منهج السلف في تفويض الصفات (16)

 

من لوازم القول بالتفويض في معاني الصفات أنه يؤدي إلى أن يُنسب إلى البدعة كل من خالفه، وفي هذا خطأ فادح وجرم كبير، لأنه فضلاً عما في ذلك من قلب للحقائق فإن فيه تسوية بين من أثبت الصفات وبين من نفاها، وأن يكون عامة الناس جاهلين أيّ الفريقين أصاب السنة والحق، وهذا يؤدي إلى أن يكذب القرآن وأن يكون الحق باطلاً وتكون السنة بدعة..بينما أثبت القرآن وأيدت السنة أنه - سبحانه -:

الأحد الفـــرد القـــدير الأَزلي * * * الصــمد البر المهيمـــن العلـي

علو قـــهر وعلـــو الشــان * * * جل عـــن الأضـداد والأعــوان

كذا لـــه العلــو والـــفوقية * * * علـــى عبـــاده بلا كيـــفية

ومـــع ذا مطلــع إليهمـــو * * * بعلـــمه مهيمــن عليــــهمُ

وذكـــره للقـــرب والمعيــة * * * لــم ينــف للعــلو والفوقيــة

فإنـــه العلـــي في دنـــوه * * * وهــو القـــريب جل في علـوه

حـــي وقيـــوم فلا ينــــام * * * وجــل أن يشبـــهه الأنـــام

لا تبـــلغ الأوهام كنه ذاتــــه * * * ولا يكيـّــف الحِجــا صفـاتـه

يعني صاحب (سلم الوصول إلى علم الأصول) أنه - تعالى -الذي لا ضد له ولا شريك له في إلهيته وربوبيته ولا متصرف معه في ذرة من ملكوته، ولا شبيه له ولا نظير له في شيء من أسمائه وصفاته، فهو أحد في إلهيته لا معبود بحق سواه ولا يستحق العبادة إلا هو، ولذا قضى ألا نعبد إلا إياه، وهو أحد في ربوبيته؛ فلا شريك له في ملكه، ولا مضاد له ولا منازع ولا مغالب، أحد في ذاته وأسمائه وصفاته؛ فلا شبيه له ولا مثيل، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير..وكما أنه الأحد الفرد في ذاته وإلهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، فهو المتفرد في ملكوته بأنواع التصرفات من الإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة، والخلق والرزق والإعزاز والإذلال، والهداية والإضلال والإسعاد والإشقاء، والخفض والرفع والعطاء والمنع، والوصل والقطع والضر والنفع، وهو - سبحانه - الذي له مطلق القدرة وكمالها وتمامها الذي ما كان ليعجزه من شيء في الأرض ولا في السماء، الذي ما خَلْقُ الخلق ولا بعْثهم في كمال قدرته إلا كنفس واحدة، الذي إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.. الأزلي بذاته وأسمائه وصفاته الذي لا ابتداء لأوليته ولا انتهاء لآخريته، وليس شيء من أسمائه وصفاته متجدداً حادثاً لم يكن قبل ذلك ثم كان، فسائر أسمائه وصفاته أزلية بأزلية ذاته باقية ببقاء ذاته.. وهو الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم ومسائلهم، وهو الذي كمل في أنواع الشرف والسؤدد وتلك صفته التي لا تنبغي إلا له.. وهو البر وصفاً وفعلاً لكونه الصادق فيما وعد.. كما أنه المهيمن الشهيد الرقيب على عباده بأعمالهم.

وهو الذي كل معاني العلو ثابتة له، فعلوه - عز وجل - علو قهر إذ لا مغالب له ولا منازع وكل شيء تحت سلطان قهره، كما أنه علو شأن لكونه المتعالي عن جميع النقائص والعيوب المنافية لإلهيته وربوبيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، فقد - تعالى -في أحديته عن الشريك والظهير والولي والنصير، وتعالى في عظمته وكبريائه وجبروته عن الشفيع عنده بدون إذنه والمجير، وتعالى في صمديته عن الصاحبة والولد والوالد والكفؤ والنظير، وتعالى في كمال حياته وقيوميته وقدرته عن الموت والسِّنةِ والنوم والتعب والإعياء، وتعالى في كمال علمه عن الغفلة والنسيان وعن عزوب مثقال ذرة عن علمه في الأرض أو في السماء، وتعالى في كمال حكمته وحمده عن الخلق عبثاً وعن ترك الخلق سدى بلا أمر ولا نهي ولا بعث ولا جزاء، وتعالى في كمال غناه عن أن يُطعَم أو يُرزَق أو أن يَفتقر إلى غيره في شيء، وتعالى في صفات كماله ونعوت جلاله عن التعطيل والتمثيل.

كذا ثابت له بالكتاب والسنة وإجماع الملائكة والأنبياء والمرسلين وأتباعهم على الحقيقة من أهل السنة والجماعة، العلو والفوقية.. فهو -جل جلاله- كما أنبأ عن نفسه مستو على عرشه عال على خلقه بائن منهم، يعلم أعمالهم ويسمع أقوالهم ويرى حركاتهم وسكناتهم لا تخفى عليه منهم خافية، وأدلة ذلك من الكتاب والسنة أكثر من أن تحصى وأجلُّ من أن تستقصى، والفطر السليمة والقلوب المستقيمة مجبولة على الإقرار بذلك لا تنكره.. ولا منافاة بين قربه - سبحانه - وبين علوه، فإنه المتصف في دنوه بجميع معاني العلو ذاتاً وقهراً وشأناً، فيدنو - تعالى - من خلقه بكيفية لا يعلمها إلا هو كيف يشاء، وينزل إلى السماء الدنيا في آخر كل ليلة وعشية عرفة وغير ذلك كيف يشاء، ويأتي لفصل القضاء بين عباده كيف يشاء، وليس ذلك منافياً لفوقيته ولا لاستوائه على عرشه فإنه ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.

وهو -جل جلاله- قيوم بنفسه قيم لغيره إذ جميع الموجودات مفتقرة إليه لا قوام لها إلا به ولا بدون أمره وهو غني عنها، لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه فإن ذلك نقص في حياته وقيوميته.. لا تبلغ الأوهام كنهه ولا حقيقة ذاته لكونه كما قال عن نفسه: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا.. طه/ 110)، ولا يعلم العقل كيفية صفاته لأنه لا يعلم كيف هو إلا هو، ومن ثم كان الواجب الإيمان بصفات ذاته وصفات أفعاله دون ما فرق، وإمرارها في ذات الوقت كما جاءت، واعتقاد أنها حق كما أخبر وأخبر رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعدم التكييف والتمثيل لأنه تعالى- وكذا رسوله- أخبرنا بأسمائه وصفاته وأفعاله ولم يبين لنا كيفيتها، ومن ثم فليس لنا إلا أن نصدق الخبر ونؤمن به ونكل الكيفية إلى الله كما أسلفنا القول عن أم سلمة - رضي الله عنها - وربيعة الرأي ومالك بن أنس - رحمهم الله - تعالى -.. وإنا والله لكالون في كيفية سراية الدم في أعضائنا وجريان الطعام والشراب فينا وكيف يدبر الله - تعالى -قوت كل عضو فيه بحسب حاجته، وفي استقرار الروح التي هي بين جنبينا وكيف يتوفاها الله في منامها وتعرج إلى حيث شاء الله ويردها إذا شاء، وفي كيفية إقعاد الميت في القبر وعذابه ونعيمه، وكيفية قيام الأموات من قبورهم حفاة غرلاً وكيفية الملائكة وعظم خلقهم، كل ذلك نجهل كيفيته ونحن مؤمنون به.. فكيف بالعرش الذي لا يقدر قدره إلا الله.. بل كيف بالخالق - عز وجل - وأسمائه الحسنى وصفاته العلى.

كما أن القول بمبدأ تفويض معاني الصفات ونفيها وعدم إثباتها هو السبيل الذي ألجأ الملاحدة القدامى من فلاسفة المسلمين إلى إنكار معاد الأجسام في الآخرة لأنهم اعتبروا القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص الصفات، إذ بموجب القول بنفي الصفات وعدم إثباتها، «احتج الملاحدة كابن سينا وغيره على مثبتي المعاد وقالوا: القول في نصوص المعاد كالقول في نصوص التشبيه والتجسيم، وزعموا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يبين ما الأمر عليه في نفسه، لا في العلم بالله - تعالى - ولا باليوم الآخر فكان الذي استطابه على هؤلاء هو موافقتهم لهم على نفي الصفات، وإلا فلو كانوا آمنوا بالكتاب كله حق الإيمان لبطلت المعارضة ودحضت حجتهم، ولهذا كان ابن النفيس المتطبب الفاضل يقول: (ليس إلا مذهبان مذهب أهل الحديث أو مذهب الفلاسفة، فأما هؤلاء المتكلمون، فقولهم ظاهر التناقض والاختلاف، وأهل الحديث أثبتوا ما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأولئك جعلوا الجميع تخييلاً وتوهماً، ومعلوم بالأدلة الكثيرة السمعية والعقلية فساد مذهب هؤلاء الملاحدة فتعين أن يكون الحق مذهب السلف أهل الحديث).

ويستلزم القول بالتفويض في معاني الصفات أيضاً ونفي المعرفة لمعاني صفاته - تعالى - المثبتة، الاستدراك على الله - تعالى - وتكذيبه لكونه - سبحانه - الذي «أمر بتدبر كتابه وتفهمه وتعقله، وأخبر أنه بيان وهدى وشفاء لما في الصدور، وحاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، ومن أعظم الاختلاف اختلافهم في باب الصفات والقدر والأفعال، واللفظ الذي لا يعلم ما أراد به المتكلم لا يحصل به حكم ولا هدى ولا شفاء ولا بيان»(28)، ونفي معاني الصفات المثبتة بهذا فضلاً عن كونه تكذيب لله، هو ضرب لكتاب الله بعضه ببعض، وهو ما حذر صلوات الله وسلامه عليه منه فقال: (لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض فإن ذلك يوقع الشك في قلوبكم) لما في ذلك من فتنة العامة بل والخاصة.

 

http://www.altawhed.com                      المصدر: