سوبر ستار العرب رسالة الأمريكان

الدكتور عاصم قبطان

 

لم يعد هناكَ مكانٌ لكلماتٍ مضيئةٍ في قاموسِِ هذهِ الأمة، ولا بدَ للحزنِ أن يلفَ أطرافها لاسيما وأنها في أجيالها الجديدة أملُ مستقبلها وسلاحهُ الأمضى لبناءِ المستقبلِ المشرق تفتقرُ إلى كلِ القيمِ والمثلِ التي تميزت بها على مدى التاريخ، إنها لحظاتُ حزنٍ وكآبةٍ نمرُ فيها ونحنُ نعيشُ هذا الضياعَ القاتل في الوهمِ في مشاعرنا وآمالنا وأهدافنا، فجماهيرُ أجيالنا تحللت من كلِ الطموحات، وباتت تعاني من تخلفِ وتبلد المشاعر، وأصيبت بعمى التجاهلِ والعشائريةِ المقيتة، يبدو أن هذه الجماهير جاهزةٌ لقتال بعضها لأشياءَ تافهة في أقلِ ما توصفُ بهِ كالاستفتاءِ على تلك الفنانة أو ذاك أو تلك، في نفسِ الوقت الذي هيَ عديمةُ الجدوى ومحبطةٌ لكي تستفتى في الأمورِ الهامةِ فعلاً في مصيرها ومستقبلها.  

إذا كانت الاستفتاءاتُ تبنى على العشائريةِ والإقليميةِ العمياء، والإعلانات الصفراء فالصراحةُ تقتضي الاعتراف بأنَ هذهِ الأجيال لا تستحقُها، لأن هذه الأجيال ليست ناضجةً لا منَ الناحيةِ الاجتماعية ولا الثقافية أو السياسية للتعاملِ معها بمفهومها الوطني والقومي، إن أصوات هذه الجماهير يمكنها أن تُجيرَ وبسهولة أو تُشرى من خلال (الآيس كريم) أو (الهامبرغر)، لا نبالغ بالقول بأنَ العديدَ من هذه الجماهير تقفُ كالكلاب المدربة تنتظرُ الطعامَ الزائدَ بعدَ الولائم لكي تتقلبَ وتتشقـلب وتمثلَ دورَ الميت كما يطلبُ منها مدربها لقاءَ قطعةِ لحمٍٍ هزيلة تقدمُ لها، ما عليكم سوى مراقبة أي برنامج أو حفـل تنقلهُ الفضائياتُ العربيةُ العملاقة وانظروا إلى أجيالِ المستقبلِ الراقصةِ و(الدبيكة)، طبعاً لا شك أنَ هناكَ استثناءاتٍ لما ذكر ولكنَ الاستثناءَ نادر. 

مرةً أخرى إنها أيامٌ حزينةٌ عندما يختارُ بعضُ العرب تقليدَ الثقافة الغربية تقليداً أعمى، لكنهم لا يقلدونَ الإنجازات العلمية، لا يقلدونَ الإخلاص والالتزام، إنما يقلدونَ عرض (جيري سبرينغر) (Jerry Springer Show) الذي يراقبهُ معظمُ المحبطين وعديمي التفكيرِ منَ المتحضرينَ من جماهيرِ الولاياتِ المتحدة الغبيةِ والغائبةِ عما تفعلهُ زمرةِ المحافظينَ الجُدد، أما الفضائياتُ العربية فحدث ولا حرج فهيَ لم تحقق من تقليد الثقافةِ الغربيةِ سوى البطونِ المكشوفةِ والانفلاتِ الأخلاقي على شاشاتها. 

إنها تربيةُ العقودِ الأخيرةِ منَ القرنِِ الفائتِ وهذا ما خلفتهُ في أجيالِ هذهِ الأمةِ المنكوبةِ بقدرها فيما تعاني، وما ستعاني بكلِ أسفٍ، إنَ دورَ الفضائياتِ وما يدعى الإعلامُ العربي هو التحللُ والخيبةُ وزرعُ الهوسِ الجنسيِ والألبسةِ الفاضحةِ ومهازلُ السوبر ستار (سوبر ستار العرب ويا للأسف) وحفلاتُ انتخابِ ملكاتِ الجمال، المثقفونَ في الدول الغربية يدعون حفلات انتخاب ملكات الجمال بسوق الحيوانات والكلاب فهناك أيضاً مباريات أجمل الكلاب وأجمل القطط لا فرق ولكن سوق الحيوانات البشرية (وفي لغتنا الدارجة الشعبية سوق الدواب) تتميز بعرض مقومات الجسد بالأشكال المثيرة بل المقززة وهذه هي الثقافة التي تريد أمريكا وحضارتها من أجيالنا الجديدة أن تعتنقها، وبناءً على هذه الرغبات فقد تحولت شوارع المدن الكبيرة العربية وشاشات الفضائيات العربية إلى أسواق عرض البطون وعرض اللحوم الإنسانية والآباء والأمهات يغطون في سباتٍ عميق إنه سبات الحضارة الجديدة. 

الأجيالُ العربية السابقة وقفت وقفةَ الشرفِ والآباء، ففي عام 1956 كان معظمنا في العقدِ الأول أو الثاني من عمرنا عندما انتصرنا لمصرَ العروبة، وانطلقت مظاهراتنا العفوية نحملُ اللافتات التي لم نكن لنقوى على حملها حيثُ كنا أطفالاً نرددُ شعاراتِ العروبةِ والولاء للوحدة عندما قامَ العمالُ العربُ السوريون بتفجيرِ أنابيبِ شركةِ نفطِ العراق لقطعِ البترولِ عن الدولِ الاستعمارية، كانَ لأجيالنا وقفاتٍ مشرفةً ضدَ الحشودِ التركية في عامِ 1957 التي كانت مدعومةً من حلفِ بغداد في ذلكَ الحين، وقفت أجيالنا مع ثورةِ لبنان في عامِ 1958 وقفت أجيالنا مع الوحدةُ العربية التي أشرقت بقيامِ الجمهوريةِ العربيةِ المتحدة، قامت دولةُ الوحدة التي وضعت إسرائيل بينَ فكي كسارةِ البندق (هذا ما قالته غولدا مائير)، لقد قاومنا الانفصال بضراوة ولم تحد سنين المراهقةِ من فعلنا القومي.  

للأمانة لا نستطيع أن نلوم أجيالنا العربية الحاضرة على إحباطاتها وتخلفها عن مواكبة المشاعر القومية العربية والانطلاق إلى الشوارع العربية بنفس الكثافة التي تجمعت فيها لتدعم ملحم الزين ورويدة عطية وديانا كرزون لأن هذا هو المسموح، وهذا ما تشجع عليه الأنظمة فما من ذلك خطر لقد تعثرت الأجيال العربية الحاضرة الغائبة وتمنعت عن المشاركة في رفض العدوان الأمريكي الغاشم على العراق ولا نلومها على ذلك فهي لم تعش ولم تتلقن دروس التضحية والفداء، ولم تتمرس بالنضال الذي خضناه في شبابنا، لقد منعها الخوفُ والوجل من القمعِ الوحشي الذي رأته وعاشته مع الآباء والأخوة الذين اختفوا في غياهبِ المعتقلات دونَ عودة، وهي لا تزال لا تعرفُ لنفسها مصيراً أو مستقبلاً، والأكثر من ذلك إنها المرة الأولى التي يتاح لها أن تمارس حقها الديمقراطي في الاستفتاء بنزاهة، وهي على ثقة بأنها لن تقمعَ في هذه المرة فالمطلوبُ منها نسيانُ القضية والتحولُ إلى اهتماماتٍ أخرى لا تمتُ إلى حاضرها وآمالها وآلامها ومستقبلها وهي بتحركها هذا لن تكونَ خطراً على الأنظمة لذا تحركت المسيراتُ في كل مكان من أرض العرب وفي لبنان انطلقت المسيراتُ الهادرة دعما لملحم الزين الذي هوا في التصفية قبل النهائية وقذفَ المشجعونَ بعضهم بما تيسرَ لهم من أدواتٍ وكراسيَ في معركةٍ ملحمية في صالةِ قناة المستقبل (القومية العربية) وسقط مغشياً عليه من سقط من الساقطون، وتوقفَ البرنامجُ التلفزيوني.

موجةُ من الهذيان أصابت الأمةَ منَ المحيطِ الهادر إلى الخليجِ المقامر معَ البرامجِ المستمرة اليومية تبحثُ عن مقوماتِ السورية رويدة عطية (العشرون عاماً) والأردنيةِ ديانا كرازون (التسعة عشر عاماً).

امتلأت ساحاتُ عمانَ الهاشمية بشاشاتِ العرضِِ الكبيرة لنقلِِ الحدثِ الجلل، وانبرى المتبرعون بكرمهم العربي لتقديم الولائم والآيس كريم للمصوتين، نجاح ديانا كرزون هو نجاح للأردن (الأردن أولاً).

امتلأت بعضُ ساحاتِ دمشق العروبة ومشتى الحلو وغيرها بالمسيرات والتجمعات التي نقلتها الفضائياتُ العربية ُ الهادفة، وحضت إعلاناتُ (المستقبل) و(السيرياتيل) والـ (94) المواطنين أن صوتوا لرويدة عطية (سوريا أولاً)، أربعةُ ملايين وثمانمائة ألف مواطن عربي وعربية شاركوا في الاستفتاء، يا للعجب هل شاركَ مثل هذا العدد في انتخابات المجالس النيابية والإدارات المحلية وبنفس الكثافة.

وكأننا لسنا في محنة وكأنَ العراق تحررَ من ربقة الاحتلالِ الأمريكي وكأن فلسطين باتت في أيدي العربِ والمسلمين، وكأننا هزمنا الصهيونية العالمية ومعها أمريكا. 

هذه هي الأجيالُ التي بنتها الأنظمةُ العربية في العقود الأخيرة ولتدخرها لليومِ الموعود، هذا ما تريده الأنظمةُ العربية أم هذا ما تريدهُ أمريكا والصهيونية.. تتزامن ذكرى إحراقِ المسجد الأقصى مع الأيام النهائية لسوبر ستار العرب وتنسى أجيالُ المستقبلِ العربية هذه المناسبة لانشغالها بمتابعة (سوبر ستار العرب) ولا ينسى الوزراء القيام بمسؤولياتهم الجسيمة والاتصال بالمتسابقات يشدونَ على أيديهن، ويتمنونَ لهنَ النجاح، ويلتقي أحد الرؤساء بأحد المتسابقين يرطبِ من خواطره.

يا عرب يا مسلمون هذا ما خططت له أمريكا والصهيونية أن تعود بنا إلى اللامبالاة والإقليمية والانتصار الأعمى للعشيرةِ والمدينة والقرية ففي لبنان العاقورةُ أولاً وفي مكانٍ آخر الأردنُ أولاً وهكذا هنا وهكذا هناك، من هوَ المسؤول الأنظمةُ أم البيتُ والتربية في المراحلِ الأولى، لقد تربينا على حبِ الوطنِ والتضحيةِ من أجلهِ فهل ربينا أبنائنا وغرسنا فيهم نفسَ القيمِ التي غرسها فينا أهلنا؟ هل لنا أن نتساءل لماذا لا يرتكسُ أبناؤنا لما يجري حولنا؟

http://www.al - moharer.net                   بتصرف يسير من :