حُسن السؤال
.. نصف العلم
سعود بن عيد الجربوعي
روى الإمام البخاري في صحيحه عن المغيرة
بن شعبة - رضي الله عنه - أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قـــال : (إن الله
حــــرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ، ومنعاً وهات : وكره لكم ثلاثاً: قيل
وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال)(1) .
هذا الحديث الشريف شامل لبيان جمل مهمة
عــــن المحرمات ، والمكروهات التي يجب على المرء المسلم أن يتجنبها، ويتحتم عليه
أن يباعــد نفسه عنها، وأن يحذر من مقارفتها أشد الحذر. أما قوله -صلى الله عليه
وسلم- : (وكثرة السؤال).. فقد قال الحافظ ابن حجر - رحمه الله - عند شرحه لهذا
الحديث ما نصه: "وقد ثبت عن جمع من السلف كراهته تكلف المسائل التي يستحيل
وقوعها عادة، أو يندر جـــــداً، وإنما كرهوا ذلك لما فيه من التنطع ، والقول
بالظن ، إذ لا يخلو صاحبه من الخطأ"(2). فالتنطع في السؤال وتكلفه ، والسؤال
عن الأغلوطات ، والأمور المشكلات ، وما ليس للمرء حاجة فيه من الأمور - أمر منهي
عنه ، ومحذر منه لما فيه من حصول الزلل والغلط ، وقد روي عن الحسن البصري قوله :
"شرار عباد الله ينتقون شرار المسائل يُعَمّون بها عـبـــاد الله"، كما
روي عن مالك قوله : "قال رجل (للشعبي) : إني خبأت لك مسائل. فقال : خبّئها
لإبليس حتى تلقاه ، فتسأله عنها"(3)، وقد ورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما -
ما يدل على أن الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - ما سألوا رسول الله -صلى الله
عـلـيــه وسلم- إلا عن ثلاث عشرة مسألة، كلهن في القرآن ، وأنهم ما كانوا يسألون
إلا عما ينفعهم(4). ومراده بقوله : "ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة"،
أي : المسائل التي حكاها الله فـي الـقـرآن عنهم ، وإلا فالمسائل التي سألوه عنها
وبيَّن لهم أحكامها بالسنة لا تكاد تحصى كما بينه ابن القيم - رحمه الله - (5) .
يقول سيد قطب - رحمـه الله - عـنــد
تفسيره لقوله - تعالى - : ((يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ
أَشْيَاءَ إن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ))[المائدة:101] : "لقد جاء هذا القرآن
لا ليقرر عقيدة فحسب ، ولا ليشير إلى شريعة فحسب ، ولكن كذلك ليبري أمة وينشئ
مجتمعاً وهو هنا يعلمهم آداب السؤال وحدود البحث ، ومنهج المعرفة. وما دام الله -
سبحانه - هو الذي ينزل هذه الشريعة، ويخبر بالغيب ، فـمـــن الأدب أن يـترك العبيد
لحكمته تفصيل تلك الشريعة، أو إجمالها.. لا ليشددوا على أنفسهم بتنصيص
الـنـصـــوص، والجــــري وراء الاحتمالات والفروض.. (6) ، ولكن طائفة من الناس لا
يدركون هذا المعنى ، فيقـع منهم شيء من التنطع والتكلف . إما للإغراب ، أو التشكيك
أو إرادة الامتحان أو الاستهــزاء، ومع ذلك كانوا يقابلون من العلماء بحسن الرد،
فيُلجمونهم أشد الإلجام ، ويُسكتونهم أيما إسكات ، بردود تظهر فيها الحكمة، وحسن
التخلص مع التربية والتأديب ، ومن ذلك : مــــا رواه (اللالكائي) بسنده عن (جعفر
بن عبد الله) قال : "جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبد الله :
((الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى))[طه:5] ، فكيف استوى؟ قال : فـمـــا رأيت
مالكاً وجد من شيء كموجدته من مقالته ، وعلاه الرحضاء - يعني العرق - قال: وأطرق
القوم ، وجعلوا ينتظرون ما يأتي منه فيه. قال : فسُرِّي عن (مالك) فقال :
"الكـيـف غير معقول ، والاستواء منه غير مجهول ، والإيمان به واجب ، والسؤال
عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون ضالاً" . فأمر به فأُخرج" (7).
وروى (القاضي عياض) في : (ترتيب
المدارك)(8): قال حبيب : كنا جلوساً عند (زياد) (9)، فأتاه كتاب من بعض الملوك ،
فمد مدة، فكتب فيه ، ثم طبع الكتاب ، ونفذ به مع الرســـــــول. فقال زياد: ألا
تدرون عما سأل صاحب هذا الكتاب؟ سأل عن كفتي ميزان الأعمال يوم القيامة: أمن ذهب ،
أم من وَرِق؟ فكتبت إليه: حدثنا مالك عن ابن شهاب، قال : قال رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- : (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعينه)، وسترد فتعْلَم .
وردت عبارات كثيرة عن الأئمة تدل على كراهية السؤال عما لا ينفع
السائل ، فمن ذلك ما روي عن الإمام أحمد - رحمه الله - قال : "سألني رجل مرة
عن "يأجوج ومأجوج ": أمـسـلـمـــون؟ فقلت له : أحكمتَ العلم حتى تسأل عن
ذا؟" (10).. هذا من جانب ومن جانب آخر نجد بعض الناس لا يبالون بما يفعلون ،
ولا يسألون عما يجهلون من أحكام دينهم وأمور دنياهم ، فنراهم يتخبطون في مستنقعات
الردى، وينزلقون في مزالق الذنب والمعصية، بسبب البعد عن شريعة الله - سبحانه
وتعالى - وإغفال السؤال عن حكم الله ، وحكم رسوله -صلى الله عليه وسلم- في الأعمال
قبل القيام بها، مما يؤدي إلى كثرة وقوع الحوادث المخالفة، التي لا أصل لها في
الكتاب والسنة.
يقول ابن رجب - رحـمـــه الله - :
"واعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، إنما هن من
ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله ، واجتناب نواهي الله ورسوله ، فلو أن من
أراد أن يعمل عملاً سأل عما شرعه الله - تعالى - في ذلك العمل فامتثله ، وعما نهى
عنه فيه فاجتنبه : وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة.
وإنما يعمل العامل بمـقـتـضى رأيه وهواه ،
فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله ، وربما عسر ردها إلى الأحكام المذكورة
في الكتاب والسنة لبعدها عنها (11)، لذا وجب على المرء المسلم أن يتورع عن
الســــؤال الذي لا حاجة له به ولا نفع ، وأن يهتم بالسؤال عن الأمور النافعة التي
يقوم بحسن القيام بها أَوَد أعماله ، وأقواله وأحواله ، وما يؤدي إلى معرفة ما يجب
عليه من أمور عباداته ومعاملاته ، والعلم بالله وصفاته ، وما يجب له من القيام
بأمره، مع المحافظة على لــــزوم الحدود الشرعية، والآداب العلمية عند السؤال،
وليعلم أن العلم سؤال وجواب ، وأن حسن السؤال نصف العلم .
الهوامش :
1- انظر:صحيح البخاري
(كتاب:الأدب)، باب: عقوق الوالدين من الكبائر (8/5)، ط . المنيرية .
2- انظر: فتح الباري بشرح
صحيح البخاري (10/421)، ط. دار الريان، المكتبة السلفية.
3- انظر هذين الأثرين في
كتاب:"الآداب الشرعية والمنح المرعية" لابـن مـفـلـــح الحنبلي (2/82) ،
ط.دار العلم للجميع ، سنة1972م.
4- انظر نص كلامه في (سنن
الدارِمي)(1/63) ، باب (كراهية الفُتيا)، ط.دار الريان للتراث.
5- وذلك فـي كـتابـه
القيم : "إعلام الموقعين عن رب العالمين"(1/77)،ط.دار الفكر عام 1374هـ
، هـذا ، وقد ذكر - رحمه الله - في آخر كتابه المشار إليه فصلاً ذكر فيه عدداً
كبيرًا مـن المسائل التي سُئل عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- وأفتى فيها، وقال
في أوله : ""فصل" ولنختم الكتاب بذكر فصول يسير قدرها، عظيم أمرها،
من فتاوى إمام المفـتـين ، ورسول رب العالمين ، تكون روحاً لهذا الكتاب ، ورقماً
على جلة هذا التأليف.." ثم سرد ذلك فجاء في زهاء 152 صفحة من الكتاب.
6- انظر: في ظلال القرآن
،2/986 ، ط.دار العلم ، ودار الشروق ، الطبعة الثانية عشرة، سنة 1406هـ .
7- شـــرح أصول اعتقاد
أهل السنة والجماعة لأبي القاسم اللالكائي (8/398) نشر دار طـيـبــة (بالريـاض).
قال المحقق (أحمد سعد حمدان) : قال ابن تيمية في الفتاوى (5/365): "ومثل هذا
الجواب ثابت عن ربيعة شيخ مالك".
8- 3/120 ، ط.المغربية.
9- هو : زياد بن عـبـــد
الرحمن ، أحد تلاميذ الإمام (مالك )، وهو أول مَن أدخل إلى الأندلس (موطأ مـالـك)
متفـقـهاً بالسماع منه ، ثم تلاه (يحيى بن يحيى) .. انظر : (ترتيب المدارك)، 3/116
وما بعدها.
10- انظر : الآداب
الشرعية لابن مفلح الحنبلي ، 2/76.
11- انظر : جامع العلوم والحكم لابن رجب
الحنبلي ، ص94 ، عند شرحه للحديث التاسع .
Cd مجلة البيان