انقسام وجدل تركيان حول مسألة الحجاب

د. بشير موسى نافع

7- 2- 2008م

تصدرت الأخبار السارة صدر الصفحات الاقتصادية في صحف الأحد التركية من ارتفاع حجم الصادرات في كانون الأول (ديسمبر) من هذا العام بنسبة تصل إلى خمسين بالمئة عنها في الشهر نفسه من العام الماضي، إلى احتلال الشركات التركية 23 موقعاً بين أكبر 100 شركة في العام الإسلامي.

ولكن أنباء الازدهار الاقتصادي المتواصل منذ خمسة أعوام ترافقها مظاهر انقسام حاد في الرأي العام التركي لا تقل عن مظاهر الانقسام الذي شهدته تركيا حول رئاسة الجمهورية في الصيف الماضي، فجرتها هذه المرة مسألة حجاب الطالبات الجامعيات.

جدل لا أول له ولا آخر يصطف في خنادقه الكتاب والصحافيون، والسياسيون والأكاديميون الأتراك؛ منذ أعلن رئيس الوزراء الطيب رجب أردوغان عزمه اتخاذ خطوة تشريعية لوضع نهاية لقانون منع الطالبات التركيات اللواتي يرتدين غطاء الرأس (أو الحجاب كما هو شائع) من دخول الحرم الجامعي.

ليس ثمة كاتب عمود في الصحف التركية لم يدل بدلوه في هذا الجدل، حزب الشعب الجمهوري يهدد باللجوء إلى المحكمة العليا في حال إقرار البرلمان مشروع القانون الذي تقدم به حزب العدالة والتنمية الحاكم، ورؤساء الجامعات التركية الذين يتحكم في تعيينهم مجلس التعليم الأعلى ذو التوجه العلماني التقليدي؛ يهددون بمواجهة البرلمان والحكومة على السواء، ومظاهرات حاشدة تنظمها الجمعيات والأحزاب العلمانية في كافة مدن الجمهورية.

يعود قرار منع الطالبات المحجبات من دخول الحرم الجامعي إلى 1980م عندما لجأت حكومة كنعان إيفرين العسكرية إلى سلطة القانون لمواجهة ما يعرف في تركيا بـ"تآكل القيم العلمانية" في الحياة العامة، وقد تسبب القرار خلال ربع القرن الأخير في حرمان عشرات ألوف الفتيات من التعليم الجامعي، وهجرة آلاف أخريات إلى الخارج، بينما تجبر أعداد لا تحصى يومياً أمام بوابات الجامعات على نزع الحجاب ليعدن إلى ارتدائه بمجرد انتهاء اليوم الدراسي، ومغادرة الحرم الجامعي.

وبالرغم من أن قرار منع الحجاب ينطبق أيضاً على طالبات المدارس بكافة مراحلها، وعلى العاملات في القطاع الحكومي؛ فإن مشروع القانون المعروض على البرلمان يتعلق بالطالبات الجامعيات فقط، ربما للأثر السلبي البالغ لقرار المنع على التعليم الجامعي، أو لأن حكومة العدالة والتنمية لا ترغب في تقديم المبررات للدوائر التي تتهمها بالعمل على "أسلمة" التعليم التركي.

المهم أنه في حين وقف حزب العدالة والتنمية، وكتلته البرلمانية؛ منفرداً خلال شهور الصراع على منصب رئاسة الجمهورية (الذي تناول أيضاً حجاب زوجة المرشح للمنصب آنذاك عبد الله غول)؛ فإن الحكومة تجد سنداً هذه المرة من الحزب القومي وكتلته البرلمانية، مما سيجعل إقرار مشروع القانون أمراً مؤكداً.

وكما في الجدل حول الرئاسة لم تتوان قيادة الجيش عن الإعراب عن موقفها المعارض لمشروع القانون، ولكن معارضة الجيش لخطوة حكومة العدالة والتنمية هذه المرة كانت خافتة وطقوسية أكثر منها تعبيراً عن خلاف حاد مع أردوغان وحكومته، فقد مرت مياه كثيرة في نهر السياسة التركية منذ الصيف الماضي من الانتصار الانتخابي الكبير لحزب العدالة والتنمية، إلى نجاح غول في احتلال موقع رئاسة الجمهورية، وارتفاع معدلات شعبيته في أنحاء البلاد، وصولاً إلى المهارة الملموسة التي أدارت بها الحكومة قضية حزب العمال الكردستاني التي تحتل رأس أولويات الجيش وقيادته.

لم تغير قيادة المؤسسة العسكرية كثيراً من موقفها الداعي للحفاظ علي القيم العلمانية في تفسيرها التركي الفريد، ولكنها تبدو اليوم أقل قدرة على التدخل في الشأن السياسي، وأكثر رضى عن الطريقة التي تدير بها حكومة العدالة والتنمية شؤون البلاد الكبرى.

ينقسم جدل الحجاب التركي إلى محورين متعارضين تماماً: الأول وهو الذي تعبر عنه الدوائر العلمانية التقليدية، ويقول بأن الجمهورية التركية ارتضت منذ ولادتها أن تكون دولة علمانية، وأن الحجاب في صورته الحديثة يعكس موقفاً سياسياً وأيديولوجياً مناهضاً للعلمانية لا مطلباً دينياً، وأن موقف حكومة العدالة والتنمية من المسألة هو في جوهره تجسيد لنزعة إسلامية - سياسية مستترة في جسم الحزب الحاكم؛ تستهدف تحويل تركيا تدريجياً إلى دولة إسلامية.

وأما الثاني فهو ما تقول به دوائر ليبرالية ومحافظة على السواء بأن ليس للدولة التدخل في الشأن الشخصي للأفراد، أو أن الحجاب هو اختيار ديني بحت، وأن الخيارات الدينية للأفراد ليست من شأن الدولة، تماماً كما أن السياسات ليست من شأن الدين ومؤسساته.

على المستوي العقلاني المباشر يعود هذا الانقسام في جذوره إلى التفسير التركي الخاص للعلمانية، والخلاف القديم - الجديد حول هذا التفسير، إن كانت العلمانية في نسختها الأوروبية الغربية - بما في ذلك النموذج الفرنسي الأكثر راديكالية - قد ارتبطت بالحريات الليبرالية، والتوكيد على الكينونة الفردية الإنسانية في مواجهة المؤسسة الدينية، فإن النسخة التركية قد تجاهلت الحرية الفردية تماماً، أو جعلت منها قضية ثانوية.

وفي حين اتسمت العلمانية الأوروبية الغربية بنزعة براغماتية سيما بعد انتهاء حقبة الثورات الاجتماعية الكبرى؛ فإن العلمانية التركية حملت نزعة أيديولوجية صارمة، وإن دفعت العلمانية الأوروبية الغربية بتيارات اجتماعية كبرى تمثلت في صعود الطبقات الوسطى، فإن العلمانية التركية هي خيار نخبة صغيرة من المدنيين والعسكريين يربط بين التقدم والحضارة والقيم الغربية الحديثة.

المشكلة التي تستبطنها قضية الحجاب أن الجمهورية التركية تخضع منذ ولادتها قبل أكثر من ثمانين عاماً وحتى قبل سنوات قليلة لحكم النخبة العلمانية المدنية والعسكرية، وأن عودة هذه القضية إلى صدر الجدل التركي الثقافي والسياسي هي في حقيقتها مؤشر على إخفاق هذه النخبة في جعل تصورها للتقدم والحضارة مقبولاً من عموم الشعب التركي.

وتقف إلى جانب هذا الإخفاق الصورة البائسة التي ترسبت في الوعي التركي الجمعي لنخبتها الحاكمة؛ فما إن انتهت المرحلة التأسيسية للجمهورية التي هيمنت عليها شخصية مصطفى كمال، وخطاب الوجود والبقاء القوميين؛ حتى أخذت النخبة الحاكمة في التحلل، أصبحت توجهات التقدم والحضارة مجرد تقليد أعمى لمظاهر الحياة وأنماط السلوك الأوروبية، دون أن يصاحبها إنجازات ملموسة على صعيد الرفاه والإنتاج والتنمية، بينما استشرى الفساد في أوساط الدولة والحكم، وتصرفت النخبة الحاكمة وكأن تركيا ميراث خاص لها.

والمدهش كان الانكشاف السافر في خطاب هذه النخبة، فمنذ قيام الجمهورية والنخبة الحاكمة تدعي احتكار خطاب التقدم والتغيير، ولكن ما إن واجهت هذه النخبة تحدياً جاداً وملموساً حتى ظهرت في ثوب بالغ المحافظة.

في تبرير موقفها من الحجاب والتوكيد على أن خصومتها مع الإسلام السياسي لا المعتقدات الدينية؛ تقول الدوائر العلمانية: إن المنع هو للحجاب الحديث الذي يرمز لأيديولوجيا سياسية، وليس لغطاء الرأس التقليدي للمرأة التركية، وهو تبرير يستبطن في ثناياه رفضاً غير مبرر لحق المرأة التركية الحديثة في ابتكار أنماط حديثة لغطاء الرأس التقليدي.

بيد أن ثمة مستوى آخر للنظر في هذا الجدل، مستوى يتعلق بطبيعة الدولة والاجتماع السياسي في تركيا الجمهورية، مؤسسة الدولة الحديثة هي بطبيعتها مؤسسة متعالية، ولكن الدولة التركية الحديثة هي الأكثر تعالياً بين الدول التي نشأت في مطلع القرن العشرين، السبب خلف هذا التعالي ليس سراً؛ فقد ولدت الجمهورية على يد مجموعة أصدرت حكماً قاطعاً على الماضي العثماني، وعلى المجتمع الذي ورثته من ذلك الماضي.

ولكن بخلاف الثورتين الفرنسية والشيوعية لم تكن الجمهورية نتاج ثورة شعبية؛ بمعنى أنها افتقدت التيار والقاعدة الجماهيرية، قوة مصطفي كمال وشرعيته ارتكزتا إلى الانتصارات التي حققها في حرب الاستقلال، ونجاحه الكبير في الحفاظ على ما تبقي من الدولة العثمانية موحداً وحراً من السيطرة الأجنبية، في وقت كان معظم الجوار قد خضع للاحتلال الإمبريالي.

ولكن الأتراك الذين وقفوا مع مصطفي كمال وخلف قيادته بما في ذلك قطاع كبير من رفاق السلاح في سنوات حرب الاستقلال؛ لم يجمعهم اتفاق ما على تصور سياسي - اجتماعي واحد للدولة الجديدة، بل إن أكثرهم لم يتصور حتى في لحظات الخيال الجامح أن حرب الاستقلال ستنتهي بتركيا العثمانية إلى ما انتهت إليه.

ولذا فعندما أطلق مصطفي كمال مشروع القطيعة الثوري مع الميراث العثماني لم يجد تأييداً ملموساً من الشعب التركي، بينما اضطر إلى التخلي عن عدد من أبرز رفاق حرب الاستقلال ممن عارضوا الإجراءات التي اتخذها، مشروع التغيير الانقلابي المشروع التأسيسي للجمهورية التركية كان بطبيعته مشروعاً فوقياً، قادته ونفذته وفرضته مؤسسة الدولة بقوة أدوات السيطرة والتحكم، والقهر المتاحة للدولة الحديثة.

ما نجم عن علاقة الدولة المتعالية بشعبها كان الطابع غير الإجماعي لأغلب القرارات والسياسات الكبرى التي تعهدتها الجمهورية؛ بمعنى أن هذه القرارات والسياسات مثلت وجهة نظر قطاع اجتماعي محدود، وواجهت مقاومة أو أثارت جدلاً وانقساماً حادين، والحقيقة أن مثل هذه القرارات وضعت في نصوص دستورية أو قانونية، وحملت بالتالي قوة التشريع الدستوري والقانوني، وفرضت بسلطة الدولة.

في العدد الأكبر من العلمانيات الغربية ليس ثمة قوانين تفرض على الشعب نمطاً معيناً من اللباس، ولكن مثل هذه القوانين كانت (ولم تزل) أمراً تقليدياً في سلوك الجمهورية التركية منذ ثلاثينات القرن العشرين، ما يترك في بلاد أخرى للعرف والثقافة ومتغيرات الذوق والقيم الاجتماعية هو في تركيا من صميم اختصاص الدستور أو القانون الجنائي، وهو ما جعل الدولة التركية واحدة من أكثر الدول الحديثة نزوعاً للتدخل في حياة الفرد والجماعات والمجتمع ككل.

وفوق ذلك كله ففي حين يفترض النظام العلماني انفصالاً لمجال الدين عن مجال السياسة، واستقلال كل منهما عن الآخر، فقد عملت الدولة التركية على السيطرة المطلقة والشاملة علي مجال الدين، والدين الإسلامي على وجه الخصوص، بل إن ميزانية دائرة الشؤون الدينية التي تتبع رئاسة الوزراء مباشرة هي ثاني أكبر ميزانيات مؤسسات الدولة بعد ميزانية الدفاع، ليس بهدف وضع الدائرة كلية تحت سيطرة الدولة وحسب؛ بل أيضاً لتحويل الدين إلى أداة إضافية في يد الدولة.

قد يعود بعض من الجدل والانقسام التركيين حول مسألة الحجاب إلى التدافع الذي شاع مؤخراً في المجتمعات الإسلامية بين التيار العلماني والتيار الإسلامي السياسي، ولكنه في جوهره صراع المجتمع ضد دولة تدخلية، وتدخلية إلى حد غير مسبوق في التاريخ الحديث.

http://www.alasr.ws:المصدر