الحزب الجديد للمليونير الروسي وآماله الإسرائيلية

توفيق أحمد

 

لم يمر وقت طويل على إطلاق حزب جديد في الكيان الصهيوني -وهو الذي تزعمه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق (آرييل شارون)- حتى بدأ الإعلام الإسرائيلي يروّج لحزب جديد، تُعقد عليه الآمال لتحسين وضع الإسرائيليين، وإخراج الحالة الإسرائيلية الداخلية والخارجية من حالة "الدوران المفرغ" التي دخلتها منذ عدة سنوات.

 

الإعلان الجديد للحزب أثار الكثير من التساؤلات داخل الكيان الصهيوني، هي محل جدل في الحقيقة، خاصة في ظل عدم كفاءة القيادة السياسة الحالية في تل أبيب، وخروج الرئيس الإسرائيلي بطريقة غير مشرّفة، بسبب فضيحة جنسية تتعلق "بالتحرش" بالموظفات!.

 

الحالة السياسية:

يعيش الكيان الصهيوني حالياً حالة من فِقدان الاتزان السياسي الواضح، فالرئيس الإسرائيلي الذي أجبر على الاستقالة بعد "صفقة" قانونية عقدها محاميه مع الادعاء العام، أفقد الإسرائيليين الثقة بأخلاقيات القادة السياسيين، ورفع موجة الغضب في الشارع لدرجة شنّت فيها الصحف الإسرائيلية حَمَلات تشهير وتقريع لـ(كاتساف)، في حين يواجه الآن آخر حائط مقاومة ضده، وهو الكنيست، إذ تجري الاستعدادات على عجل من قبل نواب في البرلمان الإسرائيلي من النساء والرجال، لسَنّ قوانين تحظر على (كاتساف) الاستفادة من مزايا التقاعد التي سيحصل عليها من رياسته للكيان الصهيوني، وتشمل هذه المزايا رواتب شهرية، وإيجار منزل فخم، وبدل ضيافة، ومستخدمين وسيارات، وغيرها من المزايا.

 

أما الحكومة الإسرائيلية، فلم تعش أجواء سيئة أكثر من التي تعيشها الآن، بدءًا من شلل شارون الذي عقد عليه الإسرائيليون آمالا في التوصل لتسوية إسرائيلية فلسطينية تُنهي العنف الذي يقلق الإسرائيليين، ومن ثم خروجه مع أفكاره وطموحاته وقوته السياسية من حزب (كاديما) الذي كونه لأجل هذا الغرض، تاركاً زعامة الحزب والحكومة لإيهود أولمرت، الذي بدا غيرَ قادر على إدارة الدفة السياسية بالحد الأدنى لتسيير الأمور.

وصولاً إلى لجنة فينوغراد الحكومية، التي حطّت من القادة العسكريين الإسرائيليين، واتهمت وزير الدفاع وقائد الأركان بقلة الخبرة، واللجوء إلى مغامرة غير محسوبة النتائج.

وعلى الصعيد الآخر، لا يزال الأسرى الإسرائيليون الذين أسرتهم المقاومة الفلسطينية (جلعاد شاليط) أو الذين أسرهم حزب الله، خارج سيطرة الحكومة، دون أن تتمكن من التقدم في المفاوضات الخاصة بإطلاق سراحهم، وذلك يعني إخفاقها عسكرياً وسياسياً في هذا المجال أيضاً.

 

الحزب الجديد وسياسة جديدة:

على خلاف الأحزاب الأخرى السابقة، يبدو أن حزب العدالة الاجتماعية الذي أطلقه الملياردير الروسي أركادي جيداماك يوم الخميس الماضي (12 من يوليو) يعتمد على مبادئ اجتماعية وإحصائية في سبيل الفوز بعدد كاف في مقاعد الكنيست الإسرائيلي، تضمن له أداء دور أساسي في تشكيل الحكومة القادمة.

ولا يخفي جيداماك مطامعه الخاصة بالوصول إلى مناصب "محورية" في العملية القانونية والسياسية الداخلية، إذ أعلن مؤخراً عن نيته عدم الدخول في انتخابات الكنيست -وذلك يعني عدم وجود طموح له بأن يكون رئيساً للحكومة أو وزيراً مثلاً- قائلاً للصحفيين يوم الخميس: "ليس لي النية في أن أصبح رئيسا للوزراء، لكنني أريد القيام بدور رئيس على الساحة السياسة في إسرائيل". وبدلاً من ذلك، يفكر بالتقدم لمنصب "محافظ مدينة القدس المحتلة"، وهو منصب يعطيه قدرة على أن يكون أقرب للإسرائيليين في الداخل.

 

هذا المبدأ لم يكن وليد الصدفة، بل هو مبدأ اتخذه (جيداماك) منذ عدة سنوات، من خلال شركاته الخاصة العملاقة، التي دأبت على تقديم معونات خاصة للإسرائيليين في أوقات حرجة. منها: الإعانات، والمدينة الاصطناعية التي قدمها لسكان المناطق الشمالية من الكيان الصهيوني، والتي تضررت من جراء الحرب الأخيرة مع لبنان في صيف عام 2006، في حين عرض دفع نفقات قضاء عُطَل لسكان بلدة سديروت الجنوبية، التي غالبا ما تتعرض لهجمات الصواريخ التي تطلقها المقاومة الفلسطينية المسلحة من غزة.

وخلال الحفل الخاص بافتتاح حزبه، قال جيداماك للصحفيين: "هذه الليلة تشهد بداية التغير في هذه البلاد باتجاه العدل الاجتماعي"، وأضاف أنه "يريد تحقيق أمل أغلبية الإسرائيليين وذلك بإدخال تغييرات جذرية في إسرائيل".

كما يملك جيداماك فريق "بيتار جيروسليم"، أبرز فريق لكرة القدم في الكيان الصهيوني، ويرعى فريق "هبوعيل جيروسليم" لكرة السلة.

ويشترك ابن جايداماك (أليكساندر) في ملكية فريق بورسمث الإنجليزي مع رجل الأعمال (ميلان مانداريك) الأمريكي من أصل صربي.

 

أمام هذه الأموال الكبيرة التي يملكها جيداماك، قرر أن يعتمد في عمله السياسي على "الإحصاءات والبيانات الرقمية" التي يعلن نتائجها بين الحين والآخر، منها ما أطلقه المتحدث الرسمي باسم حزبه الجديد بالقول: "إن جيداماك قد نظم أخيرا مسحا أظهر بأن لحزبه حظوظا للفوز بما بين 17 و23 مقعدا في الكنيست في الانتخابات العامة المقبلة".

ومنها الإحصاءات التي اعتمدها أخيرا، والتي أشارت له بأن دعم حزب العمل أوفرُ حظاً بالفوز من دعم حزب الليكود بقيادة نتنياهو.

 

اللعبة السياسية:

لم يقدم جيداماك حتى الآن قائمته المختارة من المرشحين لدخول الكنيست الإسرائيلي، وذلك يبقي الكرة في ملعبه إلى حين قرب الانتخابات. ويفسّر ديفيد ناروديتسكاي (مستشار الحزب القانوني) عدم إعلان البرنامج الانتخابي أو أسماء المرشحين المحتملين حتى الآن بالقول: "إن حزب العدالة الاجتماعية قد صاغ بالفعل أهدافه- كلها اجتماعية تقريباً- ولكنه لا يزال يعمل على إنهاء برنامجه العام"، مدعياً أنه لن يتعامل مع القضايا الأمنية والسياسية.

 

ويرى جيداماك أن الحاجة الإسرائيلية الآن كبيرة لوجود حزب جديد، يحدث تغييرات في السياسة الإسرائيلية، الداخلية والخارجية.

وتشير التحركات السياسية داخل الكيان الصهيوني، إلى احتمال إجراء انتخابات مبكرة، تطيح على الأغلب بحزب كاديما، الذي لم يحقق أيا من الأهداف التي أعلنها منذ إنشائه العام الماضي. وهو هدف يعلن عنه جيداماك بكل صراحة، إذ قال خلال حفل افتتاح حزبه: "إن شغل الحزب الشاغل هو الإطاحة برئيس الوزراء أولمرت، زعيم حزب كاديما"، متهماً أولمرت وحكومته بضعف القيادة خصوصا خلال الحرب الأخيرة في لبنان.

جيداماك الذي قرر عدم خوض الانتخابات الحكومية بنفسه، مشيراً إلى عدم رغبته بأن يكون رئيساً للحكومة الإسرائيلية، أكد أنه يدعم رئيسَيْ قادة حزبي الليكود والعمل، بنيامين نتنياهو وإيهود باراك، لتولي الحكومة القادمة، معتبراً أنهم الأكفأ في ذلك.

وهو بهذا الإعلان يعطي لنفسه فرصة لركوب قارب الحزبين الرئيسين المعارضين لكاديما، (العمل والليكود) وذلك قد يؤمن له فرصة للوصول إلى ساحة السياسة والمشاركة في تكوين الحكومة المقبلة بنسب أكبر مما لو قرر خوض الانتخابات كحزب معارض للجميع، أو موال لكاديما.

 

ونقلت صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية نهاية الأسبوع الماضي، عن شركاء لجيداماك قولهم: "إنه على الرغم من إعلان رئيس الحزب الجديد لنتنياهو، إلا أنه قد يدعم إيهود باراك، خاصة وأن الناخبين الإسرائيليين ربما لا يصوّتون لحزب الليكود بقوة هذه المرة".

وتضيف الصحيفة الإسرائيلية بالقول: "إن جيداماك قرر دخول الميدان السياسي كعضو رئيس، إما من خلال قيادة حزب مستقل، وإما من خلال الاندماج مع حزب آخر". مشيرة إلى أنه وقبل خمسة أشهر من الآن، قرر الدخول إلى هذا الميدان، عبر إنشاء حركة أطلق عليها اسم "حركة العدالة الاجتماعية" والتي ستتحول إلى حزب بعد اجتماع الخميس.

وتوقعت الصحيفة أن يسجّل جيداماك حزبه أيضاً مؤسسة غير ربحية (خيرية)، ويركز جهوده على التفاعل مع الجمهور ومساعدة الإسرائيليين والتقرب منهم.

 

التعريف بـ(جيداماك):

هو مليونير يهودي، روسي المولد، من أكثر الشخصيات الإسرائيلية داخلياً شهرة وحيوية. تنامت شعبيته منذ توليه أحد أكبر النوادي الرياضية في الكيان الصهيوني، في الوقت الذي تنامى فيه السخط الشعبي على حكومة وحزب أولمرت.

قدم جيداماك إلى الكيان الصهيوني عام 1972، ومنذ ذلك الوقت، أنشأ مستعمرته المالية عبر سلسلة شركات ضخمة، تكاد تدخل في مختلف مجالات الاقتصاد الإسرائيلية. بينما انتشرت شعبيته في بادئ الأمر بين المهاجرين الروس، الذين يبلغ عددهم مليون يهودي تقريباً.

استغل جيداماك أحداث الحرب الأخيرة مع لبنان، ليظهر بمظهر السخي والكريم في تقديم بعض أموال شركاته لمساندة الإسرائيليين المتضررين من الحرب، وهو ما زاد من شعبيته بين اليهود. وخلال النداءات التي أطلقتها الحكومة قبل أشهر لسكان مستعمرة سديروت لإخلائها بسبب الصواريخ اليومية الفلسطينية، دفع جيداماك لقرابة 3 آلاف صهيوني للبقاء في منتجع (إيلات) على البحر الأحمر.

لذلك يقول جيداماك: "أنا الرجل الأكثر شعبية في إسرائيل"! حسبما نقلت شبكة البي بي سي عن مقابلة أجريت معه في نوفمبر الماضي.

 

سياسياً، يعد جيداماك حليفاً مقرباً من زعيم حزب الليكود "بنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء السابق، والذي يرى فيه "الشخصية الأحق بتولي الحكومة القادمة"!

ويقول المحللون السياسيون في الكيان الصهيوني: "إن الليكود سيكون أحد المستفيدين الأساسيين إذا ما دخل حزب العدالة الاجتماعية الانتخابات القادمة" مشيرين إلى أن نتنياهو سيكون الأقرب لتولي قيادة الحكومة القادمة.

وبرغم دعمه لحزب متطرف "الليكود" إلا أن جيداماك يحاول اللعب على أكثر من حبل سياسي، إذ يعلن على الدوام أن أحد أهم أهدافه، هو تحقيق السلام بين العرب واليهود في المنطقة. ويبدو في مناسبات كثيرة أحد الداعمين لفلسطينيي الداخل.

 

ويحمل جيداماك الجنسية الأنجولية والفرنسية والإسرائيلية، حسب ذكر الصحافة الإسرائيلية، بسبب أعماله وصفقاته الخارجية، التي كانت إحداها سببا في ملاحقة الشرطة الفرنسية له. ولا يزال جيداماك يعتبر مطلوباً للسلطات الفرنسية، على خلفية صفقة أسلحة غير شرعية عقدها مع أنجولا في أوائل التسعينيات.

 

داخلياً، يركز جيداماك أساسا على البرامج الاجتماعية والاقتصادية، مشيراً إلى أن الإسرائيليين يحتاجون لدعم اقتصادهم أولاً، ويؤكد حزب جيداماك أن 20% من سكان الكيان الصهيوني يعيشون تحت مستوى خط الفقر.

 

14/7/1428 هجري

29/07/2007 ميلادي

 

http://www.alukah.net                المصدر: