مستنقع السودان الآسن
أ. د. عبدالرحيم نور الدين
سلسلة من الأزمات تطل بوجهها الكالح في الساحة السودانية وتنذر بشر مستطير دون ان تلوح في الأفق بوادر جادة لحلها أو التعاطي مع معظمها: فأزمة الشريكين الناجمة عن انسحاب وزراء الحركة الشعبية من حكومة الوحدة الوطنية، وأزمة دار فور المستعصية. وإشكاليات نشر القوات المختلطة في دارفور، ومشكلة دمج رافضي ابوجا في مفاوضات السلام في سرت الليبية، كلها أزمات ذات طبيعة معقدة.. وكل الذي نلحظه او نلمحه في التعاطي معها هو إما حالات فشل الدولة أو الحكومة أو حالات إنكار لمسبباتها ونتائجها المفجعة من جميع الفاعلين السياسيين.
فمنذ اندلاع الأزمة بين المؤتمر الوطني والحركة الشعبية وحتى الآن لا تزال حالات الإنكار بين الشريكين تترى.. ويزيد من عنفوان الأزمة خطاب الدفاع عن الذات والنفس.. والإنحاء باللائمة على الطرف الآخر.. فنجد حالات تشنج من الحركة الشعبية في التعاطي مع الأزمة وبذر بذور الشقاق والفرقة التي تبعد ولا تقرب.. تسيء ولا تمدح.. وفي المقابل فان الفاعلين الأساسيين في حزب المؤتمر الوطني يردون على الصاع صاعين.. بتقديم الأدلة والبراهين والحجج التي تبرئ ساحتهم وتلقى باللوم والوزر السياسي على الشركاء الذين تنكروا لبنود الاتفاق.. وخلال ذلك لم تظهر بوادر فجر جديد تقضى على عتمة الظلمة الحالكة.. أما الأزمة الثانية فتتمثل في فشل الحكومة وشركائها في دارفور في التوصل إلى حلول مرضية تقضى على مظاهر البؤس والشقاء والتعاسة التي يكابدها سكان دارفور الذين ضاقت بهم المعسكرات والمخيمات ومواطن النزوح في الداخل والخارج.. ابوجا لم تحل الأزمة ومفاوضات سرت الليبية قضت على النوايا الطيبة.. فانعقدت المفاوضات بحضور جيش عرمرم من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والولايات المتحدة وغيرها من الوسطاء مع غياب مبرمج لأكبر فصلين من متمردي دارفور الذين راهنوا على وجودهم في الخارج بأنه يمنحهم ضمانات البقاء.. فقرروا الإبقاء على رفع السقوف العالية للمطالب كمتطلب سابق لمشاركتهم في المفاوضات.. وكانت المحصلة النهائية أن سرت سارت على غير هدى.
وأطلت أزمة نشر القوات الدولية المختلطة أو الهجين في دارفور بوجهها البشع من جديد اثر التهديدات التي تتسرب طوراً من الأمم المتحدة وأطوارا أخرى من الولايات المتحدة والتي تتهم السودان بأنه غير جاد في نشر القوات الهجين.. ومما يفاقم الأزمة الحديث الذي أدلى به الفريق البشير لقناة «الجزيرة» والذي جاء فيه: «أنا أقسمت، وأوضح لك موقفنا، القوات على الأرض هي قوات افريقية والدعم الفني واللوجستي والمالي من الأمم المتحدة وان القيادة افريقية.. ومصرون إلى الآن على أن القوات الأفريقية على الأرض وهي (18) كتيبة مشاة وبعد ذلك يأتي خبراء وفنيون ومهندسون وطيارون وعمال إداريون.. قبلناها ولم نقبل قوات تحمل «بورى» الأمم المتحدة.. مما يعنى أن مشهد الأزمة لا يزال معقداً.
الأزمات المشار إليها تجعل السودان على متن سفينة جانحة ومثقوبة القاع تتجاذبها التيارات والأعاصير الهوجاء.. ومن فوقها تدلهم خطوب السحب الركامية الداكنة لا يدرى ربانها أين ترسو؟ وربما تغرق بمن فيها ومن عليها.. فلو كانت هناك درجة عالية من الشفافية والمساءلة والمشاركة في الحكم لما وصلنا إلى هذه المآلات المأساوية.. والمستنقع الآسن.. والمستقبل القاهر.
09/11/1428هـ