الجيش الصهيوني بين تراجع الجاهزية وتآكل قوة الردع
عدنان أبو عامر(*)
تُحيي دولة الكيان الصهيوني في هذه الأيام الذكرى السنوية التاسعة والخمسين لإقامتها، وبالتوازي مع هذه الذكرى تمر الذكرى السنوية الأربعون لاحتلال ما تبقى من أرض فلسطين وأراضي عدد من الدول العربية المجـاورة، وما زال الصهاينة ينظرون للجيش نظرة أقرب ما تكون للتقديس، نظراً لما حققه من إنجازات تاريخية وإستراتيجية لهم، ما كان لهم أن يحققوها دون وجوده، مما دفع بالكثير من المؤرخين العسكريين لأنْ يطلقوا المقولة الشهيرة: لكل دولة جيش تعتمد عليه، إلا الجيش الإسرائيلي الذي له دولة تستند إليه!
ومع ذلك فقد تزايدت في الأسابيع والأشهر الأخيرة الأصوات المرتفعة في دولة الكيان الصهيوني المطالبة بإعادة تقييم مسيرة الجيش، وتحديد نقاط الضعف والثغرات التي ألـمّت به، وأين أخفق؟ ولماذا؟ وكيف؟ وما سبل الإصلاح والتقويم؟ ولا سيما أن هذه المطالبة تأتي مترافقة مع الدعوات المتزايدة بضرورة شن حرب قادمة ضد عدد من «الأعداء» المحيطين بها من كل جانب، وقد أخذت هذه الدعوات جانب المزايدة السياسية والحزبية الداخلية تارة، وتارة أخرى تعلقت بجانب التطوير المهني للمؤسسة العسكرية ممثلة بالجيش، الذي وجهت له ضربات قاسية ومهينة خلال الأعوام الماضية، بدأت بفشله في القضاء على انتفاضة الأقصى، ولم تنتهِ بهزيمته التاريخية في حرب تموز ضد لبنان.
كما قيل الكثير الكثير عن المآزق المركبة التي يواجهها الجيش الصهيوني، وكشفت عنها المواجهات الأخيرة، سواء أكان ذلك في فلسطين أم في لبنان؛ سواء أمن خلال نتائج لجان التحقيق الرسمية التي شكلتها الحكومة، أو ما أعلنته بعض مراكز الأبحاث الإستراتيجية ودوائر البحث المقربة من صنع القرار العسكري.
ومع ذلك فإن هذه الدعوات «الجادة» والحقيقية المنطلقة بين الحين والآخر من قبل أعضاء الكنيست والجنرالات السابقين، تعترضها الكثير من الإشكاليات والعقبات الكأداء التي تحول بينها وبين خروجها إلى حيز التطبيق على الأرض..؛ فكيف ولماذا؟ التحليل التالي يحاول تقديم الإجابة عن هذا السؤال.
أولاً: التطوير التسليحي وجمود الذهنية العسكرية:
مـنـذ تأسـيس الجـيـش قبـل سـتين عـامـاً أعـلـن (دافيد بن غوريـون) أول رئيس حكومة أن نقطة الضعف الجوهرية لا تكمن في نقص تسليح الجيش وإمداده بالمعدات، بل في أي هزيمة قد تلحق به، لكون (إسرائيل) دولة لا تحتمل الهزيمة، ولو لمرة واحدة، وقال: إذا انتصرنا في خمسين حرباً فإننا لن نخضع العالم العربي، لكن يكفي العرب أن ينتصروا في حرب واحدة من أجل القضاء علينا! مما يؤكد الحاجة الصهيونية الدائمة لإنجاز حسم سريع وحاد وأليم قدر الإمكان، من أجل إبعاد موعد النهوض العسكري والنفسي للخصم.
ومع ذلك، اعتاد الجيش الصهيوني خلال السنوات الماضية، بعد أي مواجهة عسكرية يخوضها داخل فلسطين وخارجها، على إمداد وحداته وفرقه بالمعدات اللازمة وآخر ما تفتقت عنه قريحة الصناعات العسكرية، من خلال تكبير المواقع وإمدادها بالقوة البشرية ومعدات التسلح، وإقامة المزيد من الكتائب والألوية، وجمع كميات كبيرة من الأسلحة، معظمها من إنتاج أمريكي، وجزء منه تصنيع محلي.
وفي الوقت الذي حرص فيه على جمع كل الإمكانيات التقنية التي لا تستخدم في غالبيتها، وتحصيل كل الوسائل القتالية التي سرعان ما تصبح قديمة، فإن تلك الاستثمارات والتطوير العسكري تستهلك حيزاً هاماً من الموازنة المالية وصلت ذروتها بنسبة 30% من مجملها، وفي ذات الوقت فإن هذا الدعم اللوجستي لم يرافقه أي تجديد لذهنية عسكرية ترافقه وتستفيد منها قدر الإمكان!
وفي قراءة سريعة للحروب التي خاضها الجيش الصهيوني ضد الجيوش العربية وقوى المقاومة، يمكن الاستدلال بصورة لا تقبل الشك أن هناك اهتماماً ملموساً في التطوير العسكري واللوجستي، وتراجعاً «ملموساً» أيضاً في تطوير الذهنية العسكرية والنظريات الإستراتيجية، وخاصة في حروب 1948، 1956، 1967، 1973، 1982، 1987، 1996، 2000، 2006.
ولعل المواجهات التي خاضها الجيش مؤخراً دفعت بالمعلقين العسكريين لطرح التساؤلات التالية: كم مرة يتوجـب أن نذكر أن الصِدام، بين جيش مسلح بطائرات «إف 15» ودبابات المركافاة وتنظيم عصابات، لن ينتهي بانتصار ذلك الجيش الضخم؟ ولماذا يدخل الجيش إلى معارك لم يستعد لها، ولم يُجهز نفسه لمواجهة تلك الكمية الكبيرة من قاذفات الصواريخ بصورة ناجعة؟ ربما بسبب نقص المعلومات الاستخباراتية، أو لعدم وجود حلول لضرب المخابئ والمكامن الخفية! وعدا ذلك؛ لماذا فشل الجيش مرة أخرى في مجال الحماية والتحصينات، وخصوصاً في تطوير منظومة مضادة للقذائف الصاروخية، وفي بناء الملاجئ الملائمة والجاهزة للحرب الطويلة؟
ثانياً: التفكير بطريقة تقليدية ومفاجأة المقاومة لها:
حدثت متغيرات عالمية ذات تأثيرات كبيرة دولياً، جاء على رأسها تفتت الاتحاد السوفييتي، وتربُّع الولايات المتحدة على عرش الكرة الأرضية بلا منازع بعد انتهاء الحرب الباردة، وإقليمياً تغير وجه المنطقة العربية منذ أوائل الثمانينيات؛ حيث عقد اتفاق سلام بين الكيان الصهيوني ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية، ولم تعد سوريا تعتمد على دعم سوفييتي يوازي الغطاء الأمريكي لدولة الكيان، وخروج إيران والعراق من حرب دموية طويلة الأمد منهكتين، إلى أن سقط نظام صدام حسين.
ورغم كل هذا التغير الجيو ـ سياسي، فلم يرافقه تغيّر في الذهنية المقابلة لدى قيادة الجيش الصهيوني، سواء أفي جهاز اتخاذ القرارات أو لدى الصف القيادي الأول فيه؛ فالسيناريو الذي شكل كابوساً مستمراً لديهم تمثل في هجوم عربي منسق، بقوات تقليدية كبيرة على حدود الدولة، فيما جاءت مقاومتا حماس في الداخل، وحزب الله في الخارج، لتأتيا له بكابوس من نوع جديد!
وأكبر دليل على عدم مجاراة تلك التغيرات الوصفُ الذي أطلقه الخبير العسكري «عوفر شيلح» حين قال: إن حرب أكتوبر 1973م اعتبرت حرباً قديمة بسلاح قديم، وجاءت حـرب الخليج 1991م لتعتبر حرباً قديمة بسلاح جديد، فيما اعتبرت حرب العراق 2003م حرباً جديدة بسلاح جديد. طارحاً السؤال «المحرج» على واضعي النظريات العسكرية الصهيونية: ماذا نطلق على الحرب الدائرة مع الفلسطينيين واللبنانيين؟!
ومع ذلك فإن الفشل الذي واجهه الجيش الصهيوني في فلسطين ولبنان يقارب إلى حد كبير الوصف الذي أطلقه أحد جنرالات الجيش الأمريكي في فيتنام، بقوله: لم نحارب هناك ثلاث عشرة سنة، وإنما حاربنا سنة واحدة فقط، مضاعفة إلى ثلاث عشرة مرة!
ومن جديد جاء الانتقاد القاسي للأداء العسكري للجيش بقول أحدهم: كيف يمكن لدولة هزمت سبع دول عربية في العام 48، ودحرت ثلاثة جيوش عربية في العام 67 في غضون ستة أيام ـ تقف هذا الموقف المربك أمام حماس وحزب الله؟ من كان يُصدق أن تنظيمات مكونة من بضع مئات من المقاتلين، الذين يبلغ تعدادهم بالكاد تعداد الجنود في كتيبة ونصف كتيبة في الجيش الصهيوني، ينجحون في شل نصف دولة بعمليات قصف يومية لعشرات ومئات الصواريخ يومياً؟! وفق أي طريقة يفكر قادة الجيش؟!
ثالثاً: تآكل القوة الردعية للجيش وإصابتها في مقتل:
أخذت قوة الردع الصهيونية في التآكل بصورة حقيقية كما تشير لذلك العديد من القراءات الإستراتيجية منذ الانسحاب «المذعور» من لبنان في أيار 2000م، الذي ظهر وكأنه فرار لجيش عملاق من مجموعة من مقاتلي حرب العصابات؛ حيث بدأت صورته كجيش قادر على مواجهة الضغوط بالتآكل، وكل ما حدث على الحدود الشمالية منذ الانسحاب بدا وكأنه تأكيد على نظرية «بيت العنكبوت» التي تحدث عنها رئيس هيئة الأركان السابق (موشيه يعلون)!
وتلا ذلك الانسحابُ العسكري من قطاع غزة في خريف 2005م بصورة مشابهة لما كان عليه الوضع في لبنان، ومنذ ذلك الحين قامت قوى المقاومة في فلسطين ولبنان بصورة منهجية ومتواصلة ببعض المناوشات على الحدود، رد عليها الجيش بردود رمزية محدودة، مما عزز الانطباع بأنه يخشى من المواجهة المباشرة، ثم جاءت عمليات المقاومة من جديد لتضع المزيد من نقاط الإضعاف الإضافي الذي طرأ على صورة الجيش الردعية، وبلغ التأثير السلبي لتآكل قوة الردع في الانطباع الذي ساد في أوساطه بأنه غير قادر على مواجهة ضغوط التنظيمات المسلحة التي تقودها حركة حماس على سبيل المثال، مفضِّلاً الانسحاب لما وراء جدار حصين.
وبالإمكان سرد أهم الشواهد التي تؤكد أن قوة الردع الصهيونية أصيبت في مقتل:
1 ـ المعارك البرية التي فشل فيها الجيش في غزة وجنوب لبنان؛ حيث تبددت هذه القوة تحت وطأة ضربات المقاومين، وأثبتت هذه المعارك أن بالإمكان تحقيق تكافؤ في التدريب النوعي، إذا ما تحولت العقيدة القتالية من اعتماد الكمية إلى النوعية.
2 ـ كما هزت العمليات الاستشهادية عملياً نظرية الأمن الداخلي الصهيوني؛ فجاءت صواريخ القسام والكاتيوشا لتبدد الحلم نهائياً بأن يحارب الجيش وراء الحدود، ويبقى المستوطنون في مأمن داخلي مطمئن، ولا سيما أنه منذ انطلاق العمليات الاستشهادية في أوائل التسعينيات والشكوك تراود الصهاينة في مفهوم «إسرائيل القلعة».
3 ـ كشفت المواجهات الأخيرة عن الضعف الملحوظ والمتزايد في الروح المعنوية التي سكنت الأجيال الصهيونية؛ فلم يعد الجيل الجديد راغباً في القتال، ولذلك يقول المؤرخ الشهير (بني موريس): ما هو جيد للفرد ليس بجيد للمجموع، «الإسرائيلي» يريد أولاً فيلا وسيارة، التطوع والتجنيد في الجيش مستمران، لكن الجيش أصبح حرفة وليس مهمة ذات رسالة، ومن ثم طرح السؤال بكل قسوة: هل قادة المنظمات المسلحة محقون بأن المجتمع الإسرائيلي آخذ في الضعف، آخذ في اللين، إلى أن ينهار أمام المقاومة الإسلامية الكبرى؟
4 ـ ضرب قوة الردع تبدى أكثر في قدرة المقاومة على إيلام الصهاينة، ولعل التعبيرات التي خرج بها إعلامهم يؤكد ذلك: دم.. عرق.. ودموع.. (مع التشديد على الدم).. هذا ما ينتظرنا في الأيام القريبة القادمة.. هذا هو اختبار الدولة... اختبار قدرة الصمود.. قدرة الامتصاص!
وهكذا يتبين أن من الواضح أن الجيش الصهيوني، رغم قوته وقدرته على محاربة ثلاث دول عربية مجتمعة، ورغم مرور 60 عاماً على احتلاله واستنزافه، ورغم الدعم الدولي اللامحدود له وإمداده بكل أسباب القوة..، رغم ذلك كله فهو في انحدار وهبوط على كل المستويات المادية والمعنوية، ولذلك ترى الكثير من الأوساط العسكرية والإستراتيجية أن من الخطأ الجسيم الاعتقاد بأن الردع الصهيوني تآكل بسبب ما لحقه من أضرار في مكونات القوة البرية والجوية والاستخبارية ومعطياتها فقط، ولكن لأن ضرراً فادحاً أصاب «العزيمة» المفترض أن تستخدمها.
ومن ثم يمكن تركيز الهدف الصهيوني، القادم من أي حرب متوقعة، في استعادة قوة الردع من خلال إعادة الاعتبار للآلة العسكرية للجيش، وتنشيط الروح المعنوية لجنوده المنهارين، وإحياء «عقيدة الردع» التي منيت بهزائم كبيرة أمام المقاومتين الفلسطينية واللبنانية.
رابعاً: تراجع الجهوزية القتالية للجيش للحرب القادمة:
في طور الاستعدادات الصهيونية الجارية على قدم وساق، لا يبدو الجيش (الذي لا يقهر) بذات الدرجة من الاستعدادات الميدانية لأي قرار قد تصدره القيادة السياسية، الأمر الذي يتضح أكثر عند استعراض أهم المؤشرات السلبية الخاصة بعدم جهوزية الجيش لأي حرب قد تنشب بين حين وآخر مع العرب المحيطين بدولة الكيان الصهيوني، ومن أهمها:
1 ـ المعطيات «المقلقة» الخاصة بنسبة التجنيد المتراجعة في صفوف الجيش الصهيوني؛ ففي عام 2002م وصل نحو 88 ألف يهودي إلى سن التجنيد العسكري: 77% من الشبان، و61% من الشابات، جندوا بالفعل في صفوف الجيش، لكن نصف الفتيان الذين لم يجندوا حرروا لانتمائهم إلى المدارس الدينية، فيما حرر الباقون لأسباب طبية ونفسية، وعدم ملاءمتهم للخدمة العسكرية، وغيرها من الأسباب، علماً بأن نسبة الشبان غير المجندين آخذة في الازدياد، وقد ارتفع تقريباً إلى النصف من عام 1990م إلى عام 2002م، ومن المتوقع أن يصل إلى 25% في صفوف الشباب، وإلى 42% في صفوف الشابات، وقدر التقرير السنوي للميزان العسكري، الصادر عن المعهد الدولي للأبحاث الإستراتيجية في بريطانيا، حجمَ الجيش النظامي الصهيوني بـ172 ألف جندي: 107 آلاف منهم ممن هم في الخدمة الإلزامية، بمن فيهم الضباط في سنوات الخدمة الأولى، وقدرت قوات الاحتياط بـ425 ألف جندي.
2 ـ توقف الجيش عن تطوير قواته البرية، إلى جانب انتشار المفهوم العسكري الخاطئ بأن عصر الحروب التقليدية التي تهدد الدولة قد ولى؛ حيث دفعت الوحدات المشاركة في الحربين الأخيرتين، في غزة ولبنان، ثمناً غالياً؛ بسبب عدم خضوعها للتدريب طيلة سنوات طويلة، ومن ثم لم تعرف تلك القوات ماذا عليها أن تفعل وكيف تتصرف في ساحة المعركة، وفشل الخطط الحربية التي حاولت قيادة الأركان تنفيذها في المواجهات الأخيرة؛ بسبب ضعف التدريب والترهل الداخلي، وشيوع بعض المفاهيم والإستراتيجيات العسكرية الخاطئة التي تشكل أساس عمل وتحرك الجيش، وبقاء حالة الانفصام بين المراتب القيادية العليا والجنود في الميدان.
3 ـ أزمة القيادة العسكرية للجيش؛ فقد أكدت نتائج التحقيق الأخيرة أن الإخفاقات التي برزت بصورة كبيرة ومعلنة لها علاقة بالقيادة التي تمسك بزمام الجيش اليوم، ولا شك أن وزير الدفاع الحالي «عمير بيرتس» يشكل أزمة بحد ذاته، سياسياً وعسكرياً، ولذلك فإن عودة للوراء ثلاثين عاماً حيث العام 1977م، تظهر أن عشرة عسكريين تولوا منصب وزير الدفاع، سبعة منهم كانوا بدرجة عقيد، والثلاثة الآخرون وهم: مناحيم بيغن، موشيه أرنس، شمعون بيريس، تولوا وزارة الدفاع بعد أن توفي من سبقهم في هذا المنصب أو قتل، حيث كان يعين لهم مساعد بدرجة عقيد وما فوق، إلا في القيادة الحالية التي لا تتمتع بأي «سيرة ذاتية» عسكرية.
من جهة أخرى، فإن سبعة من بين ثمانية رأسوا هيئة أركان الجيش، ممن عينوا في هذا المنصب منذ عام 1974م، كانوا من قادة وحدة المظليين، ثلاثة من الأربعة الأخيرين وهم: إيهود باراك، شاؤول موفاز، موشيه يعلون، تبوأوا مراكز حساسة في كتيبة رئاسة الأركان. وغالبية قادة هيئة رئاسة الأركان الحالية من وحدة المظليين والقوات المدرعة، ولذلك جاء تعيين «دان حالوتس» من سلاح الجو رئيساً لهيئة الأركان تغييراً دراماتيكياً في نظام درج عليه الجيش منذ تأسيسه؛ فجاءت المفاجأة «الفضيحة» في أدائه الحربي الأخير، ومن ثم استقالته!
4 ـ إخفاق الجيش، لغاية الآن، في إيجاد رد على شبكة الأسلحة المضادة للدبابات، التي يمتلكها «أعداؤها» في الداخل والخارج، وعدم تمكنه من بلورة رد على قصف العمق الصهيوني بالصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى، وعدم إجراء أية استعدادات لوجستية للعناية بالمستوطنين في الجبهة الخلفية وتوفير الحماية لهم، ولا سيما أن أي حرب قادمة لن تنهمر الصواريخ فيها في شمال فلسطين فقط، بل في الوسط والجنوب أيضاً.
5 ـ فشل النظرية التقليدية التي عمل وِفقها الجيش منذ تأسيسه، وهي تقديس مبدأ الهجوم؛ ذلك أن قيادة الجيش وكراساته الداخلية أصرت دائماً على قاعدة تمرير الهجوم إلى أرض (العدو)، انطلاقاً من أن دولة الكيان بمساحتها المحدودة لا تستطيع خوض حرب على الأرض التي تحتلها في فلسطين، وبقي هذا الشعور ملازماً للجيش حتى بعد حرب حزيران 1967، بعد أن استولى على مساحات جغرافية جديدة، ولذلك رأيناه يفضِّل الهجوم وليس الدفاع؛ حيث تكمن فيه إمكانية القوة وتحقيق الانتصار، لكن المواجهتين الأخيرتين مع حماس وحزب الله أثبتتا أن هذه النظرية آن الأوان لأنْ يعاد النظر فيها.
6 ـ الإخفاق «الكارثي» لجهاز «أمان» وهو الاستخبارات العسكرية التابعة للجيش وباقي الأجهزة الأمنية؛ الشاباك (الأمن الداخلي) والموساد (الأمن الخارجي)، في تحديد نقاط الضعف والقوة لدى الخصوم المحتمـلين لدولـة الكـيان. وأكثر مـن ذلك فـقـد فـسِّـر ذلك بـ «الغيرة والتنافس بين الأذرع الأمنية والاستخبارية»، وأسفر عن استيقاظ الجيش على منظمات مقاومة أكثر تنظيماً، أقدر قتـاليـة وتـدريبــاً مما كـان في جـولات القـتال السابقـة، مما أسفر عن تغير الوضع مع مقاتليه في ساحة المعركة، وقد ساهم هذا الوضع الاستخباري المربك في بروز شروخ واضحة في الإسناد الذي تمنحه القيادة السياسية للجيش؛ حيث عبرت محافل سياسية في محادثات مغلقة عن قصور الاستخبارات في جمع المعلومات عن تعاظم قوى المقاومة، والاستعدادات المكثفة التي أعدتها للمواجهة مع الجيش، وربما تكمن المشكلة الأم في أجهزة الاستخبارات الصهيونية في عدم وجود «أب» لجمع المعلومات، ولذلك قرأنا وسمعنا وشاهدنا الاتهامات المتبادلة التي ألقاها الموساد وأمان والشاباك بعضها ضد بعض، ورؤساؤها: مائير داغان، عاموس يدلين، يوفال ديسكين على التوالي.
وهكذا.. لا تزال العيوب والثغرات البنيوية والعملياتية الجدية تعطل جهوزية الجيش الصهيوني القتالية للحرب القادمة، الأمر الذي سيقوي، بالمقابل، منظور وخطط المقاومة في تعاملها مع العنصر البشري الصهيوني، باعتباره الحلقة المركزية في فعلها المقاوم المرتكز على (حرب العصابات وحرب الشوارع)، ما يعني إفشال الفلسفة العسكرية الصهيونية القائمة على زرع الرعب في صفوفها، وعلى المبادرة بالهجوم «الوقائي» الخاطف ونقل المعركة إلى أرض العدو، وما يعني أيضاً حرمان الجيش الصهيوني من الاستفادة من تفوقه النوعي في الحرب التقليدية، ومن ثم إرغامه على المواجهة طويلة الأمد.
(*) باحث فلسطيني في الشؤون الصهيونية.