أين دور العمل؟
مرت بالمسلمين فترات ضعف فـيـهـا الـعـلم
، وخاض الناس في أمور العقيدة أو الحدث أو الفقه أو الدعوة دون دليل صحيح معتبر ،
وتـكـلموا في أخطر قضايا المسلمين بكلام إنشائي مرصوف ، واستشهدوا بالأحاديث
الضعيفة والموضـوعـة أحـيـانــاً ، وُيـتـنـبه لهذا النقص والـخـلـل ، ويبدأ
التركيز على المصادر الإسلامية الأساسية والنهل من ينبوعهـا واعـتـبـار الصحة
والـدلـيل ، وتوثيق النصوص ، حتى يقوم البناء على أساس متين ، وهذا شيء لا غبار
عليه بل هـو مـطـلوب وضروري ، ولكن كثيراً من الناس لا يستطيعون الاستمرار على
طريق الاعتدال والوسطيـة فيغالون أو يقصرون في أي أمر يعرض عليهم ، فإذا رزقوا
العالم الفطن ردهم إلى الطريق السوي.
فالعلم لابد منه ولا يقوم بـنـيان على
الجهل ، ولكن أن يتحول كل الشباب المسلم المخلص إلى مفتين ، ونرى الطبيب والمهندس
ومدرس العلوم أو الرياضيات أو مدرس الأدب واللغة لا يتعمقون في دراساتهم ولا
ينفـعـون المسلمين باختصاصهم ، إلا في العموميات ، وتجد في مكتبة الطبيب كل كتب
التـراث ، ولا تجد المصادر الأساسية في مهنته ، فهذا وضع غير طبيعي وخلل في فهم
الأمور.
فهناك علماء متخصصون يستطيع هذا الأخ
سؤالهم إذا استغلق عليه أمر أو أعيته مسألة. هكذا كان عمر -رضي الله- عـنـه يفـعـل
إذا طرأت عليه مسألة جديدة ، يجمع الصحابة ويشاورهم ولا يتهيأ مسبقاً بحفظ المتون
وافتراض المشكلات والحلول. وهذا إمام دار الهجرة مالك بن أنس يقول: أدركت هذا
البلد (المدينة) وما عندهم علم غير الكتاب والسنة ، فإذا نزلت نازلة جمع الأمير
لها من حضر من العلماء ، فما اتفقوا عليه أنفذوه ، وأنتم تكثرون من المسائل وقد
كرهها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
وكبار الصحابة لم يكونوا من مكثري
الروايات فقد روى أبو عبيدة ابن الجراح أربعة عـشر حديثاً ، وسلمان الفارسي ستين
حـديـثـاً ، ومعاذ ابن جبل مئة وسبعة وخمسين حديـثاً ، وغالبهم لا يروي إلا مئتين
حديث أو ثلاث مئة حديث ، وفي الصحيحين والسنن الثلاث والموطأ ثمانية وستين حديثاً
في الحث على الجهاد. (العواصم والقواصم 2/ 488).
والصحابة -رضي الله عنهم- والتابعون كانت
عنايتهم بالجهاد والأمر بالمعروف والـنهـي عن المنكر وقيام الليل ، وتفقد مصالح
المسلمين ، ولا شك أن ذلك بعد تحصيل العلم الذي لابد منه ، ولم يطلب القرآن العلم
الزائد على الكفاية كما طلب وحث على العـمل ومـدح الخاشعين في الصلاة المعرضين عن
اللغو والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس.
وإذا كان هذا منهج السلف وهم متفرغون
للعلم بما فتح الله عليهم من الدنيا ، فكيف بنا الآن ونحن نساس بـغيـرنا ، ويقـرر
أمرنا غيرنا ، ونحتاج لأعداء الإسلام في كل صغـيـرة وكبيرة من أمور دنيانا ،
والمهام الملقاة على عاتقنا كثيرة وحال المسلمين العلمية الآن أفضل مما كانت عليه
قبل قرن ؛ فلم يبق إلا المزيد من العمل والتطبيق.
ولا يخطرن ببال أحد أننا نقلل من أهمية العلم
الشرعي أو نضعف من شأنه ، ولكننا ندعو إلى العمل بعد الـعلم ، كما لا يعني هذا أن
نحجر على أحد في طلب العلم الشرعي والتزود منه ، بل لابـد منه وخاصة لمن يـتصـدى
للدعوة إلى الله والذي يجمع بين تخصصه والعلم فهذا خـيـر على خير، ولكن الغالب أنه
لا يستطيع التمكن من الاثـنـيـن، فهذا نـنـصـحـه بالتزود من العلم المطلوب لمـثـل
حاله وأن يفـيـد المسلمين في اختصاصه ونحن نعلم أن هناك علوماً شرعية لابد منها
لكل مسلم خاصة المـتـعلمين منهم حتى يدعو إلى الله على بصيرة ، ولا بد من إتقانها
، بعضها مجملاً ، وبعضها تفصيلاً ، وما خفي عنه فشفاء العّي السؤال.
Cd مجلة البيان