إيمان العقيل : الإنترنت أبان عن مستوى راق من النضج الثقافي

حوار: هناء الحمراني

 

قالت الأستاذة إيمان العقيل بأن المارد الإنترنتي بدأ يسحب البساط -وبسرعة مذهلة- من تحت عرش وسائل الإعلام التقليديّة (التلفاز والإذاعة والمطبوعات)..وبات جمهوره في تزايد هائل لم تشهده أي وسيلة اتصال سابقة..فضلاً عما تتميّز به هذه الوسيلة عن غيرها، من انفتاحها بلا قيود سوى الرقابة الذاتية - على ما تقول وتكتب..

جاء ذلك في الحوار الذي أجريناه مع الأستاذة إيمان العقيل مديرة تحرير مجلة (حياة)، والذي رأت فيه بأن قضية المرأة أصبحت لعبة يتلهّى بها بعض الكتاب بعيداً عن قضايا الأمة المصيرية.. وبات أي إنسان يروم الشهرة وإثارة الجلبة حول اسمه.. يسلك سبيل مخالفة المجتمع، ويرفع عقيرته زاعماً الدفاع عن المرأة.

 

في البداية.. من هي الأستاذة إيمان العقيل.. ؟

إيمان بنت عبد الله العقيل. حاصلة على دبلوم حاسب آلي، ودبلوم صحافة، ربة أسرة وأم لخمسة أبناء. مديرة تحرير مجلة (حياة) للفتيات. ومعدّة برنامج منتدى المرأة في قناة (المجد) الفضائية. كما أنني محرّرة زاوية أسبوعية في ملحق الرسالة، جريدة المدينة.

 

قبل ولادة مجلة (حياة).. هل كانت لديك أعمال سابقة؟

اهتمامي بالعمل الاجتماعي والإعلامي.. كان سابقاً على انخراطي بمجلة (حياة)، وكان وجودي إلى جانب زوجي في أمريكا وتوفر مساحات واسعة للنشاط والعمل الاجتماعي فرصة لاكتشاف طاقاتي وقدراتي وتفهم واقع الثقافات المختلفة، ففي مدينة (بولمن) الأمريكية كانت بدايات نشاطي في اللجنة النسائية، وقد امتزجت في جو إيماني حميم مع مجموعة نسائية من مختلف أصقاع المعمورة، وانطلقنا بحماس لنقدم خدماتنا للجالية المسلمة والمجتمع الأمريكي.. قمنا بإعداد البرامج لتعزيز رابطة الإخاء وحفظ هوية أبناء وبنات المجتمع المسلم هناك من خلال مدرسة الأحد والدروس الأسبوعية واللقاءات الدورية.. كما حرصت الأخوات على إيجاد قنوات الاتصال والتفاهم مع شرائح المجتمع الأمريكي من خلال تنظيم اللقاءات والندوات وإيصال كلمة الحق للآخرين.. وبحمد الله شهدنا إسلام العديد من الأخوات إبان تلك الفترة الحيوية.. كما أتاحت لي فترة التواجد في أمريكا فرصة تطوير قدراتي الإدارية والتنظيمية من خلال المشاركة الفاعلة في تنظيم الملتقيات على مستوى الولاية الواحدة، أو التنسيق للمؤتمرات القارية والتي يحضرها عشرات الألوف من المسلمين، وتمتاز بحسن التنظيم والإعداد، ونستضيف فيها قيادات نسائية من شتى أنحاء العالم.. وفي كنف تلك اللقاءات تتلاقح الأفكار، ويتبادل الجميع الخبرات، إضافة إلى ما يمثله هذا التجمع من تلاقٍ لمختلف الأجناس والأفراد من أجل رفعة كلمة الحق.. وهو ما يجسد قول المولى - عز وجل -: (إنما المؤمنون إخوة).. ولا أنسى تجربتي إبّان عودتي إلى أرض الوطن من خلال انضمامي للجنة النسائية للحملات الإعلامية التي شكّلتها الهيئة العليا لمسلمي البوسنة والهرسك.. كما كان لي شرف عضوية اللجنة النسائية بالندوة العالمية للشباب الإسلامي لفترة محدودة.. وفي تلك الفترة كنت أحرص على المشاركة في الحراك الاجتماعي والمساهمة في العطاءات الإعلامية المختلفة.

 

كيف ظهرت فكرة مجلة (حياة)؟

فكرة العمل الإعلامي كانت تعتمل في نفسي منذ فترة، وربما كان لمشاركاتي في المطبوعات إبان الغربة دور في تعزيز هذا الاتجاه وتنمية الوعي بأهميته.. ومن محاسن الصدف أن تلاقت اهتماماتي وتوجّهاتي برغبة بعض المتخصصين بالشأن الإعلامي والمهتمين بإيجاد البديل المناسب للفتاة الخليجية من خلال مجلة بناتية تلمس احتياجات البنت، وتتطرق لهمومها وتطلعاتها.. بالطبع لم يكن الاختيار ابتداء للشريحة البناتية، بل كان إيجاد بديل محافظ في الساحة الإعلامية.. ولكن دراسة السوق ومعرفة واقع المجلات المتوفرة بالساحة.. أدى إلى التوصل لقرار إصدار مجلة خاصة بالفتيات.. وقد كنت مهيأة لهذه الانطلاقة المباركة..

 

هل حققت المجلة النجاح المطلوب في رأيكم؟

لقد كان يملؤني التفاؤل منذ انطلاقة المشروع.. ولم يخالجني شك في نجاحه، خصوصاً وأنا أشهد الأعداد الضخمة مما تقذف به المطابع من مجلات ومطبوعات تستهدف بناتنا.. ومعظمها للأسف- تكرر نفس الموضوعات بل ونفس الأغلفة، على الرغم من ذلك تجد من يشتريها ويقرؤها.. ومجتمعاتنا الخليجية معروفة بتمسكها بأصالتها وحفاظها على هويتها، وهذا ما نشهده في سلوك الأغلبية الساحقة، لذلك فإن المنطقي هو وجود نوعية تلبي حاجة هذه الشريحة الضخمة.. وبذلك نكون قد قدمنا لهن فرصة الاختيار بين ما هو معروض.. ولم يعدْ لون واحد هو ما يُعرض عليهن عندها كانت الاستجابة لهذه المجلة الوليدة بمستوى طيب.. وهذا ما يدعونا دوما كأسرة تحرير إلى العمل الدؤوب والمستمر على تطوير المادة المقدمة بشكل دوري بما يتلائم مع الجديد والمفيد للقارئات..

 

ما الرسالة التي توجهها مجلة (حياة) لفتياتنا؟

مجلة (حياة) كمطبوعة بناتية، تسعى إلى جانب المطبوعات المحافظة إلى تقديم إعلام نقي يربط الفتاة بأسرتها ومجتمعها، ويقدم لها مادة رشيقة متجددة، بقالب ينفذ إلى عقلها وقلبها.. ولعلي أوجز رسالة المجلة بكُليمات: (حياة) مطبوعة تساهم في صياغة فتاة مؤمنة بربها معتزة بهويتها ومنفتحة على واقعها بإيجابية..

 

كمشرفة لمنتدى برنامج منتدى المرأة في منتديات الصفوة لقناة (المجد) الفضائية.. حدثينا عن تجربة الإشراف في هذا المنتدى.. ما الأشياء التي استطعت تحقيقها فيه؟

أحب خوض التجارب الجديدة.. والإشراف على موقع يُعدّ -بالنسبة إليّ- تجربة تثري خبراتي لهذا المارد الإنترنتي الذي بدأ يسحب البساط وبسرعة مذهلة من تحت عرش وسائل الإعلام التقليدية (التلفاز والإذاعة والمطبوعات).. وبات جمهوره في تزايد هائل لم تشهده أي وسيلة سابقة.. فضلاً عما تتميز به هذه الوسيلة عن غيرها، من انفتاحها بلا قيود على ما تقول وتكتب سوى مراقبة الله وضمير الإنسان الواعي.. وهنا تستمع إلى الأصوات الحقيقية بكل حرية تعبر عن آرائها. وما شهدته أثناء تجربتي في أجواء الحوار والنقاش.. في عمومها أظنها شكّلت إضافة نوعية للبرنامج، وأبانت عن مستوى راقٍ للمشاركات في المنتدى، وهو مؤشر للنضج والثقافة الذي تتمتع به كثير من الأخوات ومن شتى المستويات العمرية.. خاصة عندما تُعطى لهن الثقة والحرية. وهذا بلا شك أضاف إليّ الكثير من الفهم المتعمق للجمهور، وهذه فرصة لدعوة القارئات لزيارة الموقع وإفادتنا بكل ما يفيد.

 

هل ترين أنه بالفعل تم تطوير البرنامج من خلال هذا المنتدى؟

الكثير من أفكار البرامج التي أطرحها أو نواة الفكرة هي من بُنيّات أفكار رواد المنتدى.. ولذلك حاولت تثبيت موضوع منذ بداية إشرافي على المنتدى أسميته "موضوعات تقترحينها".. وتركت لرواد المنتدى حرية طرح الموضوعات والأفكار التي يودّون تناولها في حلقات البرنامج.. والزائر للمنتدى يلحظ زخم المطروحات وتنوعها في هذا الموضوع؛ إذ عبّر المشاركون عن تطلعاتهم نحو الموضوعات التي تلحّ عليهم ويرون ضرورة تناولها في المنتدى...

 

ما الأشياء التي تأملين الوصول إليها لتطوير منتدى المرأة في قناة (المجد) الفضائية؟

يظل برنامج منتدى المرأة هو البرنامج الأول الذي يتوجه للمرأة على قناة المجد الفضائية.. وقد بلغ عدد الضيفات ما يزيد عن (300) من نخب العالم الإسلامي.. ومثّلت هذه الكوكبة شرائح مختلفة من المجتمع، وعبّرت عن همومها وتطلّعاتها.. ولا نزال -ونحن في بداية المشوار- نتطلع لمزيد من التطور، وفي هذا الصدد رفعت للإدراة الكريمة رؤية تجاه البرنامج، وما يمكن أن يساهم في تعزيز تواصله مع الجمهور النسائي، ولا أودّ أن أحرق الأوراق، ولعلنا في الدورة البرامجية القادمة نشهد لمسات تطويرية تخدم المشاهدة.

 

المرأة (اللعبة الإعلامية) كما أسميتِها في أحد مقالاتك.. تعبر في داخلك عن آلام وتطلعات ومخاوف تحيط بالمرأة السعودية.. ما الجهود التي تبذلينها دفاعاً عن حقوق المرأة ضد تيار "التحرّر والسفور"؟

للأسف.. أصبحت قضية المرأة لعبة يتلهى بها البعض بعيداً عن قضايا الأمة المصيرية.. وبات أي إنسان يروم الشهرة وإثارة الجلبة حول اسمه.. يسلك سبيل مخالفة المجتمع، ويرفع عقيرته زاعماً الدفاع عن المرأة، وفي ذلك يصدق قول شاعرنا:

وكلٌّ يدّعي وصلاً بليلى *** وليلى لا تقرُّ لهم بذاكا

 

فالمرأة وقضاياها الحقيقية في واد والمزايدون عليها في واد آخر.. نعم هناك معاناة حقيقية وقضايا صادقة للمرأة، ولكن الأسلوب الانتقائي والاستعراضي الذي يجرّنا إلى موضوعات بعيدة عن واقعنا أدّى لمثل هذا الخلط.. بل وجعل الإحباط يسود قطاعات المرأة من أولئك المزايدين باسمها والأوصياء عليها دون تفويض.. أقول نعم هناك قضايا حقيقية مثل معاناة الفقر التي تمر به المرأة، خاصة المعيلة.. وهناك بعض التقاليد الاجتماعية التي حرمت المرأة من حقوقها مثل: العضل، ومنع المطلقات من أخذ حقوقهن كالنفقة وحضانة الأبناء، وعدم توفير العمل المناسب الذي يحفظ للمرأة كرامتها وعفتها، ناهيك عن عدم موائمة الأنظمة للتغيرات الكبيرة التي حدثت للمجتمع، وما أفرزت من أضرار كبيرة على المرأة.. إن أما على صعيد كتاب العدل والمحاكم فالكثير من النساء تضيع حقوقهن القانونية، ويتعرضن للاضطهاد من آبائهن أو أزواجهن.. دون أن يجدن لهنّ نصيراً.. ومن هنا أطالب بتفعيل الأنظمة، ووجود الأخيار الأمناء لتولي هذه الأمانة العظيمة، والدفاع عن واقع المظلومات، وإيجاد القنوات الميسرة للوقوف على واقعهنّ بعيداً عن التضخيم أو التحجيم.

 

ما الجهود التي يمكن لنا أن نقوم بها.. كنساء واعيات لهذه المسؤولية العظيمة؟

هناك الكثير والكثير مما يمكن أن يقمن به أخواتنا الواعيات والمثقفات.. فنحن في هذا البلد المبارك نملك أعداداً ضخمة من الكفاءات النسائية والقدرات الكفؤة في جامعاتنا ومؤسساتنا.. ولكن لم يتم استثمارهن وتوظيف قدراتهن في خدمة الشريحة النسائية بالشكل المطلوب، ولهذا أسباب ليس هذا مكان شرحها.. ومن تلك الجهود القيام بتشكيل مجموعات عمل تتولى مناقشة أبرز القضايا التي تتعرض لها المرأة، ولا ينصرف الذهن للبعد الفكري فقط.. بل أتمنى أن نقرأ واقعنا الاقتصادي والإعلامي والاجتماعي والتنموي بعناية والخروج بتوصيات عملية تعالج التحديات الحقيقية، وتوضع خطوات تنفيذية للنهوض بواقع المرأة.. وأخشى ما أخشاه أن تضيع الجهود النسائية المخلصة في فرقعات إعلامية هنا وهناك تستهلك الطاقات، وتستنفد الجهود في معارك وهمية بل أحياناً في تكريس التخلف وتخدير الجمهور بعيداً عن تحديات التنمية التي يواجهها المجتمع بكل أطيافه.

 

عملك في مجلة (حياة).. علّمك الكثير.. أيمكنك أن تخبرينا ببعض الدروس التي تعلّمتِها؟

يصعب أن يحدد الإنسان في هذه العجالة ما تعلمه من مسيرة إعلامية خاضها على مدار سبع سنوات.. ولكن لعلي أختزل أبرز تلك الدروس..

الحاجة إلى الانفتاح على المجتمع والنزول إلى واقع الناس، والتعرف على همومهم.. ولعلي أخص شريحة غالية على نفوسنا وهن الفتيات، فهؤلاء منسيات في كثير من البيوت، ويعانين من الجفاف العاطفي داخل أسرهن، فعلينا إيجاد قنوات أمينة للتواصل معهن ودعمهن معنوياً.. أيضاً، تعلّمت البعد عن الخطاب "الأبوي" التوجيهي المباشر.. فالجمهور لا يستسيغ هذا الخطاب ويصدّ عنه.. كما أشهد أن المرأة هي منجم من عاطفة تتدفق ونهر عطاء متى آمنت بفكرة أو مشروع تجدها متفانية في تقديم كل ما تملكه من إمكانات. أيضاً، وجدت طاقات مبدعة بين البنات، ولديهن الرغبة في تقديم أعمال مبدعة، فقط ينتظرن القنوات التي تستوعب تلك الطاقات، وترشدها إلى ميادين الإبداع..

 

حقوق الأسرة.. وحقوق العمل.. كيف يمكن لنا أن نجعل لكل حقه.. دون أن نحمل أوراق العمل معنا إلى منازلنا.. أو أن نحمل هموم المنزل إلى مكاتبنا؟

هذه معادلة صعبة، وخاصة لمن هي في بلاط صاحبة الجلالة، وتخوض مهنة المتاعب (الصحافة).. وعانيت في بداية انطلاق مشواري الإعلامي من ضغوط هائلة، خاصة وأن تجربتي كانت في بداياتها، فالبيت له مطالب، والأبناء والزوج وهكذا دواليك.. لذا كان لزاماً عليّ لاستمرار العطاء أن أعيد النظر في هذه المعادلة بما يحقق التوازن العادل بين حقوق البيت وحق المجتمع والعمل.. وهذا ما تحقق إلى حد كبير.. ولله الحمد.. ولذلك أدين بالشكر لعائلتي على صبرهم وتحمّلهم ودعمي المعنوي.. ولولا تقديرهم لكنت تركت الميدان الإعلامي مبكراً..

وأخيراً: ربما يوجد لديك شيء تودّين قوله..

شكراً لموقع (الإسلام اليوم) على استضافته لشخصي المتواضع ولجميع العاملين فيه.

 

4/7/1427  

29/07/2006

 

http://www.islamtoday.net          المصدر: