أورشليم أولاً .. فصول النهاية المقدسية

أنور العسيري

5/2/1429هـ الموافق له11/02/2008م

لا تكاد تلتقي في كل مرة بهؤلاء الرجال أحدهما أو كلاهما إلا وجدت الأقصى يرسم ملامحه على تعابير الوجوه، وعلى مخارج الحروف، وعلى تأوهات الألم، يستنفرك استنفارهم الدائم، بلغوا ما بلغوا من السنّ، الحياة كلها صرفت رخيصة لنصرة الأقصى، وأي عمل أعظم من هكذا جهاد في ظرف تاريخي كالذي نَمُرّ به، حيل بين الأمة وأقصاها، وتخلت الدول عن حق المطالبة الشفهية بالحفاظ على ما تبقى من مسجد الأنبياء ومسرى النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وذاكرة التاريخ المعبأ بالبطولات، والمُضَمَّخ بدماء الشهداء، التي تَلْمحها في كل حبة تراب، وكل حجر يتوسّد حجراً يغطي به شموخ الأقصى الأبَيّ.

شرفني الشيخان رائد صلاح وكمال الخطيب - حفظهما الله - بزيارة قبل أيام، ومنذ الوهلة الأولى للقاء تستشعر أنك أمام رجال عظماء همهم الدائم والدؤوب أقصانا وأقصاهم، نتداول أطراف الحديث بعيداً فيعيدونا إلى حيث الأقصى، ننثر ضحكة تبحر بنا قليلاً عن عمق المأساة فيسترجع الأقصى من لغتهم حضوره الشامخ، أفكارهم، مشاريعهم، مقترحاتهم، خطاباتهم، جهادهم، آلاف مشاريع التهويد، وآلاف مشاريع التصدي، الحياة حافلة بالجهاد في سبيل الله، وآخر ما استوقف الشيخ وإخوانه مما اطلعت عليه وجاب الشيخ من أجله أبواب الكثير من المسئولين الرسميين، وأرسل خطابات رسمية ووثائق خطيرة إلى الملوك والرؤساء في كثير من الدول؛ هو تسرب خطة السِّتّ سنوات التي قام مجاهدو الأقصى وحماة عرينه بترجمتها من اللغة العبرية نصاً حرفياً ليفاجأ الجميع بحجم الخطر، ولتتوقف ضربات قلب كل حي أمام هول الإرادة الصهيونية في إسقاط آخر ما تبقى من الأقصى الحبيب في ظلّ تغييب إعلام الترفيه والترف العربي للجدية في حياة الجيل المسلم المعاصر.

مذكرة إسرائيلية صهيونية كشفها حماة الأقصى لخطة مدّتها ستّ سنوات وعنوانها: (قيديم يروشلايم) وهي كلمة عبرية تعني: (أورشليم أولاً).

هذه المذكرة تتحدث عن خطة مفصلة لتهويد القدس، والسيطرة على المسجد الأقصى تحت شعار براق خادع هو تطوير السياحة في القدس، وتعد المذكرة دقيقة في طرح الميزانيات المحددة للمشاريع، ونوعية المشاريع، وما قد وُفّر بالضبط وفق خرائط هندسية بالغة الدقة، وقد وُزّعت لجميع التجمعات اليهودية في العالم لجمع التبرعات.

وأبرز أوجه الاعتداءات التي حملتها هذه المذكرة السرية الصهيونية:

• العمل على إزالة كل طريق المغاربة، وإقامة جسر بديل بمواصفات خاصة تمكن الجرافات والشاحنات والسيارات العسكرية من المرور عليها، واقتحام المسجد الأقصى.

• فتح باب خارجي يوصل إلى المصلى المرواني بهدف تحويله إلى كنيس يهودي.

• إقامة كنيس يهودي على حساب أحد أبنية المسجد الأقصى، وهو بناء معروف باسم المدرسة التنكزية.

• حفر نفق يمتدّ تحت المصلى المرواني، ويتجه إلى داخل المسجد الأقصى.

• حفر نفق تحت المسجد الأقصى يبدأ من المحيط الغربي للمسجد الأقصى، ويتجه إلى داخل المسجد الأقصى، وهو إيذان باقتحام صهيوني عسكري للمسجد الأقصى.

• تحويل جزء كبير من مقبرة الرحمة إلى محطة لسلات هوائية.

• مواصلة السعي إلى إقامة الهيكل بين قبة الصخرة والمسجد الأقصى.

والخطورة الحقيقية هي في تحالف أصحاب هذه المؤامرة الخبيثة من كنيست وحكومة ويهود العالم، فلم تعد المسألة أحلام مهووسين صهاينة بقدر ما هو تحالف رسمي وشعبي بدأ فعلياً، وقد أفادت آخر المعلومات بتوفر كامل الميزانية المطلوبة والتي بلغت أربعمئة مليون دولار، وكلها تمت بضخّ شعبي وتداعي يهودي عالمي، وبمساندة حكومية، وغطاء رسمي، وبشكل سري غير معلن حتى اللحظة!!

الصهاينة يختلفون معارضة وحكومة في السياسة اللازمة لإدارة شؤون كيانهم الغاصب، وفي قضاياهم المصيرية الكبرى يجتمعون ويخططون وينفذون، ونحن لا نكاد نسمع صوتاً معارضاً يرنو إلى الدخول من بوابة الإصلاح إلا وحاصرناه وسجناه وغلقنا عليه الأبواب، وفي قضايانا الكبرى نرتهن لعدونا دوماً، وتكون قرارات الأمة المصيرية بيد رجل لا بيد أمة، القرار عندهم صناعة تمرّ بمراحل إنتاج، وعندنا في أمة الإسلام، وفي زمن الاستضعاف؛ مجرد رأي رآه صاحبه فوجب تنفيذه، هذه المذكرة التي بينت حقيقة التعاطي داخل المؤسسة الصهيونية العالمية، وخطر ما يحاك ضدنا يجعلني أتساءل بحرقة ألمسها في قصيدة الأخ الكريم الشاعر الشيخ عبد الغني التميمي:

إذا نسفت معالمنا ولم تغضب

إذا قتلت شهامتنا

إذا ديست كرامتنا

إذا قامت قيامتنا ولم تغضب

فأخبرني متى تغضب؟

إذا نهبت مواردنا, إذا نكبت معاهدنا

إذا هدمت مساجدنا، وظل المسجد الأقصى

وظلت قدسنا تغصب.. ولم تغضب!!

فأخبرني متى تغضب؟

هل تكون هذه المذكرة التي حذر منها الشيخ رائد صلاح، وانبرى بقلمه يخاطب الملوك والرؤساء، والوزراء والعلماء بشأنها، مذكرة النهاية التي تخفي عن كاميرات المصورين صورة الأقصى الكبير، أم أن للمسلمين كل المسلمين رأي آخر؛ يستنفرون فيه قوتهم، ويعيدون فيه لحمتهم، ويقاتلون فيه عدوهم، ويدعمون فيه مجاهديهم، ويغيثون فيه ملهوفهم، ويطردون به ذيل أمريكا في المنطقة؟

لا مناص أمامنا استكمالاً لجهاد أهلنا في الداخل إلا أن نكون صوت رائد صلاح وكمال الخطيب وصوت كل حماة الأقصى الشرفاء، ولنكن إعلامهم المكتوب، والمسموع والمرئي، وليحاول كلّ منا إيصال القضية بأي وسيلة يتمكّن منها حتى نكون ممن يرجى أن يشملهم حديث ميمونة مولاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس؟ فقال: (أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه فإن صلاة فيه كألف صلاة في غيره، قلت: أرأيت إن لم أستطع أن أتحمل إليه؟ قال: فتهدي له زيتاً يسرج فيه؛ فمن فعل ذلك فهو كمن أتاه).

فلعلّ هذا الزيت أن يكون عملاً خالصاً لوجه الله يسهم في استنقاذه، وفكّ أسره من قيد المحتلّ، لعله كلمة أو حرف أو صوت أو نقل رسالة أو مال يدفعه الفقراء والأغنياء على حد سواء؛ لترميم ما تهدم؛ ولشراء العقارات المقدسية التي يتخطفها الصهاينة مرة بقوانينهم الجائرة، ومرة بالتضييق المرّ على أهلنا في بيت المقدس، وفي كل يوم يبتكر لوناً جديداً من ألوان المعاناة لأهلنا هناك.

(أورشليم أولاً) ومحاولات كتابة فصول النهاية المقدسية ومحو آخر ما تبقى من المسجد الأقصى ومعالمه التاريخية سيفشل كمشروع إن وجد إعلاماً قوياً، وتكتلاً شعبياً مقاوماً، وهبة إسلامية فاعلة، ونهوضاً سياسياً جريئاً، وأول الغيث في النصر - بإذن الله - يأتي من أقلام القراء، ومن أصوات المتحدثين، ومن رواد الإنترنت الذين يتقنون صنعته في إيصال هذه الرسائل إلى الملايين، ومن كتاب الصحف، ومن مرتادي الفضائيات، على الأمة أن تقوم بدورها ولا مجال للتردد.

http://www.islamtoday.net:المصدر