العقيدة
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
مقدمة وتعريف
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد:
فإن أشرف العلوم على الإطلاق، العلم بالله. لأن شرف العلم مبني على شرف المعلوم، والله - تعالى -أشرف معلوم، فالعلم به، إذاً، أشرف العلوم. وهو أفضل ما أدركته العقول، وانطوت عليه القلوب. وتحصيل هذا العلم الشريف من أوجب الواجبات، وأهم المهمات، ولهذا أمر الله به قبل القول والعمل، فقال: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ)(محمد: من الآية19).
قال ابن أبي العز الحنفي، - رحمه الله -، في مقدمة شرحه للعقيدة الطحاوية: (وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع. ولهذا سمى الإمام أبو حنيفة، - رحمه الله -، ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين " الفقه الأكبر"، وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة، وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة، لأنه لا حياة للقلوب، ولا نعيم، ولا طمأنينة، إلا أن تعرف ربها، ومعبودها، وفاطرها، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه، ويكون سعيها فيما يقربها إليه، دون غيره من سائر خلقه)
أسماؤها:
يسمى هذا العلم الشريف، لدى السلف، بأسماء متعددة، منها:
1- العقيدة، أو الاعتقاد: والعقد لغةً: الربط والجزم. واصطلاحاً: حكم الذهن الجازم. وأصله مأخوذ من عَقَد الحبل إذا ربطه، ثم استعمل في عقيدة القلب وتصميمه الجازم. ومن شواهد هذه التسمية في مصنفات السلف:
- اعتقاد أهل السنة. لأبي بكر الإسماعيلي (277-371).
- الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد. للبيهقي (384-458).
- لمعة الاعتقاد. لموفق الدين ابن قدامة (541-620).
2- السنة: وهي لغةً: السيرة والطريقة. واصطلاحاً: ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاعتقادات، والأقوال، والأعمال. ثم اختصت عند السلف المتقدمين بالاعتقادات، السالمة من البدع والشبهات. ومن شواهد هذه التسمية في مصنفاتهم:
- كتاب السنة. لأبي بكر الأثرم (ت 273).
- كتاب السنة. لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (213-290).
- كتاب السنة. لأبي أحمد الأصبهاني العسال (269-349).
3- الإيمان: وهو لغةً: التصديق. واصطلاحاً: التصديق القلبي بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. هكذا عرفه النبي - صلى الله عليه وسلم -، بعد أن عرَّف الإسلام بالأعمال الظاهرة. وعند الإطلاق: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. ومن شواهد هذه التسمية:
- كتاب الإيمان. للإمام أحمد بن حنبل (164-241).
- كتاب الإيمان. لأبي بكر بن أبي شيبة (195-235).
- كتاب الإيمان. لمحمد بن إسحاق بن منده (310-395).
4- الأصول: الأصل لغةً: ما يبنى عليه غيره، كأصل الجدار، وأصل الشجرة. واصطلاحاً: الاعتقادات العلمية التي تبنى عليها العبادات العملية.
ومن شواهد التصنيف بهذه التسمية:
- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. لأبي القاسم اللالكائي (ت 418)
- كتاب الأصول. لأبي عمرو الطلمنكي (340-429).
- الفصول في أصول الدين. لأبي عثمان الصابوني (373-449).
5- التوحيد: لغةً: جعل الشيء واحداً. واصطلاحاً: اعتقاد وحدانية الله - تعالى -في ذاته، وصفاته، وأفعاله، ليس كمثله شيء، وإفراده بالعبادة. ومن شواهد التصنيف:
- كتاب التوحيد. لمحمد بن يحي بن منده (ت 301).
- كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب. لأبي بكر ابن خزيمة (223-311).
- كتاب التوحيد. لمحمد بن إسحاق بن منده (310-395).
ويطلق بعض الناس مسميات باطلة على هذا العلم الشريف، مثل:
1- الفلسفة: وهي كلمة يونانية، مركبة من مقطعين: (فيلو) أي محبة، و (صوفيا) أي حكمة. فالفلسفة عبارة عن محاولات بشرية للوصول إلى الحقيقة، عن طريق التأمل العقلي، دون الاهتداء بالوحي المنزل على الأنبياء.
2- علم الكلام: هو محاولة إثبات العقائد الدينية، بالطرق العقلية، القائمة على المنطق الأرسطي، نسبة إلى الفيلسوف اليوناني (أرسطو)، وليس بالأدلة الشرعية.
وقد ذم السلف علم الكلام، حتى قال الإمام أحمد: (لا يفلح صاحب كلام أبداً)، وقال الشافعي: (حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على علم الكلام). فهو علم دخيل على الأمة الإسلامية، أدى إلى وقوع كثير من الخلل والانحراف لدى المشتغلين به، فأفنوا أعمارهم، وضيعوا أوقاتهم، ولم يظفروا إلا بالندم. وقد عبر عن ذلك أحد أساطينهم، فقال:
(نهاية إقــدام العقول عقـال * * * وأكثر سعي العالمين ضـلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا * * * وغاية دنيانا أذىً ووبـــال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا * * * سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرءان...ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي).
3- الفكر الإسلامي: العقيدة الإسلامية ليست فكراً، بل هي وحي يوحى. والفكر نتاج عقول البشر، يحتمل الصواب والخطأ، ويخضع للنقاش والنقد، لكونه غير معصوم.
4- التصور الإسلامي: التصور، أيضاً، مبناه على الفكر والخيال، القابل للخطأ، بخلاف العقيدة المحفوظة المعصومة من الزيغ والضلال.
5- الأيديولوجية الإسلامية:وهي بمعنى الفكرة الإسلامية، أيضاً. وإلى جانب ذلك هي كلمة أجنبية لا يليق أن تضاف إلى الإسلام، أو يستعاض بها عن الألفاظ الشرعية.