لبيك اللهم

سمية رمضان أحمد

أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية والدعوية

 

هنيئاً لكل قدم وطئت أرضاً قال عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أحب أرض إلى نفسي"، وهي أرض محاطة بجبال وكأنهم "حرس الرحمن"، لهذا البلد الأمين، وينبض قلبها دوماً بطوفان بشري يستمد قواه ب"لا إله إلا الله.. ترددها الألسن راجية من المولى أن ينير بها القلوب، هذه البقعة القادرة على إذابة جليد "الأنا"! فُسبحان الله..

فإن كل منا يدخل المسجد الحرام وهو يحمل أثقالاً ينوء بها ظهره، اسمها "الأنا" ورويداً رويداً يشعر بحق أن الملك لله، وما هو إلا فرد ضعيف فقير إلى رحمة الرحمن الرحيم، فعند دخولنا لهذا المكان المبارك الطاهر نريد كل شيء، أن نجلس بأفضل مكان، وأن نطوف أيسر طواف، وأن يكون السعي أيسر ما كان، وأن نشرب من زمزم حتى نرتوي لا يزاحمنا فيها أحد، وتكون المفاجأة! أشكال وألوان مختلفة متباينة.. ألسن عندما نسمعها نسجد لله خضوعاً لقدرته على هذا التنوع العجيب، وعندما نبدأ بتحقيق أول الأماني "الطواف اليسير" نجد أنفسنا وقد دخلنا إلى آلة عجيبة قد تحدد اتجاهها، وأصبحت الأجساد من العوامل الإنسانية لتحريكها، وفي داخل الآلة نسمع عجباً.. "سيمفونية" من التسبيح والدعاء والبكاء والابتهال والتوسل، تذيب القلوب، وتوقظ العقول!

من أنا في وسط هذا الهدير الخاشع؟! لا شيء على الإطلاق.. أسير معهم بلا توقف حتى تنتهي الأشواط.. لا يكاد يشعر بي أحد أي أحد سوى الخالق السميع القادر الجبار، هو وحده من يشعر بوجودي ويستطيع سماعي، بل وتحقيق رجائي. كيف هذا؟ لا ندري، ولكن نحن على يقين بقربه ووجوده معنا، شيء عظيم رائع يجعل اليقين يسري إلى القلوب أن إله هذا الكون هو القادر المقتدر، وأن قدرته ليست كمثلها قدرة.

سبحان الله! هذه المرأة العجوز، هذا الشاب القوي، هذا الرجل الكهل، هذا الأسود، وهذه البيضاء، وهؤلاء الصفر، هذا الطويل، وهذه القصيرة، وتنوع الوجوه المحير للألباب، يقول هؤلاء كلهم: "لا إله إلا الله"، كيف توصل الجميع إلى معرفته مع اختلاف الأوطان والألسن والمسافات؟ والجواب: "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء".

 

ملك الملوك

وفي كل صلاة وعندما يؤذن المؤذن يصطف العبيد لملك الملوك، ومهما زادت الأعداد يجد كل عبد مكاناً له ليقيم فيه الصلاة، ولكن قبل ذلك نجدهم يحورون ويدورون، يبحثون عن مكان يحوي أجسادهم، وكثيرون لا يجدون، فقد امتلأ المكان، ولا توجد حتى ثغرة بين الأجساد المتراصة بحكمة رائعة، ممن أمر بتنظيم هذه الصفوف - صلى الله عليه وسلم -، ويغمر من يبحث له عن مكان للصلاة، شعور قوي وكأنه يبحث عن مكان له في الجنة، فيدعو الله ويبتهل إليه أن يجد بغيته، والسؤال: في الآخرة ماذا سيكون وضعنا لو بحثنا فوجدنا الجنة وقد مُلئت وليس لنا مكان؟! اللهم سلم... اللهم سلم.

 

لماذا التشاحن والتشاجر!

وسبحان الخالق! بمجرد إقامة الصلاة تجد كل من أراد الصلاة، وكأن قطعة من الأرض قد وهبها الله له من السماء ترحب به مصلياً عليها، وتصطف الصفوف في منظر مهيب يسر الناظرين، أمر مدهش، كيف يصبح المسلمون بهذا النظام المبهر، وهم غير ذلك في حياتهم العادية؟ ولماذا التشاجر والتشاحن على أبسط الأمور؟

 

ماء زمزم

وهذا ما نلحظة عند مياه زمزم، فقد أجرى الله لنا نبعاً من الماء لا ينضب، كل هذه الملايين تشرب منه على مر العصور، وكأن مياه هذه العين المباركة تزيد بزيادة ارتواء العبيد منها، وكل هذه الأوعية والزجاجات التي تعبأ وتصدر ولا تنضب، والكل يعلم أنه لابد أنه شارب منها مادام وصل إليها، ولكن نجد التسابق، وعدم النظام، ولو اصطف المسلمون طوابير منظمة كما في الصلاة، ما آذى مسلم أخاه، ولا تفوه بلفظ يؤاخذ عليه في هذا البيت الحرام، وعندما نقف أمام هذه المياه المطهرة، وتمد الأكواب والأيدي لنغترف منها يهتف القلب مهللاً "الله" واللسان داعياً، يشعر العبد بذوبان "الأنا" فلا حول له ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وتذكرنا بحوض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما في الآخرة من مشقات فكيف لو حُرمنا من شربة ماء من حوضه الكريم؟ كيف ستكون مشاعرنا، وكيف ستكون ردود أفعالنا، والرسول - صلى الله عليه وسلم - يردنا عن الحوض والذي شربة ماء واحدة منه فيها النجاة؟ نشعر بذلك فتميد الأرض من تحت الأقدام، ويردد اللسان يا رب سلم.. يا رب سلم.

 

المسعى

ويتجه إلى المسعى، رباه ما هذه الأفواج الكثيرة!! ما هذه العلامات المتعددة؟! إنهم ينحدرون في نهرين متقابلين متغايرين في الاتجاه، وأصبح جسد العبيد ذرة من ذرات هذه المياه، لا يعبأ به أحد، ولا يعبأ هو بأحد، وقد انشغل كل منهم في أن يكون سبباً في جريان هذا النهر بأمر الله.

ومن هذه الأعداد الغفيرة يبدأ العرق في الخروج من مسام الأجساد، ونشعر بعدم قدرتنا على تحمل هذه القطرات المتساقطة والتي تبتل منها الثياب ويسرح الخيال في الآخرة، والتزاحم والحشر والعرق الكثير، الذي من كثرته يمكن أن يصل إلى السيقان.. بل إلى التراقي، يا رب سلم كيف سيكون الاحتمال؟

 

الحلق والتقصير

وعندما يحين قص الشعر تسقط "الأنا" على الأرض، ويخرج المسلم، وقد أصبح مع من حوله كالفراش المبثوث راجياً رحمة ربه، ويسير في الساحة المباركة، فهذه امرأة تفرش سجادتها للصلاة وتتكاثر النساء حولها، وهذا رجل افترش سجادته في مكان آخر، فأصبح الرجال حوله وكأن أحدهم يثبت الآخر، فيصبحون كالجنود على أرض الله، طائعين لخالق واحد، وملك جبار.

خرج العبد بعد أداء المناسك عازماً على الطاعة، مهرولاً إلى الله، فاراً إليه بذنبه، وقد أسلم إليه كل شيء وكان جسده، وهو يغادر بروحه المسجد، منجذباً إلى أرضه..أرض المسجد الحرام، لا يريد مطاوعته فألح عليه قائلاً: "هيا معي لنعمر الأرض ونصلحها، وسنذكر الله في كل مكان قولاً وعملاً" وغادر الاثنان، وطير الحرم يشيعه بقوله:"أفلحت إن صدقت".

 

http://www.almujtamaa-mag.com                       المصدر: