التنصير في الجزائر حرب إبادة جديدة

علي صلاح

23 ذو الحجة 1428هـ الموافق له 1- 1- 2008م

الخبر:

استنكرت حركة النهضة الجزائرية صمت الحكومة إزاء حملات التنصير التي تشهدها البلاد، وطالبت بمحاسبة الحكومة على هذا التقصير.

 

التعليق:

ظلت الجزائر أكثر من مئة عام تحت الاحتلال الفرنسي الغاشم، وقد اصطحب قائد الحملة الفرنسية على الجزائر دوبونياك - وبتوصيّة من دائرة ما عرف بالأراضي الفرنسية في الخارج - دائرة الاستعمار - التابعة لوزارة الخارجيّة؛ 14 شخصاً من أبرز القساوسة الفرنسيين الذين كانوا يعتقدون وينقلون هذا الاعتقاد إلى الجنود الفرنسيين بأنّ الهلال - الإسلام - يجب أن يندحر في الجزائر لتعود الجزائر إلى أحضان الصليب، وقام الفرنسيون بتحويل معظم المساجد الجزائرية التاريخية إلى كنائس، والبعض الآخر إلى اصطبلات لخيول الجنود الفرنسيين، كما قاموا بإلغاء معاهد التعليم الديني، وبعد تمكّن القوات الفرنسية من بسط سيطرتها على الجزائر توجّه القساوسة إلى منطقة القبائل الجزائرية، وأخفوا صفتهم الكهنوتيّة، وراحوا ينشرون بين الناس الأميين والبسطاء أنّ الإسلام هو السبب في القضاء على العرق البربري.

هذه كانت البداية التاريخية للحملات التنصيرية في الجزائر والتي خفّت حدتها بعد الاستقلال، حيث قام الدعاة بإصلاح هذه الأفكار الباطلة بين أبناء القبائل، إلا أن المحتل القديم ما لبث أن عاد لينشر سمومه عن طريق إرسال بعثات يسوعية، وإنشاء مراكز ثقافية خصوصاً في مناطق القبائل، وكانت هذه الإرساليات والمراكز مرتبطة بالسفارة الفرنسية، وقامت باللعب على وتر القومية الأمازيغية، واستغلت المشاكل الاجتماعية والسياسية التي تعاني منها هذه المناطق في نشر العقيدة النصرانية، وكان لبعض الأحزاب البربرية ذات الشعبية في منطقة القبائل دور في تكريس هذه الممارسات بحجة أنها تقاوم "العروبة والأصولية".

لقد غضت الحكومات الجزائرية في الماضي الطرف عن هذه الممارسات لانشغالها بمحاربة التيارات الشيوعية والإسلامية، وخوفاً من إغضاب الجانب الفرنسي الذي كان يقف وراء الترويج للتنصير تحت راية "حرية العقيدة".

لقد اشتدت حملات التنصير في الجزائر في السنوات الأخيرة خصوصاً مع بروز التيار الديني المحافظ في الولايات المتحدة الأمريكية، وتوجّهه نحو التأليف بين "المسيحية" واليهودية، وانشغال السلطات بالأزمة السياسية التي تعيشها البلاد منذ عام 1992م، وتدهور الأحوال الاقتصادية في البلاد، وتصاعد الاضطرابات في منطقة القبائل التي تعد المعقل الأول للتنصير.

إن الإرساليات النصرانية تأخذ عناوين المواطنين، وبعد أقل من أسبوع يتلقى هؤلاء الناس الأناجيل، ودورات دراسيّة في العقيدة "المسيحية" تستمر لسنوات، كما يتلقون دعوات لزيارة كنائس في الخارج، ويستمر إشراف هذه المؤسسات الدراسيّة التنصيرية على متلقي التعليم الكنسي عن طريق المراسلة، وكل ذلك بتنسيق مع الإرساليات، ويضاف إلى ذلك قنوات إذاعية تنصيرية موجهّة إلى منطقة القبائل باللهجة الأمازيغية، ويتم صرف رواتب شهرية وإعانات مالية للمنضمين للنصرانية؛ الأمر الذي جعل البعض يجاهر بارتداده عن الدين، ووصل الأمر ببعضهم إلى فتح مطاعم للحم الخنزير في منطقة القبائل.

لقد دعا رئيس "جمعية العلماء المسلمين" الجزائرية الشيخ عبد الرحمن الشيبان "الجهات التي تملك القوانين والتشريعات" إلى مواجهة "حملة التنصير" التي تقودها الكنيسة البروتستانتية في البلاد، مشيراً إلى أنها "انتقلت إلى مرحلة الاعتداء على الجزائريين".

وذكر تقرير أجرته الجمعية عن نشاط الكنيسة في منطقة القبائل أن الأخيرة تتعهد بمنح مبلغ 5 آلاف يورو (نحو 7200 دولار أمريكي) لكل من يدخل جزائرياً في النصرانية، كما تعرض على طلبة الجامعة تسهيلات تتيح لهم الدراسة في الخارج لتشجيعهم على التحول للنصرانية.

وأشار الشيبان إلى "استفحال نشاط الكنيسة البروتستانتية في المدة الأخيرة بشكل خطير"، داعياً إلى تطبيق قانون ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين بما يجنب المساس بعقيدة الجزائريين".

إن السلطات الجزائرية شعرت مؤخراً بالخطر، حيث إن القضية لا تتعلق بالعقيدة فقط، بل لها أبعاد أمنية وسياسية خطيرة، فأصدرت قانوناً لتنظيم الشعائر الدينية يهدف إلى الحد من الأنشطة التنصيرية، بعد أن أكدت الإحصائيات تزايد معدلاته، واستجابة بعض المواطنين لمغريات الجمعيات التنصيرية، وينص القانون على إنزال عقوبات بالسجن تتراوح بين سنتين وخمس سنوات، وغرامة بما بين 500 ألف إلى مليون دينار جزائري [ما بين خمسة وعشرة آلاف يورو] في حق كل من يحث أو يرغم أو يستخدم وسائل الإغراء لإرغام مسلم على اعتناق دين آخر، كما ينص على إنزال العقوبات نفسها في حق كل شخص يصنع أو يخزن أو يوزع منشورات أو أشرطة سمعية بصرية أو أية وسائل أخرى تهدف إلى زعزعة الإيمان بالإسلام.

ولكن مع الأسف لم يتم تفعيل هذا القانون بشكل جاد في البلاد مع الضغوط المتزايدة على الحكومة من قبل حكومات ومؤسسات غربية بدعوى حماية الحرية والديمقراطية، والتلويح بوقف المساعدات والإعانات.

الجزائر تخلصت من الاحتلال الغربي المسلح منذ عشرات السنين، ودفعت في المقابل أكثر من مليون من أرواح أبنائها، ولكنها تواجه الآن حرباً أكثر شراسة على دينها ومعتقداتها ومستقبلها تحتاج إلى تضافر الجهود، فهل من مسعى حقيقي للمصالحة للوقوف يداً واحدة في وجه الخطر الصليبي؟

http://www.islammemo.cc:المصدر