ماذا يحدث في القرن الإفريقي؟

بوسطن جلوب

ترجمة: شيماء نعمان

10 /8/1428هـ

23-8-2007م

 

دائمًا ما كان موقعها الإستراتيجي المتميز في منطقة جنوب البحر الأحمر سببًا في جعلها بؤرة مشتعلة بالاضطرابات، ومطمح للقوى الكبرى للسيطرة عليها، إنها منطقة القرن الإفريقي التي تشهد في الوقت الراهن مزيدًا من الأزمات مع اتساع مد الحرب الأمريكية العالمية ضد "الإرهاب"، واجتياح الجيش الإثيوبي للأراضي الصومالية؛ بهدف إسقاط الإسلاميين الذين تتهمهم واشنطن بصلتهم بتنظيم "القاعدة".

وتحت عنوان "جمود مسموم في إفريقيا" كتبت صحيفة "بوسطن جلوب" الأمريكية في مقال افتتاحي لها:

إن الولايات المتحدة تقوم في الوقت الراهن بتوسيع تواجدها العسكري في القرن الإفريقي؛ في محاولة للتصدي لما تصفه بـ "الجماعات الإرهابية" في المنطقة. غير أن مثل ذلك النشاط العسكري ليس هو السبيل الصحيح لتحقيق الهدف، حيث يتطلب الوضع الحالي منها، بدلاً عن ذلك، أن تقوم ببذل مزيد من الجهد من أجل تسوية الصراع السياسي القائم هناك؛ والمتمثل في الصراع الحدودي بين إثيوبيا وإريتريا.

وقد أنشأت القوات الأمريكية شبكة من النقاط العسكرية في كلٍ من إثيوبيا وكينيا؛ معتمدة على قاعدتها العسكرية في جيبوتي، كما أقامت الولايات المتحدة كذلك قيادة أمريكية في إفريقيا لتنسيق الأنشطة العسكرية. وقد شنت مروحيات أمريكية مسلحة، في يناير الماضي، غارات استهدفت عناصر إسلامية مشتبه بها جنوبيْ الصومال، كما تواصلت تلك الغارات في الوقت الذي كانت القوات الإثيوبية تجتاح فيه العاصمة الصومالية مقديشو لدعم ما يسمى بالحكومة المؤقتة هناك.

وذكرت "بوسطن جلوب" أن الإريتريين ـ الذين وجدوا الفرصة سانحة لخلق المشكلات لإثيوبيا ـ يدعمون العناصر الإسلامية المقاتلة بالسلاح والمشورة العسكرية.

وقالت الصحيفة إن السؤال هو: هل يمكن أن تتحول مقديشو إلى بغداد أخرى، مع تقمّص الجيش الإثيوبي لدور القوات الأمريكية في العراق؟ الحقيقة أن الإثيوبيين في حاجة إلى الانسحاب من الصومال قبل حدوث ذلك.

وبلا ريب فإن بعض "الإرهابيين" يتخذون من الصومال ملجأً لهم، بيد أنه على الولايات المتحدة ألا تنظر للقرن الإفريقي بصورة مباشرة كجبهة في "الحرب على الإرهاب"، فالحرب التي لم تحسم بعد بين إريتريا وإثيوبيا ـ والتي استمرت بين عاميْ 1998، و2000 ـ تُعد تهديدًا أخطر للسلام.

وهو ما يستوجب منح الأولوية لتسوية مشكلة الحدود بين البلدين.

وكانت محكمة دولية مستقلة، والتي بحثت القضية بدعم من الجانبين، قد قررت عام 2002 منح جزء من الأراضي المحيطة ببلدة بادم الحدودية لإريتريا.

وغير المتابع للموقف يرى أن هذه المنطقة الريفية الوعرة ليست بالأهمية التي تدفع للاقتتال بشأنها، غير أن الإثيوبيين قد رفضوا الانسحاب منها، كما قام الإريتريون بمضايقة القوة الدولية التي تراقب وقف إطلاق النار، وأرسلوا قوات إلى المنطقة الحدودية المحايدة بين الجيشين.

وصرح رئيس الوزراء الإثيوبي، "ملس زيناوي"، في يونيو أن بلاده توافق على الحدود من حيث المبدأ، ولكنها تريد مزيدًا من المحادثات حول كيفية تخطيطها.

هذا، وقد وافق مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة الأسبوع الماضي على تمديد فترة انتداب قوات حفظ السلام الدولية بالمنطقة لستة أشهر أخرى.

إن الوقت قد حان لإيجاد حل نهائي ودائم للصراع بين إثيوبيا وإريتريا، ويجب على الأمين العام للأمم المتحدة، "بان كي ـ مون"، جعل تسوية المسألة هذا العام واحدة من أهم أولوياته.

ويمكن للولايات المتحدة أن تُسهم في ذلك عن طريق ممارسة مزيد من الضغط على إثيوبيا، التي تعد حليفًا فعليًا لواشنطن يستقبل مئات الملايين من الدولارات في صورة مساعدات. إن الأمر لن يكون يسيرًا. فرئيس إريتريا، "أسياس أفورقي"، نفسه يمثل مشكلة حقيقية فهو مستبد الرأي، وينتهج سياسات قمعية، كما أنه لا يخشى اتخاذ قرارات منفردة حتى لو تحمّل شعبه عواقب العزلة والتعبئة الدائمة للحرب.

ووفقًا لإحصاءات تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، فإن الصراع بين إثيوبيا وإريتريا قد أزهق أرواح نحو 100.000 شخص، وهي خسائر في الأرواح أكبر إلى حد بعيد من تلك الناجمة عن الأنشطة "الإرهابية".

وتختتم الصحيفة تحليلها بالتأكيد على أهمية التسوية بين البلدين، مشيرة إلى أن مثل تلك التسوية ستذلل الطريق أمام تأسيس جبهة مشتركة في وجه مصادر العنف عديمة الجنسية في القرن الإفريقي.

 

قدر الصومال

وكما حذرت "بوسطن جلوب" من تحوّل مقديشو إلى بغداد أخرى، قالت صحيفة "خليج تايمز" الإماراتية الناطقة باللغة الإنجليزية إن الوضع في الصومال بات يمثل نموذجًا أفغانيًا.

وجاء في مقالها الافتتاحي يوم 12 أغسطس تحت عنوان "قدر الصومال":

تمامًا كما كانت تتوقع المخاوف، فإن امتداد الحرب الغربية ضد "الإرهاب" حتى حدود الصومال قد تسبب في خلق وضع يماثل ذلك الذي أفرزته الحرب الأمريكية في أفغانستان. فالميليشيا الإسلامية التي تم إسقاطها ترفض المشاركة في عروض العفو والحوار التي تقدمها الحكومة، ولا ترضى بأقل من انسحابٍ تام للقوات الإثيوبية من الصومال، وعودة إلى قراءتهم الخاصة للشريعة الإسلامية.

في الوقت نفسه، فإنهم سوف يواصلون تسللهم عبر الحدود المسامية، ويذوبون بين سفوح الجبال حتى يتم إنجاز أهدافهم.

وكما نجحت حركة طالبان في إنهاء عقدين من القتال شبه المتواصل في أفغانستان، فإن إسلاميي الصومال كذلك تمكنوا من تقديم أول وقف للمواجهات في البلاد التي مزقها القتال على مدى نفس الفترة الزمنية تقريبًا. وفي الحالتين تم تحجيم أمراء الحرب عن طريق قيادة قوية. علاوة على ذلك، فإن دعوات الغرب المطالبة بـ"الديموقراطية" ومواجهة "التطرف" قد ردت البلدين مجددًا إلى دوامة القتل والعنف التي عانتا منها لردح كبير من الزمن.

ومن الضروري ملاحظة أن أهم المناطق الحاسمة التي يمكن من خلالها تبني منحى مختلف هي الطريق الذي يمكن أخذه من هنا. فلو تمت حماية الصومال من التحوّل إلى ملاذ "للعناصر المتمردة" على غرار أفغانستان، فإن إجحاف "حرب الإرهاب" يجب ألا يتكرر في مقديشو.

ويجب ألا يغيب عن واشنطن أن قدرة "المتشددين"، وعزمهم على الاستمرار في شن حرب عصابات أمر لا نهاية له. وكما في أفغانستان والعراق، فإنهم في الصومال كذلك سوف يواصلون الكمائن، والتفجيرات، وإطلاق النار حتى تنهار الحكومة الدمية المعيّنة في مقديشو، ويتقدمون مجددًا من أجل تعويض الفراغ.

وعلى المجتمع الدولي كذلك أن يعي تمامًا أنه طوال ذلك الوقت سيظل المدنيين الأبرياء يتعرضون للقتل والحرمان من كل ما يمت بصلة للحياة الطبيعية. ولو كانت حماية مصالح الناس تؤدي في المرتبة الأولى إلى التدخل، فإن مرتكبي "الحرب على الإرهاب" لديهم سببًا للشعور بالخزي الحقيقي والبحث عن الذات.

هذا، ولم تحظى الصومال بحكومة مستقرة خلال نحو 16 عامًا، كما أن ظواهر الأمور تشير إلى أنه من غير المحتمل كذلك أن تحظى بها في المستقبل القريب.

 

ــــــــــــــــــــ

المصادر:

1- صحيفة "بوسطن جلوب" الأمريكية

http://www.boston.com/news/globe/editorialopinion/editorials/articles/2007/08/07/inafricaapoisonousstandoff/

 

2- صحيفة "خليج تايمز" الإماراتية الناطقة بالإنجليزية

http://www.khaleejtimes.com/DisplayArticleNew.asp?xfile=data/editorial/2007/August/editorialAugust25. xml&section=editorial&col=

 

 http://www.islammemo.cc                     المصدر: