هل انتهت مشكلة الجنوب السوداني بتعديل وزاري؟!
عصام زيدان
7 شوال 1428هـ الموافق له 18- 10- 2007م
القرار الذي اتخذته الحركة الشعبية جنوب السودان بتعليق مشاركتها في الحكومة المركزية بالخرطوم تحت ذريعة عرقلة حكومة الرئيس عمر البشير لسلة من المطالب المتعلقة بتنفيذ اتفاقية نيفاشا 2005م لم يكن سحاب صيف عابرة، بل يمكن القول بأنها نذر رياح الخريف التي قد تهب على السودان، وتهز من أركانه القلقة منذ تولي حكومة الإنقاذ مقاليد الحكم، على الرغم من التراجع المضطرب لحكومة الجنوب عن تجميد مشاركتها بعد امتصاص البشير للمشكلة، واحتوائها بتعديل وزاري لبى مطالب الحركة الشعبية.
فالملابسات التي أحاطت بتصعيد الأزمة من بدايتها تتلاقى مع أجواء مشحونة شغلت إلى حد كبير حكومة الخرطوم، وكلاهما يتقابل مع تصريحات موتورة خرجت من أفواه أمريكية ارتدت مسوح المساعي الحميدة، ولكنها تسعى جاهدة لوضع السودان فوق صفيح ساخن مضطرب لا يهدأ، وهذه وجدت ضالتها في آذان مصغية مطيعة من بعض منتسبي حكومة الجنوب، فلاكت تلك التصريحات، وسعرت من الأزمة، وكانت فيها كنافخ الكير.
وهنا نحاول أن نقف عند محطات رئيسة في الأزمة تلقى بقدر من الضوء على تعاريجها المظلمة، وأهدافها الملتوية، نقف منها على ملابسات عقد الاجتماع الطارئ للحركة الشعبية الجنوبية، وما تمخض عنه من اتهامات للحكومة المركزية بالخرطوم، ثم نتعرض لأجواء الأزمة وتصاعدها، وأخيراً بعض أهدافها.
ملابسات عقد الاجتماع الطارئ:
آخر اجتماع للحركة الشعبية كان في 18/8/2007م، ومرّ مرور الكرام، ولم يتناول ويتعرض لإشكاليات مع الحكومة المركزية، أو يبحث عن مطالب من تلك التي نادت بها الحركة مؤخراً وقبل أيام.
ولكن وعقب الاجتماع الدوري غادر الأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم إلى الولايات المتحدة، وبعد عودته دعا إلى (اجتماع طارئ)، وصرّح دون سابقة إنذار أو توتر بأن الشراكة السياسية مع الوطني قد وصلت إلى نهايتها، لافتاً إلى ما وصفه بالجهود التي تبذلها حركته لمنع انهيار اتفاق السلام الذي أنهى أطول حرب أهلية في تاريخ القارة الإفريقية.
هذه التصريحات من قبل باقان أزاحت الهدوء الذي ساد علاقة الطرفين في الفترة السابقة، ووجدت ما يساندها ويدعمها خاصة من قبل الولايات المتحدة التي أبدت هي الأخرى قلقها مما وصفته بـ"الأجواء المسمومة" التي تسيطر على العلاقات بين شركاء السلام في الشمال والجنوب السوداني.
فبعد وصول الموفد الأمريكي المتآمر على مستقبل السودان أندرو ناتسيوس إلى الخرطوم عبر بصورة تأكيدية عن قلق بلاده حيال نجاح اتفاق السلام الذي وقعته الحكومة المركزية مع الجنوبيين مطلع 2005م لإنهاء 21 عاماً من الحرب الأهلية، وقال: إن التوتر بين الطرفين (الشمال والجنوب) يتصاعد وهذا أمر خطير، وعزا الموفد الأمريكي هذا التوتر إلى التأخير في تطبيق اتفاق السلام خصوصاً فيما يتعلق بترسيم الحدود الإدارية بين الشمال والجنوب، وتوزيع الثروة النفطية، وهي ذات الأسباب التي من أجلها علقت الحركة مشاركتها في الحكومة المركزية.
تداعيات الأزمة وأسبابها:
اتهمت الحركة في اجتماعها الطارئ مطلع الشهر الحالي في جوبا عاصمة إقليم جنوب السودان حكومة الخرطوم بسلة متنوعة من الاتهامات منها:
1. انتهاك اتفاقية السلام الموقعة بين الجانبين عام 2005م في نيفاشا، وعدم تنفيذ بروتوكول أبيي، وهي منطقة متنازع عليها بين الشمال والجنوب.
2. عدم إكمال إعادة انتشار القوات المسلحة السودانية، وتأخير ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب.
3. عدم الشفافية في إدارة موارد البترول، وهضم حق الجنوبيين فيه، إضافة لحجب الدعم المالي عن التعداد السكاني.
4. إعاقة التحول الديمقراطي في البلاد، وعدم البدء في مشروع المصالحة الوطنية.
5. إعاقة التعديل الوزاري لاسيما في منصب وزارة الخارجية.
ومن الواضح أن سلة المطالب أو الاتهامات لا ترتكن على محور محدد يمكن أن تنهض عليه الحركة في تصعيد صراعها مع حكومة الخرطوم، فبعضها أخذ طابع العموميات التي لا يمكن أن تكون محوراً للخلاف، ومن ذلك الادعاء بإعاقة التحول الديمقراطي في البلاد وكأن الجنوب أصبح واحة الديمقراطية في المنطقة، وما بقي على حكومة البشير إلا أن تحذو حذوه، في حين أن الإشارات كلها تؤكد أن الحركة الشعبية لا تسمح بأية خلافات سياسية في الجنوب، وتلاحق المخالفين أمنياً وسياسياً.
والحديث عن التعداد السكاني، وحجب الدعم المالي عنه؛ هو أقل شأناً من أن يسعر خلافاً أو أن ينهى شراكة بين الطرفين؛ لأنه أقرب إلى القضايا الإجرائية منها إلى القضايا السياسية المعوقة لأوضاع الجنوب، كما أن حكومة الخرطوم من جانبها تكيل الاتهامات للجنوبيين في هذا الصدد لقبضتهم الاستخبارية والأمنية القوية التي تعيق العملية.
والتعديل الوزاري فهو منوط بالحركة نفسها، ويمكنها أن تجبر وزراءها ومستشاريها الممثلين لها في الحكومة المركزية على الاستقالة، وتتقدم بمن يخلفهم لحكومة الخرطوم، فهي إذن ليست بقضية ذات بعد جوهري يمكن الارتكاز عليه في تعليق الشراكة لأن حكومة الجنوب بإمكانها أن تجد مساراً للحل دون الاصطدام بالمركزية.
أما قضية "أبيي" فقد دخلت في مراحل الحسم، وأصبحت هناك أطروحات للحل يتم تداولها بين الطرفين، وقضية الحدود تقول حكومة الخرطوم: إن الحركة الشعبية تتباطأ في تسمية ممثليها في اللجنة المشكلة لهذا الغرض.
والحديث عن مماطلة الجيش في الانسحاب من بعض المناطق المتفق عليها فتؤكد الخرطوم أن قواتها انسحبت من غالب الأراضي المتفق عليها، على عكس الحركة الشعبية التي لم تبرح مكانها إلا في القليل من المواقع التي من المتفق أن يسيطر عليها الشمال.
أما عائدات البترول وإنتاجه وكمياته المصدرة فهي تحت أعين زوجة الدكتور رياك مشار نائب رئيس حكومة الجنوب، والتي تشغل منصب وزيرة في إدارة الطاقة، وأكدت الحكومة أن الجنوب حصل على مدار السنوات الثلاث الماضية على ثلاثة مليارات جنيه من عائدات البترول، ذهب القسط الأكبر منها للتعاقد مع شركة بلاك ووتر الأمنية الأمريكية لتدريب وتحديث الجيش الجنوبي.
يبدو إذن أن أسباب الأزمة مفتعلة ومتسرعة إلى حد بعيد، وبعضها تتحمل الحركة الشعبية المسئولية عنه، وإن كان للحكومة المركزية في الخرطوم نصيب من عرقلة الاتفاق فإن سهمها وسهم الجنوبيين في ذلك سواء.
حول الأزمة وأهدافها:
بقليل من التأمل سنجد أن توتير الموقف، وتصعيد نذر الأزمة بين الحكومة المركزية والحركة الشعبية جاء في ظل ملابسات وتوقيت محدد، ونشير في هامش الأزمة إلى الآتي:
1. تولت بعض الأطراف الجنوبية المعروفة بصلتها القوية بالدوائر الأمريكية والصهيونية تصعيد الأزمة، ومنهم الأمين العام للحركة باقان أموم الذي يرفض حتى الآن قرار المكتب السياسي، وإعلان المتحدث الرسمي للحركة إنهاء المقاطعة، والعودة للمشاركة في الحكومة المركزية.
2. الولايات المتحدة ساهمت من خلال موفدها إلى السودان أندرو ناتسيوس في تأجيج الصراع بين الطرفين، بل وأملت على الجنوبيين أسباب المقاطعة، وآلية الضغط على الشمال.
3. جاءت الأزمة متماسة لمؤتمر "سرت" المرتقب، والذي تعول عليه حكومة الخرطوم لتبريد جبهة دارفور من خلال الجلوس مجدداً على طاولة المفاوضات مع المتمردين، وفتح باب التفاوض للوصول إلى أزمة أو على الأقل حلحلة الموقف المتأزم والمتكلس هناك.
ومن خلال هذه المعطيات نجد أن الأزمة ترمي إلى مجموعة من الأهداف منها:
1ـ إضعاف موقف الحكومة التفاوضي في مؤتمر "سرت"، وذلك ومن خلال العناصر الآتية:
أولاً: إظهار الحكومة المركزية في صورة الشريك غير الوفي الذي يتلاعب بالاتفاقات والمعاهدات، ويفرغها من مضمونها، وهو ما قد يدعو متمردي دارفور إلى مزيد من التشدد في موقفهم، واشتراط وجود أطراف غربية تشرف على أي اتفاق قد يتمخض عنه المؤتمر.
ثانياً: إضفاء عدم الدستورية على نتائج المفاوضات، لأنها تمت بعد تجميد الحركة الشعبية لمشاركتها في الحكومة المركزية التي تدير ملف التفاوض، ففي بيان للجبهة المتحدة للتحرير والتنمية المتمردة بدارفور عن الأزمة الحالية بين الشمال والجنوب قالت: إن ما تبقى من حكومة الوحدة الوطنية بقيادة المؤتمر الوطني ليست مؤهلة للتفاوض مع حركات المقاومة في دارفور استناداً على الأوضاع الدستورية التي وصفتها بأنها في شبه انهيار.
ثالثاً: إدخال حكومة الخرطوم في معارك استنزافية جانبية تشتت مجهوداتها، وتعرقل أهدافها الرامية إلى وضع حد للتمرد في الغرب السوداني، فالحركة الجنوبية كما يبدو تقوم بخدمة أهداف خارجية شديدة الحرص على بقاء جذوة الصراع في دارفور متقدة وقابلة للاشتعال والتمدد لإبقاء حكومة البشير تحت الضغط الدولي المستمر، والذي يتزايد إيقاعه.
وهي ترى أيضاً من مصلحتها أن تبقى جبهة دارفور مفتوحة لأن إنهاء هذا الملف بصورة تفاوضية مرضية يعنى مزيداً من القوة لموقف الخرطوم في مواجهة الجنوب الذي ما زال قادته يتحركون بمنطق قادة التمرد العسكري وليس بمنطق القادة السياسيين.
وهذا ما يفسر إلى حد بعيد اجتماع حركات التمرد الدارفورية في جوبا تحت رعاية الحركة الشعبية، وتهديد فصيل مني أركو مناوي بتجميد مشاركته في الحكومة، وإعلان تضامنه مع الحركة الشعبية في مطالبها ومقاطعتها، فيد الجنوب ليس بغائبة عن صناعة التمرد في الغرب السوداني.
2ـ التمهيد لرعاية أمريكية ممتدة للاتفاق نيفاشا عام 2005م:
وذلك بإظهار الشريك الشمالي أمام الرأي العام العالمي بأنه يعرقل الاتفاق، ويخون الاتفاقية، بينما تسعى الحكومة الجنوبية عبر الآليات السياسية الضاغطة لنيل بعض حقوقها، وهذا التوجه سيعطي الإدارة الأمريكية مزيداً من الأوراق للضغط على حكومة البشير لتمرير رغباتها، ومنها وضع قيادة "قوات الهجين" المرتقبة في دارفور تحت إشراف غربي وليس إفريقياً كما ترغب السودان.
وقد ظهرت بالفعل بوادر هذا التوجه بعدما كشف "باقان" عن اتصالات تمت مع واشنطن وباريس لعقد مؤتمر دولي موسع للتباحث حول سير تنفيذ اتفاق نيفاشا، ومدى التزام الأطراف بنصوصه، وقال: إن حركته تلقت اتصالاً من المبعوث الأمريكي أندرو ناتسيوس بمقترحات أمريكية في هذا الشأن، وأنها تخضع الآن للبحث والتشاور داخل أروقة الحركة.
3ـ مواراة الفشل في إدارة الجنوب واحتواء الخلافات الداخلية:
هذا التوجه من قبل الحركة الشعبية سيقلل من حجم الخلافات الداخلية في الحركة التي تعاني من تصدعات داخلية عميقة ناجمة عن أجندات متباينة لقيادتها، كما أن هذا التوجه سيمكن الحركة من تعليق فشلها في إدارة الجنوب على المعوقات التي يضعها الشمال، لاسيما بعد التقارير المؤكدة لوجود هجرة مضادة من الجنوب إلى الشمال بعد تدهور الأوضاع المعيشية بصورة كبيرة نتيجة تخبط وعشوائية الحكومة الجنوبية، وإنفاقها الموارد المالية على التسليح، وتحديث الجيش.
4ـ التمهيد للانفصال الكلي وإلقاء التبعة على الشمال:
وذلك بتصعيد سبل الاحتجاج من الإطار اللفظي إلى الإطار العملي، فقرار الحركة الجنوبية بتجميد نشاط وزرائها ومستشاريها في الحكومة المركزية يعد أول تغيير نوعي في وتيرة الخلاف بينها وبين الشمال، والذي ظل منحصراً في إطار التراشقات اللفظية والتصعيد الإعلامي، إلى أن جاءت خطوة التجميد التي تعتبر أول خطوة في الاتجاه نحو المسار العملي في التعبير عن الخلافات.
ويبدو أن الخلافات في المرحلة القادمة ستكون على وتيرة هذا الأخير، وإن كانت الحكومة المركزية وجدت سبيلاً في هذه المرة لتجاوز حدة الأزمة وامتصاصها؛ فإن الأمر لن يكون كذلك في كل مرة يصعّد فيه الجنوب حدة الصراع، ويرفع سقف المطالب.
الحركة الشعبية من خلال تصعيدها للصراع في كل مرة مع الحكومة المركزية إنما تبحث عن الخلاف وليس عن الشراكة، وتسعى لاهثة صوب الانفصال لا الاندماج، تدفعها أجندة غربية تعمل سكين الانقسامات داخل الجسد السوداني لتشد بعض أطرافه الغربية والجنوبية لتكون حائط الصد الإفريقي في مواجهة أي تمدد عربي أو إسلامي داخل القارة.