فقدت ثقتي في الأديان

المجيب د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي

عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

25/10/1428هـ

السؤال:

أنا شاب كنت مسلماً، وتركت الإسلام منذ ثماني سنوات، لكنني أعبد الله عن طريق الفطرة، حيث لم تعد عندي أي ثقة في الأديان الموجودة حالياً، والسبب في ذلك راجع إلى فترة مراهقتي، حيث كنت أقرأ لكتَّاب أمثال (جان بول سارتر)، والحقيقة أنهم أثروا عليَّ كثيراً، أنا لم ألحد والحمد لله، ولكنى لم تعد لي ثقة في كل ما أسمعه.

أحياناً أحس أن الله خلق الحياة عبثاً، وأنه تركها تقود نفسها بنفسها، وقد قادتنا للقتل والكذب، والمجاعة إلى آخره، وبرهان كلامي هو ما يحصل هذه الأيام؛ حيث القوة والحظ تلازمان دائماً القوي والظالم (الشر)، حيث أصبح الخير دائماً مهزوماً وضعيفاً!، والآن أنا مصاب بحالة اكتئاب، وتركت العمل، وفكرت في الانتحار عدة مرات، أرشدوني مأجورين.

 

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

جسم الإنسان ينمو سوياً حينما تكون العناصر التي يأخذها مناسبة وصحية، لكنه يضطرب ويتألم ويتعسر ما يخرج منه حينما يتعاطى ما لا يناسبه من المأكولات والمشروبات، كذلك عقل الإنسان يكون سليماً وصحيح الرأي والأحكام ما دامت مدخلاته سليمة، مناسبة له، لكنه يضطرب، ويشقى وعيه، وتفسد أحكامه؛ حينما يتعاطى من الأفكار ما يناقض فطرته، أو ما ليس مؤهلاً أساساً للتعاطي معها.

من أبرز المؤثرات التي تفسد الفكر أن يقتحم مجالات ليس مؤهلاً للإنتاج فيها كحقائق ما وراء عالم الطبيعة، فاقتحامه ما وراءه يشبه محاولة الإبحار بقطار بحجة قدرته على السير في اليابسة، ومن المؤثرات التي تضلل عقل الإنسان أن يسبح في الأوهام التخيلية حول الإنسان الفرد والمجتمع وغيره دون سند من مبادئ الفطرة، أو حقائق الوجود، أو الوحي الموثوق استمداده من خالق الإنسان والكون.

وكثير من النظريات والفلسفات - الميتافيزيقية بالذات - هي من هذا القبيل، ما يجعل الناظر فيها دون أساس معرفي مكين يقع في الزيغ والحيرة والتيه، "الوجودية الملحدة" واحدة من هذه الفلسفات التي أضلت كثيراً من الناس زمناً، وهي الفلسفة التي تراجع عنها أقطابها في النهاية وكفروا بها وعلى رأسهم (جان بول سارتر) كما ذكرت ذلك، (وسيمون دي بوفوار)، ومن العرب عبد الرحمن بدوي في آخر حياته - رحمه الله -.

* إذا زاغ فكر الإنسان خاصة فيما يتعلق بالحقائق الوجودية العظمى؛ الوجود الإلهي، والوجود الغيبي، والوجود الإنساني هدفاً ومصيراً؛ فإنه يقع في حالة من الشك في الأشياء، ومن انتكاس المعايير لديه، حيث يرى الخير شراً، والشر خيراً، بل تسقط قيمة الحقائق لديه، وهذا ينتج حالة نفسية يتسم صاحبها بالقلق والاغتراب الوجودي الذي يشعر فيه بأنه لا يملك حقيقة سليمة، ولا يستند إلى معايير ثابتة، وهنا تحيط بالشخص الكآبة، وتضيق به الدنيا، وربما انتهى إلى حالة عدم فكري ونفسي، حيث تتوالد أمراض الجبن والخور، والشعور بالتفاهة، مما يبعث لديه فكرة الانتحار.

* الدنيا بكل تلوناتها الزاهية وغير الزاهية ضيقة محدودة، ولهذا يشعر الإنسان سواء ذلك الذي فاض كأسه منها مادة أو شهرة في الفن أو السلطة ونحوها، أو الذي يملك نفساً منطلقة تقفز به وراء كل هذه التلونات، حتى ولو لم يحصلها؛ يشعر هؤلاء كلهم بالشقاء النفسي في دنياهم.

والسبب أنهم حصروا أنفسهم ابتداء بشيء هم أوسع منه؛ ذاك أن الإنسان بفطرته - بل بالنفخة الإلهية فيه - يشعر بضرورة ارتباطه بأعلى وأسمى من هذه الحياة؛ بالله الواحد الأجل مصدر هذه النفخة المتوثبة نحوه، التي تشعر بضمورها وجفافها وشقائها كلما زاد بعدها عنه.

* وإذن فالسبيل لتجاوز الشقاء، ولانتهاج الطريق الصحيح، ولامتلاك الأمان الحقيقي؛ هو في الارتباط الصحيح بالله.

صحة هذا الارتباط إنما تتحقق من خلال المنهج الذي حدده الله خالق الإنسان، والذي نفخ فيه من روحه، هذا المنهج يتمثل الآن في ما جاء به آخر الأنبياء محمد - صلى الله عليه وسلم - في القرآن وفي السنة الصحيحة.

هنا ومن خلال هذا المنهج وعياً وتعبداً وسلوكاً سوف يحدث لديك تغير كبير في نفسيتك وأحكامك الفكرية، ومواقفك العملية تجاه الحياة إلى العكس أحياناً من تصوراتك السابقة.

 

* خطوات عملية:

- أقبل بصدق وثقة على ربك طالباً منه بتضرع أن يهديك الصراط المستقيم، وأن يكشف غمتك في خلوات من النهار أو سجوات من الليل بعيداً عن ضوضاء الحياة.

- اقرأ القرآن بصفته كلام خالقك إليك، متأملاً فيما يقدمه لك من تعريف لك بحقيقتك، وعلاقتك بربك وبالوجود، وبواجبك في هذه الحياة، وبمسيرة الحياة منذ بدأت، وحين تبدل إلى صورة الحياة البرزخية، ثم حين تقوم الحياة النهائية، فإنك ستشعر بالحياة تدب في روحك، فالقرآن حياة "بالمعنى الروحي" حقيقية.

- حاول أن تتواصل مع أناس صالحين، صحيحي التدين، لتعيش في جوهم، ولتبتعد عن الأجواء الملوثة بالمفسدات الفكرية والروحية.

أسأل الله أن ينير قلبك، ويكشف كربك، والله أعلم.

http://www.islamtoday.net:المصدر