احتراق الدبلوماسية الفرنسية في لبنان!
حسام الدين مصطفى
25/11/1428هـ الموافق له 5/12/2007م
"نحن لسنا ممرضات بلغاريات" بهذه الكلمات أشار زعيم الأقلية الدرزية "وليد جنبلاط " إلى السياسة الفرنسية تجاه الانتخابات الرئاسية في لبنان، وقال أمام مجموعة من مقربيه في قوى الرابع عشر من آذار: "إن الرئيس الفرنسي يحاول وضع بصمة له في لبنان مثلما في ليبيا بعيد إطلاق سراح الممرضات البلغاريات".
في هذا الإطار تقول صحيفة "ليبراسيون" الفرنسية: فبينما كان وزير الخارجية "برنارد كوشنير" في العاصمة اللبنانية من 18 - 22 نوفمبر يبحث سبل الخروج من الأزمة التي تركت لبنان حتى اليوم بلا رئيس؛ إذ بالرئيس الفرنسي يرسل مبعوثين إلى دمشق هما "ديفيد لفيت"، و"كلود جيان" لمطالبة الرئيس السوري بشار الأسد بحث حلفائه اللبنانيين - وخاصة زعيم حزب الله حسن نصر الله ورئيس البرلمان "نبيه بري"، والجنرال "ميشال عون" - على عدم تعريض العملية الانتخابية في لبنان للخطر.
وإذا كانت مثل هذه المبادرات لا تجدي نفعاً مع بلد مثل سوريا؛ فإن اللبنانيين وخاصة قوى الرابع عشر من آذار قد ساءتهم التدخلات الخارجية، ودور"الهواة" الذي تلعبه باريس، خاصة وأن الرئيس الفرنسي نفسه قد تاه في دوامة النظام السوري الذي أبدى ارتياحاً لعدم تقديم أي نوع من التنازلات، بل وأهان فرنسا في لبنان، مشدداً في الوقت ذاته على أن الدور الفرنسي لا مفر منه.
بدون عصا أو حتى جزرة!:
وهكذا باتت فرنسا "قوة متوسطة الحجم" لا تملك من الأوراق سوى الإغراءات، أو التهديدات من أجل إنجاح مبادرتها، فهي تفتقر إلى الجزرة كما إلى العصا لفرض نفسها مثلما تفعل الولايات المتحدة، وقد فات الإدارة الفرنسية في هذا الشأن أن دمشق بارعة في التفاوض، وهي ليست في عجلة أبداً، بل إنها تفضل المراوغة أقصى ما يمكنها.
ومن المرجح أيضاً أن يكون الفرنسيون أنفسهم قد أدركوا متأخراً أن دمشق لم يكن يعنيها من التفاوض معهم سوى فتح الباب الأميركي أمامها، خاصة وأن دمشق تدرك جيداً أن أمريكا هي التي تملك الجزرة سواء كان في لبنان، أو في الجولان، أو في أي مكان آخر؛ كما أن أمريكا هي التي كانت تملك العصا حين أخرجت الجيش السوري من لبنان عام 2005م.
المبادرة الفرنسية تم انتقادها بشدة من قبل حكومة بيروت التي اشتكت عدم إبلاغها بأي زيارات إلى دمشق، ويبدو أن "برنارد كوشنير" نفسه لم يكن على علم بهذه الزيارة، من هنا أتى شعور الاستياء لدى الأغلبية البرلمانية اللبنانية، والتي من المفترض أن تساندها فرنسا.
ويقول "سمير فرنجية" أحد أقطاب قوى 14 آذار: "إن فرنسا لم تحصل على شيء من سوريا، ولم تأخذ منها أي ضمانات بشأن الانتخابات الرئاسية، ولكنها خلطت الأوراق في لبنان، فالمبادرة الفرنسية كانت مختلفة في البداية عما آلت إليه الآن".
أما رئيس تحرير صحيفة "ديلي ستار" اللبنانية "ميشال يانج فيرى" فيؤكد: "أن عرض المبعوثين الفرنسيين ووزير الخارجية برنارد كوشنير على سوريا تطبيع العلاقات بين باريس ودمشق في مقابل تعاون دمشق في الانتخابات الرئاسية اللبنانية قد أفسد كل شيء، وخرجت الدبلوماسية الفرنسية من اللعبة اللبنانية "محترقة"، وهو ما سيجعل الرئيس الفرنسي "ساركوزي" يفكر أكثر من مرة قبل أن يثق في الرئيس السوري بشار الأسد مستقبلاً.
البعد الآخر:
ويتابع "فرنجية": "ثمة بعد آخر للسياسة الفرنسية وهو انتزاع دمشق من حليفتها إيران، وهو عكس السياسة التي كان يتبناها الرئيس السابق جاك شيراك، فالخيار الأوروبي الآن يميل إلى استعادة سوريا من إيران، أو بمعنى آخر "فك المحور السوري الإيراني" من أجل عزل نظام الجمهورية الإسلامية، وإعادة دمج سوريا في إطار البلدان العربية المعتدلة التي تخشي النفوذ الإيراني في المنطقة خاصة مع تطور برنامجها النووي، ولعل هذا كان رهان الرئيس الأمريكي "جورج بوش" في ذهاب سوريا إلى مؤتمر أنابوليس للسلام الذي عقد في 27 من نوفمبر الماضي.
من جانبه يرى النائب "إلياس عطا الله" أنه ثمة تغير في السياسة الفرنسية وحتى الأمريكية، والتي بدأت تحدد أولوياتها، لكن خبرتنا الخاصة تؤكد بأنه في كل مرة تحاول بلدان صديقة للبنان الانفتاح على سوريا فإن هذه المحاولات غالباً ما ينتج عنه آثاراً سلبية للبنان، لأن العلاقات السورية الإيرانية قوية جداً وعميقة، حيث يرجع التحالف بينهم إلى عام 1982م، وساذج من يعتقد أنه يستطيع تغيير الدور السوري، فإيران وسوريا نجحتا في تنظيم الاختلافات بينهم.
ويضيف "عطا الله": لا يمكن أن نطلب من السوريين أن يغيروا من مواقفهم؛ فالطريقة الوحيدة هي إجبارهم، والتحدث إليهم بطريقة أخرى، لأن هذا النظام قوى بشكل لا يسمح لأي ضغوط أن تفضي معه إلى نتيجة، وربما كانت الضغوط التي تمارس عليه ليست قوية بشكل كاف، والواقع الآن أن البلاد الأوروبية والعربية والولايات المتحدة قد أعطوا فرنسا ضوءاً اخضراً في الملف اللبناني، لكن للأسف لم نشعر بأي ثقل لفرنسا في هذا الدور.
ويري المراقبون اللبنانيون أن السيناريو الحالي في لبنان يشبه سيناريو انتخاب رئيس البلاد في العام 1988م، عندما وقع مساعد وزير الخارجية الأمريكي "ريتشارد مورفي" في فخ دمشق، وكانت النتيجة سنوات عديدة من الفوضى ما زال لبنان يعاني آثارها حتى الآن، ولكن هذه المرة فإن وزير الخارجية الفرنسي قد وعد بفضح المسئولين عنها.
وأياً كان الأمر فإن فشل الدبلوماسية الفرنسية في لبنان سيؤثر حتماً على مشروعها المتوسطي، وسيؤدي إلى تراجع اعتبارها لدى دول المنطقة المؤيدة لمبادرتها، كما أن الولايات المتحدة ستعيد الإمساك بالملف اللبناني وفق سياستها التقليدية والقائمة على أقصى دعم لقوى الأكثرية وخياراتها.