لماذا أصبح الصراخ لغة الحوار في بيوتنا ؟

 

ظاهرة جديدة تسللت إلى حياتنا وبيوتنا وأصبحت مرضا خطيرا، بل وباء مزعجا ينتشر كالنار في الهشيم، ألا وهي ظاهرة الصراخ المستمر للزوجة "الأم" طوال اليوم حتى لا يكاد يخلو منه بيت أو تنجو منه أسرة لديها أطفال في المراحل التعليمية المختلفة..

(يا سادة اسمحوا لي أن أدق ناقوس الخطر.. )

 

الأسباب:

ففي معظم بيوتنا الآن وبسبب الأعباء المتزايدة على الأم بسبب العمل وصعوبة الحياة وسرعة إيقاعها ومشاكلها الاجتماعية والاقتصادية والضغوط النفسية المتزايدة، وربما أيضاً بسبب طموحات المرأة التي تصطدم غالبا بصخرة الواقع المر والمعاكس، بالإضافة إلى مسؤولية الأم في مساعدة أطفالها في تحصيل وفهم واستيعاب دروسهم ودس المعلومات في رؤوسهم بعد أن فقدت المدرسة دورها، الأمر الذي جعل الأم في موقف صعب خاصة في أيام الامتحانات وهي على الأبواب، فكيف لها بعد يوم عمل شاق وطويل ومعاناة في العمل وفي الشارع، وربما بسبب القهر الذي تشعر به من الرجال تجاهها خارج المنزل، وأحياناً داخله.

 

كيف لها بعد كل ذلك أن تقوم بدورها في تربية وتنشئة أطفالها وتقويم سلوكياتهم وإصلاح " المعوج " منها أمام طوفان من التأثيرات السلبية التي تحيط بهم من كل جانب في زمن القنوات المفتوحة والدش والإنترنت والموبايل والإعلانات الاستفزازية؟

وكيف لها بعد أن تعود إلى بيتها مرهقة ومنهكة وغالباً محبطة أن تدس الدروس والمعلومات والإرشادات والتوجيهات في عقول أبنائها في برشامة مركزة يصعب عليهم غالباً ابتلاعها؟!

 

 عبئا كبيرا على الزوجة

ومن هنا ظهر المرض ومعه الكثير من الأمراض المختلفة، وكثرت الضحايا وامتلأت عيادات الأطباء بأمهات معذبات تجمعهن غالبا ظروف متشابهة وهي انشغال الأب بعمله أو سفره للخارج، واعتقاده الخاطئ بأن دوره يقتصر على توفير الأموال لأسرته واعتماده الكامل على الزوجة في التربية والتنشئة ومساعدة الأطفال في تحصيل دروسهم الأمر الذي شكل عبئاً كبيراً على الزوجة وضغطاً مستمرا على أعصابها.. الخطورة هنا أنه مع تطور أعراض المرض والتي تبدأ كالعادة بـ "ذاكر يا ولد.. ذاكري يا بنت.. اسكت يا ولد.. ابعد عن أختك ماتعطلهاش.. حرام عليكم تعبتوني.. أنتم ما بتفهموش.. الخ" تقول الأم ذلك بانفعال وحدة ثم بصوت عال ورويدا رويدا تبدأ في الصراخ وتفقد أعصابها تماما وتتحول الحياة في البيت إلى جحيم.. وهنا يبدأ الأطفال في الاعتياد على الصراخ ويتعايشون معه فهم يصبحون ويمسون عليه" اصح يا ولد الباص زمانه جاي.. نامي يا بنت عشان تصحي بدري.. اطف التليفزيون يا بني آدم.. ابقوا قابلوني لو فلحتم.. الخ"

المهم في هذا الجو يبدأ كبار الأطفال في التعامل مع أشقائهم الأصغر بأسلوب الصراخ.. وهنا يزداد صراخ الأم للسيطرة على الموقف.. ولو فكر أحد يوما في أن يستعمل السلم بدلاً من المصعد للصعود إلى شقته فسوف يسمع صراخا يصم الأذنين ينبعث من معظم الشقق، وعندما يحضر الأب بعد يوم شاق واجه خلاله ضوضاء وصراخا في كل مكان.. في العمل.. في الشارع، ويكون محملا غالبا بمشاكل وصراعات وإحباطات، وربما أيضاً بصراخ الضمير في زمن أصبح الماسك فيه على دينه وأمانته ونزاهته وأخلاقه كالماسك الجمر بيده أو بكلتا يديه.. المهم عند عودة الأب يحاول الجميع افتعال الهدوء تجنبا لمواجهات قد لا تحمد عقباها.

 

 الجميع يصرخ

ولكن لأن الطبع يغلب التطبع، ولأن المرض يكون قد أصاب كل أفراد الأسرة.. فإن الأب يفاجأ بالظاهرة بعد أن أصبحت مرضا مدمرا، فيبدأ بالمناقشة مع زوجته.. " ماذا حدث؟ ولماذا؟ إيه اللي جرى لكم؟ صوتكم واصل للشارع؟ فتبكي الزوجة المسكينة وتنهار وتعترض: نعم أنا أصرخ طوال النهار أنا قربت أتجنن ولكنه الأسلوب الوحيد الذي أستطيع التعامل به مع أولادك".. اقعد معانا يوم وجرب بنفسك.. وهنا ربما يحاول الزوج احتواء الموقف ودعوة زوجته المنهارة للهدوء، وربما يطيب خاطرها بكلمة أو كلمتين، ولكن وهذا هو الأغلب حدوثا للأسف- ربما ينحرف الحوار إلى الجهة الأخرى خصوصا عندما يؤكد الزوج لزوجته " أنه هو الآخر على آخره وتعبان ومحبط ومحتاج أن يأكل وينام.. وهنا قد تصرخ الزوجة حرام عليك حس بيه شوية.. أتكلم متى معاك؟ ساعدني أنا محتاجة لك.. ويرد الزوج غالباً: وأنا محتاج لشوية هدوء حرام عليك أنت وكلمة وكلمتين يجد الزوج نفس في النهاية يصرخ هو الآخر"، فلا أسلوب يمكن التعامل به مع هؤلاء سوى الصراخ وتفشل محولات بعض العقلاء من الأزواج في احتواء الموقف والتعامل مع الظاهرة "الصارخة" بالحكمة والمنطق والهدوء ويستمر الجحيم والانهيار.

وأتوقف هنا لأؤكد.. أنني من واقع ما رصدته من حالات خلال عملي، ومن واقع ما وصل إلى مسامعي حول هذه الظاهرة فإنني وجدتني أكتب لكم عنها، ولست أعمم ذلك على الجميع، ولست أضع الأم المكافحة محل الاتهام.. بالعكس، فبالقدر نفسه الذي أريد أن ألقي فيه الضوء على تلك الظاهرة فإنني أؤكد أن الأم على رغم كل ما يواجهها من صعوبات وتحديات ما زالت تؤدي دورها على أحسن وجه وتربي أولادها وتضحي من أجلهم وتعطيهم الحب والحنان، وحتى هؤلاء اللاتي أصبن بهذا المرض المهلك وهو مرض الصراخ، لم يقلل هذا من قدرهن ودورهن ومكانتهن وحرصهن الشديد على مصلحة أطفالهن وأسرهن..

ولكن دافعي للكتابة هو رغبتي في أن أطرح سؤالا: إلى متى ستظلين تصرخين يا سيدتي؟

وربما أردت أيضاً أن أضع هذه الظاهرة الخطيرة على مائدة البحث والدراسة، وإن استنفر الجميع، لمحاولة البحث عن أسبابها وعلاجها..

ولعل من المناسب أن أطرح سؤالاً أخيرا: أين أمهات الزمن الجميل؟ هل كانت أمهاتنا يصرخن مهما زاد عدد أفراد الأسرة؟ وهل فشلن في تربيتنا وتنشئتنا؟ ولماذا إذن الكثيرون منا رجالا ونساء فاشلون في تربية أطفالهم ورعاية أسرهم؟

لماذا أصبح الصراخ هو اللغة الوحيدة للحوار، بل السمة المميزة والمسموعة في بيوتنا؟

وفي النهاية فإني بالتبعية أصرخ أيضاً لعل صوتي يصل إلى الجميع..فهل تجد صرختي هذه صدى عند علماء النفس والدين والاجتماع؟

 

http://www.osrty.com                المصدر: