دعوات التقريب بين السنة والشيعة
محمد بن طاهر
لا يزال بعض الناس يهون من خطر الرافضة، ويدعي أنه يمكن التقريب بين مختلف مذاهب المسلمين المعتمدة وبينهم، بل ويحاول خلط الأوراق أحيانا بأن الرافضة تطرف شيعي يواجه تطرفا سنيا آخر، كما يحلو له وصف ما يسميه الوهابية.
وقد صرف بعض الإسلاميين المخدوعين شطرا من أعمارهم في دعوات التقارب والتقريب بين أهل السنة وبين الشيعة الرافضة الإمامية، ولم يصلوا إلى شيء يذكر، ولم يحصل تقارب بين هذين النقيضين، ولا يمكن أن يحصل لِأن الذي يفرق أكثر من الذي يجمع، والتضاد في المذهبين أكثر من التماثل.
بدأت دعوات التقريب بين السنة والشيعة في مصر قبل حوالي القرن من الزمان، وكانت بداياتها على يدي رجل مشكوك في انتمائه السني وهو جمال الدين الأفغاني أحد المفكرين الإيرانيين الذي كان يقيم في مصر في أواخر أيام الدولة العثمانية، وهو رائد ما تسمى الحركة الإصلاحية حينذاك، والتي كانت تحمل جوانب إيجابية وأخرى سلبية، منها دعوات التقريب هذه.
وقد انساق خلف هذه الدعوات بعض المهتمين بالشعارات الفضفاضة مثل شعار الوحدة الإسلامية، والذين يتمنون جمع جميع المنتمين للإسلام بغض النظر عن مذاهبهم وانتماءاتهم وموقفهم من صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجاته أمهات المؤمنين، وبغض النظر من مواقفهم في تكفير بقية المسلمين ممن لا يؤمنون بمبادئهم كالإمامة والوصية وغيرها.
وقد تداخل في دعوات التقريب بين السنة والشيعة هذه مواضيع أخرى متعددة أهمها الجهل بحقيقة الشيعة وعدم معايشتهم، فإن أكثر الناس تحذيرا من الشيعة ومعرفة بأخطائهم وأخطارهم وفتنتهم صنفان من الناس: الأول هم أهل العلم الشرعي الذين يقضون أعمارهم في القراءة والاطلاع والدراسة في كتب العقيدة والتوحيد والإيمان، ويعرفون أقوال أولئك القوم الضالين وشذوذاتهم وانحرافاتهم وتاريخهم الأسود في خذلان المسلمين والتعاون مع مخالفيهم.
والثاني: هم المجاورون للرافضة والمعايشون لهم في بلادهم وحدودهم، والذين يعرفون ضلالاتهم وانحرافاتهم بالمعايشة، مثل الإيرانيين السنة، وبعض الخليجيين الذين توجد في مناطقهم الشيعة الرافضة، والعراقيين واللبنانيين وغيرهم، ولذلك فإن التاريخ ينقل لنا أن أشد علماء المذاهب على الرافضة كانوا هم الأحناف لأنهم أهل الهند والباكستان وإيران والعراق وهم أكثر القريبين من مناطق وجود الشيعة في الحقب التاريخية الماضية.
ولذلك فإن دعوات التقريب هذه التي نشأت في مصر حينذاك قامت في وسط مجتمع لا يعرف التشيع ولم يعايشه، كما أنها نشأت على أيدي بعض المفكرين والمثقفين الذين لم تكن لهم اهتمامات بعلم العقيدة والتوحيد وتاريخ أولئك القوم، فهونوا من شأن التشيع، واعتبروه خلافا يشبه الخلاف الفقهي بين المذاهب الإسلامية، وأن الواجب على الأمة تجاوز هذه الخلافات لأنها خلافات تافهة جانبية، وأن وحدة المسلمين على أي شكل وبأي وسيلة وسبيل هي الأمر الواجب الأخذ به واتباعه، واعتباره غاية لا يجوز أن تمنع عنها أي قضية أخرى.
وقد لقت تلك الفكرة في بعض الأحايين رواجا كبيرا في مصر، وانضم لها عدد من المفكرين والمثقفين وبعض المنتسبين للأزهر ولبعض الجماعات الإسلامية، ونشأ دار للتقريب بين السنة والشيعة في مصر، وجاء بعض الشيعة الرافضة الاثني عشرية من إيران ليقيموا في مصر ويستغلوا هذه الدعوة في توزيع كتبهم ومنشوراتهم في وسط المجتمع المصري السني، وتطورت هذه الأمور فترة حتى فرض أحد مشايخ الأزهر الكبار المذهب الجعفري كمذهب فقهي خامس يدرس مع المذاهب السنية الأربعة في جامعة الأزهر، وأصبح مذهبا معتمدا في الجامعة، وهو الاختيارات الفقهية للشيعة الرافضة، ومذهب باطل يقوم على أحاديث مكذوبة لا خطام لها ولا زمام، ولا يأخذ من كتب الحديث المعتمدة التي تصح نسبة أحاديثها للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثم بدأ بعض الناس يفيقون من هذه المرحلة الفريدة في تاريخ المسلمين، والتي جنبوا فيها العلم والمعرفة والاطلاع وانساقوا خلف عواطف ساذجة، ورغبات محمومة لفرض شعارات فضفاضة كالوحدة الإسلامية بغير ضوابط ولا حدود، وكان من أولهم المفكر الكبير محب الدين الخطيب، الذي وصل إلى حقيقة أنه لا يمكن التقريب بين السنة والشيعة الرافضة، لأن للقوم مذهبا منحرفا مليئا بالخرافات والأباطيل، ويقوم على أسس باطلة يستحل بها الرافضة سب الصحابة والطعن في سلامة القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة، ويقوم على غلو لا حدود له في أئمة الرافضة وزعمائهم، وألف هذا العالم الشامي كتابا سماه (الخطوط العريضة لدين الشيعة الإمامية) وهو مطبوع موجود الآن في المكتبات، وكذلك كان ممن تراجع عن هذه الدعوة غير الرشيدة (دعوى التقريب) الأستاذ مصطفى السباعي المراقب العام للإخوان المسلمين في سوريا في فترة الخمسينيات من القرن الميلادي الماضي، والذي قال أن الشيعة ليسوا صادقين في دعوات التقريب مع أهل السنة بل يستغلون هذه الدعوة للتقريب إلى مذهبهم فحسب، وكذلك تراجع الكثير من المفكرين عن هذه الدعوات الباطلة، وبدأ بعضهم يتململ منها ومن عدم حصول فائدة تذكر من مؤتمرات التقريب بين المذاهب التي تعقد بين الفينة والأخرى، وكان من آخرهم الشيخ يوسف القرضاوي، والذي بدأ الآن يخرج من فكرة التقريب بين المذاهب إلى فكرة التعايش بينها فحسب، وعلى قاعدة عدم الدعوة والتبشير في أوساط المذهب الآخر، وهو ما يصادم مبدأ تصدير الثورة التي قامت على أساسها دولة إيران.
ولم تكن مثل هذه الدعوات في التقريب بين المذاهب موجودة في القرون الماضية من عمر المسلمين منذ نشأ التشيع في القرن الهجري الأول، وحتى القرن الهجري قبل الماضي، لأن العلم كان منتشرا، والعلماء متوافرون، والجميع يهتم بعلم التوحيد والعقيدة، فكانت مسألة الرافضة مسألة واضحة بينة وأنهم أهل ضلال وانحراف وزندقة، وإنما يجب جهادهم والوقوف في وجه خطرهم العظيم وضلالهم الكبير، وإنما قامت هذه الدعوات لما أصبح يقود الأمة بعض المفكرين والمثقفين، ولما نشأت في أوساطها طائفة من المنتمين للعمل الإسلامي يهونون من ذلك العلم العظيم.