‏سلام، دون تفصيل ولا تعريف، على يحيى يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا، إذ لم يترتب على قصته ‏شيء من ذلك. ‏ وقبل الانتقال إلى الفكرة أو المفاجأة التالية، ينبغي الإشارة إلى أنه جرى استعراض عشرات التفاسير وكتب ‏القصص القرآني، لعل أحداً منها قد تنبه إلى فكرة نجاة يحيى - عليه السلام - من القتل.. وكان الوحيد، فيما ‏نعلم، الذي التفت إلى ذلك هو أستاذنا الدكتور صلاح الخالدي في كتابه (القصص القرآني). ‏ لقد شغلنا أمر يحيى - عليه السلام - فترة ليست بالقصيرة، وبالذات الآية الختامية (وسلام عليه يوم ولد ويوم ‏يموت ويوم يبعث حيا).. وكان يخيل إليّ، كما أظنه خيل ويخيل إلى الأكثرين، بأن الخطاب في هذه الآية، ‏موجه إلى زكريا بعد ولادة يحيى.. والأمر على هذا طبيعي، حيث عبر عن الولادة بالفعل الماضي (ولد) ‏لكونها قد حدثت فعلا.. بينما عبر عن الموت بالمضارع (يموت) الدال على المستقبل، تطمينا للوالد على ‏مستقبل ولده، بعد أن أمّنه وسلّمه يوم ولادته،.. إلا أن إمعان النظر في الآيات ينفي هذا الظن، لأن الخطاب ‏الموجه إلى زكريا كان قد انتهى قبل ذلك، وعاد الحديث عن زكريا بصيغة الغائب، ثم حدث التفات من ‏الماضي الغائب إلى خطاب الصبي يحيى، ثم تحولت الآيات إلى الحديث عن يحيى بصيغة الماضي الغائب ‏إلى نهاية القصة.. وكان لا مفر من العودة إلى بداية القصة لحل الإشكال. ‏ بعد فاتحة السورة (كهيعص)، يخاطب الله رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم -، (ذكر رحمة ربك عبده زكريا ‏‏)،.. المخاطب محمد، والغائب الماضي هو زكريا، ويظل الأمر على هذه الحال عدة آيات (إذ نادى ربه نداء ‏خفيا، قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا، وإني خفت الموالي من ‏ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا، يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا).. ثم ‏يلتفت السياق إلى زكريا بصيغة الخطاب (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل ‏سميا).. ولا يلبث السياق أن يعود كما بدأ مخبرا عن زكريا بصيغة الغائب الماضي.. دون أن ننسى بأن ‏الخطاب موجه من البداية إلى الرسول محمد - عليه السلام -.. (قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي ‏عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا، قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا، قال رب ‏اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا، فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا ‏بكرة وعشيا).. ثم يلتفت السياق مخاطبا يحيى في نصف آية (يا يحيى خذ الكتاب بقوة).. ثم تتحول الآيات ‏إلى الحديث عن يحيى بصيغة الغائب الماضي، ما يعني أن المخاطب لا يزال هو نفسه من أول السورة، أعني ‏محمدا - عليه الصلاة والسلام -، فتخبره الآيات عن يحيى: (وآتيناه الحكم صبيا، وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا، ‏وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا).. ثم تختم القصة بالسلام على يحيى يوم ولادته ويوم موته ويوم بعثه ‏حيا.. (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا). ‏ لقد كان من الطبيعي أن يأتي الحديث لمحمد عن ولادة يحيى بالفعل الماضي (ولد)، لأن محمدا قد جاء بعد ‏يحيى - عليه السلام - بحوالي ستة قرون، وقد كان متوقعا أن يأتي الحديث عن موت يحيى بصيغة الماضي ‏أيضا، أي بالفعل (مات)، ولكن المفاجأة الغريبة أن موت يحيى قد جاء بصيغة المضارع (يموت).. وإذا ‏أخذنا الأمر على ظاهره، فإنه يعني بأن يحيى سيموت بعد محمد.. وهذا يقتضي: أن تكون ليحيى حياة ‏ممتدة منذ ولادته وحتى يوم موته، أو أن هذه الحياة ستستأنف من جديد قبيل ذلك الموت. ومرة أخرى ‏طفقت أقلب كتب التفسير، فإذا بي أجد أن صاحب التحرير والتنوير، المرحوم العلامة الطاهر بن عاشور، هو ‏الوحيد، بحسب اطلاعي، الذي استوقفه الفعل المضارع (يموت)، حيث يقول بأن الفعل المضارع هنا يفيد ‏استحضار الحالة، ثم يتابع بأنه لم تذكر قصة مقتل يحيى في القرآن إلا إجمالا. ‏ وبالطبع فإن مقتل يحيى لم يذكر في القرآن بتاتا.. لكن الشيخ - رحمه الله - لم يستطع الانعتاق مما أخذه ‏المفسرون عن أهل الكتاب وتوارثوه كابراً عن كابر.. وإن كان يسجل له تنبهه إلى أن مجيء الفعل المضارع ‏‏(يموت)، كان على خلاف القانون في الكلام عن الأحداث الماضية.. وليس ذلك بمستغرب على العلامة ابن ‏عاشور، فكل تفسيره يدل على ضلوعه ورسوخ قدمه وعلو كعبه في اللغة العربية وعلومها.. علماً بأنه ليس ‏بحاجة إلى شهادة أمثالي... ومعنى قول الشيخ بأن الفعل المضارع يفيد استحضار الحالة.. أنه إذا عبر عن ‏الماضي بصيغة المضارع، فإن الغرض هو الإتيان بذلك الماضي وجعله واقعا حيا ومشاهداً عند السامع ‏والقارئ.. وتتمة كلام الشيخ تشير إلى أن الهدف هو إبراز(جريمة القتل) للتشنيع على القتلة.. هذا لو كان ‏وقع القتل..، وقد بدا لنا أنه يمكن اعتبار ذلك شاهدا إضافيا على أن يحيى مات ولم يقتل من خلال إحضار ‏مشهد يحيى وهو (يموت)، لدحض ادعاء مقتله، لولا أن أكثر من قرينة دفعتنا إلى ضرورة أخذ الفعل ‏المضارع على ظاهره، وفهمه على أصل وضعه، واعتبار أن هذا الموت سيأتي في المستقبل بالنسبة ‏للمخاطب محمد - صلى الله عليه وسلم -، وسنرى كيف أن الآيات يصدق بعضها بعضا، ويفسر بعضها بعضا. ‏ أولا: ليس هناك ما يدعونا إلى التأويل.. حيث لا يتعارض هذا الفهم مع أي نص من الكتاب أو السنة، وإن ‏كان يتعارض مع المنقول عن أهل الكتاب، ومع المتوقع بشأن جميع الناس الماضين، باستثناء عيسى عليه ‏السلام، الذي تحدثت السنة النبوية عن نزوله قبيل الساعة.. ولكن من قال إن القرآن رهن بتوقعاتنا وأفكارنا ‏السائدة؟؟ إن العكس هو الصحيح، لأن القرآن لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على كثرة الرد.. وهذا يعني أن ‏من الطبيعي أن يفاجئنا هذا الكتاب العظيم بما ليس في الحسبان. ‏ وثانيا: هل نسينا قول الله - تعالى -(يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا)؟.. ألا ‏يدل الاسم (يحيى) الذي جاء على صيغة الفعل على معنى استمرار الحياة للمسمى، أو تجددها واستئنافها ‏؟.. أليس الله - تعالى -هو الذي سمى؟ إن الناس حين يسمون فإنهم يأملون ويرجون أن يتحقق معنى الاسم في ‏المسمى.. وذلك كما قال الشاعر: ‏ سميته يحيى ليحيى فلم يكن لرد قضاء الله فيه سبيل ‏ وإذا كان هذا حال البشر.. وقدرة البشر.. فإن الله - تعالى -يحكم ولا يأمل، ولا راد لحكمه، وهذا اسم سماه ‏الله وجعل له سلطانا، وليس من الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان.. وذلك ما نلحظه في دلالات أسماء ‏الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.. أليس اسم محمد مما بشر به الأنبياء السابقون، من قبل أن يولد ويسميه أهله ‏‏.. أليس هو المحمود في الأرض والسماء؟ وهل تنبهنا إلى العلاقة بين اسم إسحق وضحك أمه.. وكذلك إلى ‏مجيء يعقوب عقب إسحق أو أنه يعقبه نسل كثير من بني إسرائيل وبالأخص الأنبياء.. (وامرأته قائمة ‏فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحق يعقوب)؟ وأخيرا وليس آخرا.. ألم يلفت نظرنا اسم زكريا ‏وكثرة ذكره ودعائه لله.. خاصة في المحراب.. (ذكر رحمة ربك عبده زكريا).. وهل فاتنا معنى (زكر) في ‏اللغات السامية، وكثير من اللهجات العربية؟ ‏ لقد أدرك العلماء من قديم العلاقة بين اسم يحيى ومعناه.. واستوقفهم قول الله - تعالى -أنه (لم يجعل له من قبل ‏سميا) أي شبيها في الصفة.. وذلك على غرار فهمهم للآية (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده ‏واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا).. ولكنهم، كما أسلفنا، لم يستطيعوا الانعتاق مما ورثوا عن أهل الكتاب ‏‏.. ومع ذلك فقد حاولوا تأويل الحياة بأنها حياة القلب، أو بقاء الذكر الحسن.. أو أن يحيى حي لأنه قتل شهيدا ‏، كما ذكر الشيخ الشعراوي - رحمه الله - وغيره. ‏ لقد تحدث القرآن عن نجاة عيسى ورفعه، وصرحت السنة الصحيحة بحتمية نزوله على الأرض وبعثه حيا ‏إليها.. وذكرت عددا من الأعمال التي سيقوم بها.. والغريب أن قصة يحيى وعيسى في سورة مريم تنتهيان ‏بطريقة متشابهة إلى حد كبير: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا).. (والسلام علي يوم ولدت ‏ويوم أموت ويوم أبعث حيا).. فهل بإمكاننا أن نتوقع ونتخيل بأنه قد حدث، وسيحدث مستقبلا، مع يحيى أمر ‏يشبه، أو لا يبعد كثيرا، عما جرى لعيسى - عليه السلام -؟ وهل تسعفنا الموازنة بين النبيين الكريمين في التحقق ‏من هذه القضية؟؟. ‏ إن الناظر في قصتيهما، سيجد، وبشكل يكاد يكون مطردا، أن عناصر قصة يحيى، تشكل مقدمة وتوطئة ‏وتمهيدا، لما يقابلها من عناصر قصة عيسى، التي تبدو عناصرها أكبر وأكمل. ‏ كانت ولادة يحيى - عليه السلام -، من أم عجوز عاقر وشيخ كبير.. معجزة موطئة وممهدة للمعجزة الأكبر في ‏ولادة عيسى - عليه السلام - دون أب. ‏ وكانت المعجزة في أن يؤتى يحيى الحكم صبيا.. مقدمة للمعجزة الأكبر في أن عيسى يكون نبيا ويبلغ عن ‏الله (في المهد صبيا). ‏ وكذلك كانت نبوة يحيى موطئة لنبوة عيسى.. ثم يكون يحيى (مصدقا بكلمة من الله).. فمع أنه سبقه، إلا أنه ‏يصير بعد بعثة عيسى مؤيدا وتابعا له. ‏ لقد جعل الله يحيى برا بوالديه ولم يجعله جبارا عصيا.. إذ إن التربية بين والدين شيخين مظنة للعصيان ‏والجبروت، بينما كان عيسى - عليه السلام - برا بوالدته ولم يجعله ربه جبارا شقيا.. خلافا للمتوقع بسبب انعدام ‏الأب.. مع وجود القوم الفجرة الذين يلاحقون أمه بالافتراءات والتهم الباطلة.. وكان يمكن لغيره لو تعرض ‏لنفس المؤثرات، أن ينقلب جبارا شقيا بفعل عقدة الشعور بالنقص، وحقده على كل المجتمع، وفي مقدمتهم ‏والدته التي كانت السبب، إن رعاية الله لعيسى وجعله برا بوالدته غير جبار شقي، أعظم في المعجزة من بر ‏يحيى بوالديه دون أن يكون جبارا عصيا، وكان إحسان تربية يحيى، مقدمة لإحسانها وكمالها وعظمتها عند ‏عيسى - عليهما السلام -. ‏ وبنفس المنطق فقد رأينا كيف كان سلام الله على يحيى.. مقدمة وتوطئة للسلام التام والأعظم على عيسى ‏، في المولد والموت والبعث. ‏ فهل تسعفنا هذه الموازنة، وما سبقها من الأدلة والبراهين في إثبات ما افترضناه من احتمال تقدم يحيى على ‏عيسى في النزول؟ وهل يكون معنى البعث حيا ليحيى وعيسى - عليهما السلام -، يقصد به البعث بين يدي ‏الساعة، ما يعني أنهما سيأتيان في جو صراع عنيف مع الكفر، وخطر شديد عليهما يستدعي السلام عليهما؟. ‏ أسئلة برسم التدبر..والله الهادي إلى سواء السبيل.

 

http://www.islamselect.com                    المصدر: