من ينقذ ماري من مستنقع الإلحاد (3)
11 صفر 1429هـ الموافق له 18- 2- 2008م
إخوتي أخواتي هلم بنا نواصل المسير، فقد استرحنا كثيراً، وحان الوقت لاستكمال ما بدأناه في الحديث عن أحوال إخواننا المسلمين في عمق القارة الآسيوية، وبين الثلوج المتساقطة، لنرى هل أذاب دفء الإسلام صقيع الإلحاد أم...؟.
هيا بنا الآن نستأنف السير حيث سنقف في هذه الحلقة على ما تعانيه ماري وهي غارقة بين أوحال الإلحاد البغيض، لنرى كم يعاني المسلمون هناك من ضعف الرابطة الدينية بينهم وتفرقهم, وذلك بسبب العزلة الطويلة التي فرضت عليهم إبان الحكم الشيوعي، كما أنهم يعانون جميعاً من الفقر والعوز، وسوء الحالة الاقتصادية بالرغم من أن ديارهم ذات خصوبة زراعية عالية، وتجري في معظمها الأنهار، وتختزن أراضيها ثروات معدنية كثيرة، لكن سوء الإدارة والإهمال الحكومي, والنظام الشمولي أيام الشيوعيين؛ كلها عوامل أدت إلى زيادة الفقر، وانتشار الاتكالية، وقلة الإنتاج.
والمسلمون في جمهوريات روسيا الاتحادية عموما،ً وفي ماري أيضاً؛ ليسوا مهاجرين كما هو الحال في الغرب، بل هم أصحاب الأرض الحقيقيين التي يحتلها الروس منذ قرون طويلة، ومع ذلك يعاني المسلمون أيضاً من الجهل الكبير بأحكام الشريعة الإسلامية إلا الشهادتين, وبعضهم لا يجيد نطقها بشكل صحيح، وربما لا يدرك معناها، وهذا كله نتيجة التعتيم الكبير الذي فرضه عليهم الملاحدة، ونتيجة لمنعهم من تأدية شعائرهم الدينية، وهدم مساجدهم ومدارسهم؛ حتى أنهم أجبروا على تغيير أسمائهم الإسلامية بأسماء روسية.
بل وكثيراً ما يقوم التلفزيون الروسي - والذي يبث إرساله في غالب الجمهوريات الإسلامية ومنها ماري - بعرض تقارير عن التنظيمات النازية الإرهابية الموجودة بالبلاد، والتي تحرض الشباب على قتل المسلمين والأجانب، وطردهم من البلاد رافعين شعارات: "روسيا للروس"، " فلنطهر روسيا من السود" في إشارة إلى المسلمين, وتصور هذه التنظيمات أعمال القتل والإرهاب على أنها أعمال وطنية، ودفاع عن الوطن في أرقى صوره قولاً وفعلاً بحسب زعمهم وبهتانهم.
وما القتل الوحشي الهمجي الذي يُقصد به ترويع الأبرياء الذي يرتكبه النازيون الجدد بالمسلمين وغيرهم من الأجانب في روسيا إلا الإرهاب الحقيقي في أبشع صوره، لكنهم هناك يطلقون عليه مسميات أخرى: "أعمال شغب"، "شغب الأحداث" إلى آخره من المسميات التي تخفي تحته الأفعى سمها.
وقد ذكرت بعض الصحف الرسمية أن هؤلاء الشباب والفتيات النازيين يُدربون في قواعد عسكرية روسية، وفي السنوات الست الأخيرة ازدادت معدلات الجرائم العنصرية ومعاداة الأجانب، كما ارتفعت حصيلة الهجمات ضد المسلمين، ومعظمهم من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق في آسيا الوسطى والقوقاز، وأقليات عرقية أخرى كالعرب، والأفغان، والأفارقة.
ولم تتوقف الاعتداءات على المسلمين الأحياء ودور عبادتهم، بل طالت الأموات منهم، فكثيراً ما يتم نبش قبور المسلمين في روسيا، ومنها على سبيل المثال نبش 27 قبراً لمسلمين في مدينة "إيشكور كالا" عاصمة جمهورية "ماري أل" بوسط روسيا ذات الأغلبية المسيحية.
وفي الوقت الذي تؤسس فيه منظمات وهيئات دولية لمكافحة الإرهاب والتطرف؛ لا نجد من يدين أو يشجب أعمال الإرهاب الجارية بحق المسلمين والأجانب في ماري إل بروسيا الاتحادية، وقد أصبحت الجرائم ذات الطابع العنصري ترتكب بوتيرة تصاعدية في المدن الروسية عامة بصورة يومية تؤرق المسلمين والأجانب، بل وحتى القوقازيين - الذين يقبعون تحت وطأة الاحتلال الروسي، وتعتبرهم التنظيمات والأحزاب العنصرية الإرهابية أجانب -.
وفي المقابل فإن الحكومة الروسية التي تنظر للمسلمين في كافة الجمهوريات الإسلامية كموالين للشيشان، ولا تفعل شيئاً حيال اعتداءات النازيين المتكررة ضدهم، بل تصفهم بالأحداث الذين لا يمكن معاقبتهم، والأدهى من ذلك تبني بعض السياسيين الروس علانية بعض الشعارات النازية مثل النائب في مجلس الدوما "سيرجي بابورين" الذي قال لقناة (NTV) الروسية: المشكلة الحقيقية تكمن في الاعتداءات التي يرتكبها أجانب "قاصداً بذلك المسلمين" ضد المواطنين الروس، وليس العكس.
ولقد تزايدت موجة الاعتداءات التي تطال المسلمين والمساجد، ورجال الدين الإسلامي نتيجة للربط المطرد بين الإسلام والإرهاب، فكثيراً ما تقوم وسائل الإعلام الروسية بنشر تهم باطلة وملفقة حول الإسلام، وكلما ترددت كلمة "الإسلام" في خبر أو تقرير ما يتم ربطه مباشرة بالإرهاب والتطرف، كما أنها تستخدم صفة إسلامي بدلاً من إرهابي.
ومن العجب أن روسيا الاتحادية وريثة "الاتحاد السوفييتي السابق"، نصيرة قضايانا العربية كما أوهمنا بذلك؛ مختلفة تماماً عن الحقيقة المرة التي يعاينها من يكتب عليه العيش فيها، أو زيارتها لمطالعة الأوضاع علي حقيقتها دون زيف، والروس الذين يظهرون عبر الشاشات العربية، ويتحدثون بالفصحى، ويبدون دعمهم للعرب والمسلمين في مواجهة الهيمنة الأمريكية؛ مختلفون تماماً عن الروس الموجودين في الشوارع والمدن الروسية بما فيها ماري الضعيفة الواقعة تحت أنياب أفعى الإلحاد.
فهناك دائماً نظرة كره وبغض للمسلمين من أهل البلاد، وكذلك للأجانب في أعين الكثيرين, ومن مظاهر هذا البغض (التهكم والاستهزاء بالمسلمين، ومضايقة المسلمات المحجبات حتى الروسيات منهن في الشوارع والأماكن العامة) فقد تعرضت إحدى المحجبات هناك منذ فترة ليست بالبعيدة لعملية تفتيش واسعة في أحد القطارات للاشتباه أنها إرهابية، وأخرى عندما دخلت إلى عربة لمترو الأنفاق؛ هرع الركاب للخروج من العربة خوفاً من حدوث عمل إرهابي، وثالثة تعرضت للضرب المبرح على أيدي النازيين على مقربة من منزلها أمام أعين المارة دون أن يسعفها أحد، ورابعة تعرضت للضرب في مترو الأنفاق ظناً من النازيين أنها عربية، وحدث ذلك على مقربة من رجال الشرطة دون أي نجدة.
وطبعاً لم تسلم المرأة في ماري كمثيلاتها في سائر الجمهوريات الإسلامية من الاعتداء عليها بالتركيز على حجابها، وتصويره على أنه لباس الإرهابيات المتطرفات, فمثلاً يطلق الروس على المرأة المحجبة كلمة "شهيدكا" وهي كلمة مشتقة من العربية شهيدة، لكن "شهيدكا" في الروسية تعني إرهابية.
كما أن بعض الصحف الروسية الشهيرة - والتي تنتشر في ماري أل حيث موقعها في قلب روسيا - عملت منذ 2001م على نشر مشاعر الكراهية ضد الإسلام والمسلمين؛ ومنها صحيفة "إيزفيستيا" الشهيرة التي نشرت عدة مقالات هجومية ضد المسلمين منها: "حرب البربر ضد المدنيين"، "حرب الفقراء ضد الأغنياء"، "الحرب ضد المسيح".
ولم يسلم كذلك رجال الدين من بطش الإلحاد حيث تعرضوا للتشتيت والتنكيل، ومحاولات متكررة لاغتيال الكثير منهم, وكما فعل بالنساء و رجال الدين كذلك تعرض الشباب وكذلك الأطفال الأبرياء للاعتداء.
وكما لم يسلم الإنسان المسلم في ماري كذلك لم تسلم المباني، وطبعاً على رأسها المساجد التي تعرضت للهدم والحرق والتدمير حتى لم يبق على مستوى الجمهوريات الإسلامية كافة سوى 4000 مسجد، تخيل كم يخص ماري منها!.
ومما يدعو للحزن والأسى - وليس العجب طبعاً حيث أن هناك الكثير الذي يدعو ليس للعجب فقط بل للذهول مما يتعرض له الإسلام في ماري ممثلاً في شخص مسلميها - وهو أنه لم تصدر في العهد السوفيتي سوى طبعة واحدة من المصحف الشريف وذلك في عام 1969م، ولكنها طبعت بأعداد قليلة، ووزعت على عدد محدود جداً من المسلمين، وكان المصحف يعتبر شيئاً نادراً في روسيا، حتى إن الحصول على ورقة واحدة منه يتضمن مجموعة من الآيات الكريمة يمثل حدثاً هاماً.
حسبنا الآن حتى نفيق من العجب لنستطيع استيعاب بقية الموضوع في الحلقة القادمة إن أحيانا الله - سبحانه وتعالى -.