رأي الدين في .. الأمن النفسي بين الزوجين
أولى الإسلام اهتماماً بالغاً بالأسرة منذ مرحلة التفكير في إنشائها وذلك بالعزم والتفكير الجدي بالزواج وحتى ما بعد الموت حيث نظم قضايا التركة والوصايا والميراث, وحث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على بناء الأسرة وأوصى بعدم التأخير بإنشاء تلك المؤسسة الاجتماعية والعاطفية والنفسية حيث أوصى الشباب بالزواج (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج), ففي ذلك دعوة صريحة إلى التعجيل بقيام الأسرة لأنها أحفظ للإنسان حيث تحتوي مشاعره وعواطفه وجهوده الذاتية وموئلاً (موطناً) لأحلامه وأمانيه إذ يراها تتأسس وتتراكم ويعلوا بناءها يوماً بعد يوم وحافظ الإسلام من ناحية أخرى على ديمومة هذه المؤسسة فنزل الكثير من الآيات القرآنية التي تحمل بين طياتها لإشارة ودعوة واضحتين إلى تكريس جهود الزوج والزوجة لإشاعة جو الأمن والطمأنينة والاستقرار في تلك الخلية الاجتماعية التي تحتوي الزوج والزوجة والأولاد.
الأمن والإيمان
الأمن النفسي والاستقرار الأسري شعبة أساسية من شعب الإيمان وإن إبداء الرأي حول استخدام كلمة الأمان والأمن للتعبير عن الاستقرار الأسري يوهم بأن الرباط الزوجي مؤسسة أشبه بالمؤسسة البوليسية الأصل فيها الخلاف والخوف واستخدامات القرآن الكريم لحفظ الأمن والأمان يكاد يقتصر على الأمن من القتل والخوف والتشرد.
وعبارة القرآن الكريم للدلالة على الإحساس بالاستقرار هي: السكن وحسن العشرة ولفظ السكن بليغ في أداء المراد من الإحساس بالدفء الأسري والاستقرار وجعل القرآن الزواج نعمة وغايته السكن والاطمئنان النفسي والمودة والرحمة، وإنما تحصل على هذا السكن باستشعار نعمة الله - تعالى - علينا في الرابطة الزوجية ورقابة الله وحسن المعاشرة كما قال - تعالى -: (وعاشروهن بالمعروف) ولذلك كانت ذات الدين وصاحب الدين هما حماية للأسرة مما قد يعكر صفوها، وكلا الطرفين في حاجة كبيرة للاستقرار والاطمئنان وهما إنما اقترنا بعقد الزواج لتحقيق مقاصده الشرعية، وإشباع الغرائز الفطرية ولذلك كان الزواج واجباً على من خشي على نفسه رجلاً كان أم امرأة من الوقوع في المحرم ولذا كان حسن المعاشرة مطلوباً من الطرفين وعقد الزواج ليس طرفه الزوج دون الزوجة أو الزوجة دون الزوج فقط وإنما طرفه الزوج والزوجة على قدم المساواة.
ونستشهد بالحديث الشريف حيث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (فاظفر بذات الدين تربت يداك)، (وإذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه), وما دام الأمر دينياً فلابد من فقه هذا الدين ولابد أن يعرف الزوج والزوجة أن الشرع قد اهتم بعقد الزواج أكثر من اهتمامه بأي عقد آخر فألزم الزوج بواجبات وجعل له حقوقاً وجعل بينهما حقوقاً مشتركة، ففقه ذلك خير معين لهما.
الاستقرار النفسي:
إن استقرار النفس هو الاطمئنان القلبي وهو ضرورة لاستمرار الأسرة وحسن التربية والأسرة التي تزرع الشحناء والبغضاء لا تحصد إلا التعاسة النفسية وسوء المعاشرة وانحراف التربية فالاستقرار بعوامله المذكورة سابقاً ضرورة.
حاجات ضرورية:
يذكر الإسلام أن الناس خلقوا من نفس واحدة وأن الزوج وزوجته هما بداية من نفس واحدة وأوصاهم في تقوى الله في أنفسهم وذلك في قوله - تعالى -في مطلع سورة النساء: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيرا ونساء) وأي إشارة أوضح من تلك التي تذكر الزوج بأن زوجته خلقت وإياه من نفس واحدة ولزيادة أواصر ذلك الأمن وحفاظاً على مشاعر المرأة من أقاويل القائلين وللمحافظة على استقرار الأسرة من زوابع الشائعات أمر الحق - عز وجل - في القرآن الكريم بأن يستشهدوا بأربعة شهود على المرأة إن هي أتت بالفاحشة وذلك للتثبت وعدم ظلم الزوجة والمساس بذلك الرباط المقدس رباط الزوجية ودعا في سورة النساء إلى الصفح عن التائبات من النساء وذكر الأزواج بقوله: (إن الله كان توابا رحيما) ودعا الحق- عز وجل - في مواضع كثيرة إلى تعزيز مواقع الأمن والأمان بين الزوجين ويتجلى ذلك في قوله جل من قائل (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة), فقد بين الحق - عز وجل - للرجال في موضع آخر من القرآن أن من آياته العظام أن خلق أزواجكم من أنفسكم فأمن تلك الزوجات من أمنكم من صنيع أيديكم وأمنكم من أمنهن والعبرة من خلق الزوجات من أنفسكم لتسكنوا إليهن والسكن لا يوفر الأمن فقط وإن جاء الأمن في مقدمة الحاجات التي يوفرها السكن ولكن الزوجة توفر الأمن والاطمئنان والمحافظة على ممتلكات الزوج ومقدراته من التلف والصياع ومفتاح ذلك الأمن هو المودة والرحمة التي تنشأ بين الأزواج والتي حثنا الحق - عز وجل - على المحافظة عليها لتدوم بين الزوجين ويدوم الأمن ما دامت المودة والرحمة بينهما وهذه شعبة أخرى من شعب الإيمان التي أوصانا الحق - عز وجل - بالتمسك بها وعدم التفريط بتلك الشعبة تحت أي ظرف من الظروف.
ستر وطمأنينة
والأمن النفسي بين الزوجين لا يتحقق بالشعائر الروحية والإيمانية فقط بل هناك حاجات جسدية وغريزية هي السور أو المحاوره التي تحتفظ بالأمن النفسي في داخلها، ولقد أشار الحق - عز وجل – بقوله: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم من لباس لكم وأنتم لباس لهن) ومعروف ما يحققه اللباس للإنسان من أمن وستر وطمأنينة فهل جرب أحدنا أو تصور أن يباغته أحد فجأة وهو مجرد من ثيابه بالتأكيد ستنتابه حالة من القلق والفزع وعدم الاستقرار النفسي كذلك يشير الحق - عز وجل - على أنهن اللباس الذي يسترنا والذي يحتوي معايبنا وعوراتنا ويتقبل غرائزنا واحتياجاتنا الفزيولوجية وفي ذلك تحقيق للأمن النفسي للزوج ولا أظنه يخفي على أحد ارتباط الأمن النفسي والاستقرار بالغريزة والدافع الجنسي وهنالك في القرآن الكريم ما هو أبعد من ذلك لو تدبرناه وهو أن الله جعل جزاء المتقين جنات تجري من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة ورضواناً من الله فقرن بين الجنة والأزواج ورضاه والنعيم والزوج الصالح والرضى هما من أهم مقومات الأمن النفسي لدى الإنسان حيث قال في سورة آل عمران: (للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهره ورضوان من الله).