ورطة سوريا!

جمال سلطان

17- 2- 2008م

بعد مرور أقل من ساعة على إعلان مقتل عماد مغنية أعلن تنظيم حزب الله أن الموساد اغتال القيادي البارز به في أحد شوارع العاصمة السورية، لم يكن الأمر تعليقاً صحفياً، أو رأياً لكاتب له اجتهاده، وإنما البيان الرسمي الصادر عن الحزب، وهذا غريب جداً لأن الحزب لو كان يملك السي آي إيه نفسها لم يكن ليستطيع معرفة مرتكب الجريمة بعد أقل من ساعة واحدة، خاصة وأن السلطات السورية التي تحتفظ بكامل متعلقات العملية وآثارها والسيادة على التحقيقات لم تعلن اتهاماً صريحاً لأحد حتى الآن بعد أيام وليس بعد ساعة، فمن أين تأكد حزب الله أن الموساد هو من ارتكب العملية، إلا إذا كان يعرف مسبقاً بترتيبات الاغتيال وفق حسبة سياسية ثلاثية، وتم الاتفاق على ترتيبات التستر على الجهة الفاعلة، شخصياً أستبعد هذه الفرضية، ولكن سلوك حزب الله كان يمثل متاجرة سياسية صريحة وفجة بواقعة الاغتيال.

غير أن المثير حقاً في توابع الحدث هو مشهد العزاء الكبير الذي أقامه حزب الله، وحضره وزير الخارجية الإيراني "منو شهر متقي"، والذي ألقى فيه كلمة رئيس الجمهورية الإيرانية في رثاء عماد مغنية، وهو سلوك مدهش جداً يصل إلى حد الوقاحة السياسية، لأن الرئيس الإيراني لم يكتب خطبة رثاء في مقتل رئيس وزراء الدولة اللبنانية نفسه رفيق الحريري عقب اغتياله، أو أي نائب أو وزير في الدولة تم اغتياله، ثم هو يأتي ليلقي كلمة عزاء في مسؤول عسكري في حزب شيعي لبناني معروف عنه الولاء لإيران، لا هو وزير في الدولة، ولا هو نائب برلماني، ولا تعرف له أي صلة رسمية، هذا يعني أن إيران تتعامل مع حزب الله باعتباره جزءاً من الدولة الإيرانية وليس الدولة اللبنانية، وبالتالي فرئيس الدولة الإيرانية يرثي أحد رعاياه.

والواقعة تفتح من جديد ملف التغلغل الإيراني في المنطقة العربية، وتحويل بعض الأحزاب الشيعية فيها إلى جيوب إيرانية في المنطقة العربية، يتم تحريكها وتفعيلها وقت الطلب، والميزانيات الإيرانية العسكرية والمالية مفتوحة على مصراعيها، رغم معاناة الشعب الإيراني نفسه الآن، ولا يوجد تمرد مسلح أو حركة لها طابع مسلح شيعي في العالم العربي إلا وتمويلها وسلاحها قادم من إيران، ليس هذا في العراق وحده وإنما في تنظيم حزب الله اللبناني الذي يملك مؤسسات اقتصادية وتعليمية، وطبية ورياضية، وإعلامية وثقافية، وسياسية وعسكرية؛ لها ميزانيات أفضل من دول إفريقية بكاملها بفضل دعم إيران الدولة النفطية الكبيرة، وفي تمرد بدر الدين الحوثي في اليمن كانت الاتهامات الرسمية صريحة بالدعم الإيراني مالاً وسلاحاً.

وبالعودة إلى ملف اغتيال عماد مغنية في دمشق فقد أعلن الإيرانيون في بيان رسمي، وبصورة لا تحمل أي لبس؛ أنهم يشرفون على التحقيقات التي تجرى في دمشق مع الجانب السوري لمعرفة مرتكبي الحادث، وبعد إعلان الفضيحة بساعة أو أكثر قليلاً أصدر السوريون بياناً عاجلاً ينفي فيه أن تكون هناك أي جهة أجنبية تشارك في التحقيقات، وأنهم سوف يعلنون النتائج عما قريب، ولا أدري أي نتائج طالما أن حزب الله حقق وحدد المتهم وانتهى الأمر!

ولا أتصور أبداً أن الإيرانيين أعلنوا مشاركتهم في التحقيقات دجلاً أو سوقاً لأكاذيب، أو لإحراج حليفتهم الرئيسية في العالم العربي سوريا، وبالتالي فلنا أن نصدق تماماً البيان الإيراني، ونتجاهل النفي السوري، ومرة أخرى يثبت الإيرانيون أنهم أصبحوا يديرون دولاً عربية بالكامل، ويتحكمون في قرارها السياسي والأمني وحتى العسكري.

بالاتفاق مع "المصريون"

http://www.alasr.ws:المصدر