أفغانستان حرب أخرى في طريق الخسارة

جون كيرياكو *

 

يقول وزير الدفاع الأميركي السابق دونالد رامسفيلد ضمن العدد الحالي لمجلة جي. كيو: إن الحرب في أفغانستان شكلت نجاحاً كبيراً على اعتبار أن الناس ينعمون بالحرية اليوم، والحياة باتت أفضل في الشوارع.

والحال أنه بالنسبة لكل من يعمل في هذا البلد، فإن ثمة جواباً واحداً ممكناً: عن أي أفغانستان يتحدث الرجل؟! الواقع أن حال أفغانستان - معقل حركة طالبان، وملاذ القاعدة - يبدو اليوم أشبه بما كان عليه في العاشر من سبتمبر 2001م منه بانتصارٍ في حرب الولايات المتحدة على الإرهاب.

بالمختصر المفيد: إن أفغانستان في فوضى عارمة اليوم، لقد تمكنت القاعدة وحلفاؤها طالبان في صمت من استرجاع بعض المناطق، لتحوِّل بذلك قطاعات شاسعة من البلاد إلى مناطق محظورة على القوات الأميركية والأفغانية بل وحتى الصحفيين، كما أصبحت الهجمات العنيفة ضد المصالح الغربية من قبيل الأمور الروتينية، بل حتى العاصمة كابول التي كان يحلو للبيت الأبيض أن يشير إليها باعتبارها مثالاً لما هو ممكن في أفغانستان أصبحت مكاناً خطيراً جداً إلى درجة أن السفارات الأجنبية باتت تشبه السجون نظراً لأن الدبلوماسيين لا يغادرون مكاتبهم، فالمجازفة خارج المناطق الآمنة تتطلب السفر نهاراً، ومركبات مدرعة، وحراساً مرافقين.

اليوم يسود الخوف في أوساط الأفغان العاديين في كابول، لقد ارتفعت على مدى السنوات الثلاث الماضية معدلاتُ الجريمة في الشوارع وهو أمر لم يكن موجوداً من قبل تقريباً في الثقافة الأفغانية، ذلك في وقت يقوم فيه الشباب الغاضب والعاطل بتصفية حساباته مع أفراد القبائل والعشائر الأخرى، والسرقة والسطو لإطعام عائلاتهم، وإفراغ سخطهم واستيائهم من حكومة تبدو عاجزة عن مساعدتهم، ونتيجة لذلك فإن تناول الطعام في أحد مطاعم أفغانستان المعدودة، أو الذهاب للتسوق في أحد الأسواق المتبقية إنما يعد ضرباً من ضروب المجازفة بالنفس والحياة.

وهكذا باتت كابول تعني السجن بالنسبة لكثير من المسؤولين والدبلوماسيين الأمريكيين؛ ذلك أن السفارات مغلقة تماماً في وجه حركة السيارات، بل وحتى الراجلين، ففي سفارة الولايات المتحدة على سبيل المثال لا يُصدر القسم القنصلي تأشيرات سوى للمسؤولين الحكوميين الأفغان، أما في حال أراد مواطن أفغاني عادي الحصول على تأشيرة الولايات المتحدة فيتعين عليه أن يسافر إلى إسلام آباد في باكستان من أجل طلبها، ويعزى ذلك إلى حقيقة أن من شأن السماح للأفغان بالوقوف في صف لطلب التأشيرة في السفارة الأميركية بكابول أن يجذب هجمات كثيرة.

وعلاوة على ذلك فإن الموظفين بالسفارة الأميركية الراغبين في الذهاب إلى مكتب وكالة التنمية الدولية الذي يوجد مقابل السفارة؛ مطالبون باستعمال نفق تحت أرضي يربط بين المبنيين، فعلى الرغم من أن الشارع مغلق في وجه حركة المرور باستثناء المركبات التابعة للمسؤولين الأميركيين والأمم المتحدة، ويعرف حراسة مشددة، ودوريات منتظمة بواسطة المدرعات والدبابات، وموظفي الأمن المدججين بأسلحة الكلاشنيكوف، مع محيط من المتاريس والكتل الواقية؛ إلا أن خطر القناصة أو قذائف الهاون، أو القنابل اليدوية؛ حاضر وقائم دائماً.

بيد أن الحقيقة مختلفة جداً؛ ذلك أن الأمر ما يزال يتعلق بحرب ساخنة مع (عدو محفَّز، ومنظم، ومسلح تسليحاً جيداً)، وإضافة إلى ذلك فإن القاعدة عائدة اليوم تدريجياً عبر البلدات والقبائل والأقاليم، وبينما تعيد القاعدة رص وتنظيم صفوفها، فإن أسامة بن لادن ما يزال حراً طليقاً، يرسل رسائله عبر أشرطة الفيديو، ويمثل مصدر إلهام إيديولوجي للجهاديين عبر العالم.

أما رئيس البلاد حامد قرضاي فقد أثبت بالفعل أنه ليس سوى عمدة لكابول؛ فالحرب في أفغانستان عملية سياسية وعسكرية تقوم على مبدأ خطوة إلى الأمام، وخطوتين إلى الوراء"، والحقيقة أن المهمة في أفغانستان ليست غير مكتملة فقط وإنما هي أكثر خطراً وأقل يقيناً مما يمكن أن يتخيله صناع السياسة في واشنطن، والمتحدثون في استوديوهات نيويورك، أما من يقولون بغير ذلك فإما أنهم سذج، أو أنهم يروجون لأجندة سياسية.

نقلاً عن جريدة الاتحاد الإماراتية.

____________________________________________

* مسؤول ما يسمى بمحاربة الإرهاب بوكالة المخابرات الأمريكية سي. آي. إي، ومسؤول سابق بوزارة الخارجية الأميركية.

http://www.islamicnews.net:المصدر