الأزمة الفلسطينية وحبكات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
دأبت الحكومات الأمريكية المتعاقبة على وضع تصورات سياسية بعينها في تعاملها مع الشرق الأوسط تعتمد على ضرورة وضع الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة في جبهة واحدة مع "إسرائيل" في مواجهة عدو واحد يمثل تهديدًا عالميًا، وهي الاستراتيجية التي أثبت إخفاقها على مر العصور ولم تفلح حتى الآن في إيجاد حل عادل للأزمة الفلسطينية التي تتفاقم يومًا بعد يوم.
وحول هذا الشأن، اعتبر الصحافي والمحلل السياسي، "ليون هادار"، الذي عمل سابقًا مديرًا لمكتب صحيفة "جيروزاليم بوست" الصهيونية بالأمم المتحدة، أن ما سعت إليه إدارة بوش مؤخرًا من خلال مؤتمر أنابوليس من تحقيق "إجماع إستراتيجي" بين العرب و"إسرائيل" وديموقراطيات العالم الغربي ضد إيران ما هو إلا محض خيال، ولن يكون هو الطريق لحل الصراع "الفلسطيني- الإسرائيلي"، والذي كان الهدف الأساس المعلن لقمة أنابوليس.
وفي مقال نشره موقع "أنتي وور" ـ الذي يتضمن موضوعات إخبارية ومقالات رأي تتعلق بقضايا الحروب حول العالممن خلال منظور ليبرالي معارض لسياسة التدخل ـ تحت عنوان "وهم الإجماع الإستراتيجي في الشرق الأوسط"، كتب هادار، صاحب كتاب "عاصفة الصحراء: فشل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط":
في البداية نظرة استرجاعية "فلاش باك":
في 11 فبراير عام 1985
رونالد ريجان: "إن شعب الولايات المتحدة يشارك شعب السعودية غضبًا أخلاقيًا عميقًا بشأن الاعتداءات والمذابح المستمرة التي تشهدها أفغانستان..
في 11 فبراير عام 1985، رحب "رونالد ريجان" بالملك "فهد بن عبد العزيز"، عاهل المملكة العربية السعودية، في حفل استقبال بحديقة البيت الأبيض.وقال ريجان آنذاك في إشارة إلى الاحتلال السوفيتي الهمجي لأفغانستان: "إن شعب الولايات المتحدة يشارك شعب السعودية غضبًا أخلاقيًا عميقًا بشأن الاعتداءات والمذابح المستمرة التي تشهدها أفغانستان... إن مواطني الديموقراطيات الغربية والعالم الإسلامي، بكل ما يؤمنون به بأنه شرعي وعادل، يجب أن يقفوا معًا في مواجهة هؤلاء الذين يريدون فرض الديكتاتورية على كل الجنس البشري". وأضاف: "إن الاستبداد الماركسي فرض قبضته فعليًا على الحرية الدينية في خامس أكبر دولة من حيث تعداد المسلمين. هذه القبضة نفسها تقيد صلوات المسيحيين، واليهود، والمسلمين على حد سواء. إننا جميعًا نعبد نفس الإله. وبوقوفهم بصلابة أمام ذلك الاعتداء، فإن شعب أفغانستان بدمائهم، وشجاعتهم، وإيمانهم، باعث لقضية الحرية في كل مكان".
وبخاصية التقديم السريع نعود إلى مؤتمر السلام في ديسمبر 2007 بأنابوليس:
وهناك شعور بظاهرة ديجافو وهي كلمة فرنسية تعني "تمت رؤيته سابقًا"-. فهذه المرة، يُلقي الرئيس "جورج دبليو بوش" بخطاب أمام اجتماع يحضره رئيس الوزراء "الإسرائيلي"، "إيهود أولمرت"، ووزير الخارجية السعودي الأمير "سعود الفيصل"، ويدعو اليهود والعرب إلى صنع سلام. وقد سلط بوش الضوء على التهديد المشئوم الذي تمثله الثيروقراطية الشيعية المتشددة في إيران لكلٍ من المسيحيين، واليهود، والمسلمين على حد سواء؛ وهذا كما يفترض يشرح سبب ضرورة أن تقف الديموقراطيات الغربية، والعالم الإسلامي، و"إسرائيل" معًا في مواجهة المخططات الإيرانية الإقليمية!
وفي الواقع، فإن فكرة أن الولايات المتحدة يمكنها أن تنتفع من تهديد إستراتيجي وإيديولوجي مشترك ملحوظ ـ الاتحاد السوفيتي أثناء الحرب الباردة، وإيران الشيعية في الوقت الحاضر ـ لجمع العرب واليهود تحت مظلة أمريكية والمساهمة في تهيئة الظروف لاتفاق سلام "إسرائيلي- فلسطيني" كانت تصورًا محوريًا لدى كلٍ من إدارة "رونالد ريجان"، وإدارة "جورج دبليو بوش". كما تعكس كذلك تأثير الأيدولوجيينمنالمحافظين الجدد المواليين لليكود على الرئيسين المحافظين الجمهوريين.
إن المحافظين الجدد الذين لعبوا دورًا بارزًا في توجيه سياسة ريجان الخارجية ليسوا مختلفين عن المحافظين الجدد الذين سيطروا على فكر سياسات إدارة بوش..
وإلى حد ما، فإن المحافظين الجدد الذين لعبوا دورًا بارزًا في توجيه سياسة ريجان الخارجية- من مسئولين حكوميين مثل مساعد وزارة الدفاع "ريتشارد بيرل"، والسفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة "جين كيركباتريك"، وكذلك عدد من المفكرين أمثال "إيرفينج كريستول"، و"نورمان بودهوريتز" - ليسوا مختلفين عن المحافظين الجدد الذين سيطروا على فكر سياسات إدارة بوش، مطبقين إطار جيوإستراتيجي أيديولوجي رئيسي مماثل من أجل توجيه سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
وخلال سنوات حكم ريجان، كان الشرق الأوسط، بما في ذلك النزاع "العربي ـ الإسرائيلي"، يُنظر إليه كامتداد للصراع مع الاتحاد السوفيتي. وقد عملت "إسرائيل" كعون إستراتيجي طالما كان الأمر يتعلق بمصالح الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، مساعدةً واشنطن على احتواء التوسع السوفيتي في المنطقة. فيما كانت تُعتبر منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة "ياسر عرفات" تنظيمًا "إرهابيًا" مواليًا للسوفييت يعمل لترويج مصالح موسكو الإقليمية.
ومن أجل تجاوز الإشكالية التي كانت تواجه صانعي السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط - وهي كيفية التوفيق بين التحالف مع "إسرائيل" في آن واحد مع الالتزامات الإستراتيجية الأمريكية حيال المعسكر العربي الصديق للولايات المتحدة وعلى رأسه مصر والمملكة العربية السعودية- خرج مستشارو ريجان من المحافظين الجدد بصيغة مبتكرة وهي: الترويج لـ "حبكة" فيها أن "إسرائيل" و"المعتدلين" من العرب يُفترض أنهم يواجهون تهديدات مشتركة، الاتحاد السوفيتي، وإلى حد ما، النظام الثوري في طهران، وتوحيدهم من خلال ما يسمى بـ "إجماع إستراتيجي" مضاد للسوفييت. وفي ذلك السياق، يصبح الصراع في الأرض المقدسة ليس إلا جزءًا ثانويًا من صراع أكبر بين الغرب و"إمبراطورية الشر" كما سيصبح أكثر قابلية للحل إذا ما اتفق أصدقاء أمريكا من "الإسرائيليين" والعرب أن الحاجة إلى مواجهة العدو المشترك تفوق أهمية الخلافات العرقية، والدينية، والإقليمية التي تفرقهم.
وأثناء ولاية إدارة "جورج دبليو بوش"، وخاصة في أعقاب 11 سبتمبر والانتفاضة الفلسطينية الثانية، قام مستشارون من المحافظين الجدد مثل نائب وزير الدفاع "بول وولفويتز"، والمسئول البارز بوزارة الخارجية "إليوت إبرامز"، وكذلك هؤلاء القائمين على مجلة "ويكلي ستاندرد" ومعهد أمريكان إنتربرايز، بإعادة معالجة نسق الحرب الباردة القديمة كإطار للحرب الجديدة "الحرب على الإرهاب". ومجددًا، تم اعتبار"إسرائيل" كحليف أساس في الحرب ضد الإسلام "المتشدد"، فيما تم اعتبار الفلسطينيين وعرفات كعنصر أساسي لـ "الفاشية الإسلامية" كما وُصفت انتفاضتهم ضد "إسرائيل" كامتداد لأحداث 11 سبتمبر، وجزء من انتفاضة عالمية ضد الغرب.
تم اعتبار"إسرائيل" كحليف أساس في الحرب ضد الإسلام "المتشدد"، فيما تم اعتبار الفلسطينيين وعرفات كعنصر أساس لـ "الفاشية الإسلامية" كما وُصفت انتفاضتهم ضد "إسرائيل" كامتداد لأحداث 11 سبتمبر..
ولكن تمامًا كما حدث في الثمانينات، يواجه المسئولون الأمريكيون إشكالية مماثلة وهي: كيف يمكن توفيق الشراكة مع "إسرائيل" و الروابط الإستراتيجية الهامة مع الأنظمة المحافظة الصديقة للولايات المتحدة في الرياض والقاهرة. وهذه الإشكالية ربما أصبحت أكثر جدية في ظل خلفية الفوضى في العراق وصعود إيران الشيعية كقوة إقليمية، ناهيك عن زيادة القوة الاقتصادية لدول الخليج العربي الغنية بالنفط.
وفي البداية، أمل بعض المحافظين الجدد أن تجلب "مسيرة الحرية" الأمريكية في الشرق الأوسط والانتخابات الحرة في العراق، ولبنان، وفلسطين إلى السلطة حكومات صديقة للولايات المتحدة تتطلع إلى صنع سلام مع "إسرائيل" ("الطريق إلى القدس يمر عبر بغداد"). ولكن كما نعلم، فإن ذلك لم يحدث. وفي الواقع، فإن الانتخابات قد عززت الأحزاب السياسية الراديكالية، والتي لدى بعضها علاقات مع إيران. وهكذا بناءً ذلك، ساهمت الانتخابات في زيادة تأثير طهران وحلفائها الأكثر راديكالية (حزب الله)، واللاعبين ضد "إسرائيل" (حماس).
غير أن زعماء التخطيط بإدارة بوش وضعوا حبكة معيبة لتحل محل حبكة معيبة أخرى. فبدلاً من مسيرة الحرية التي كان من المفترض أن تجمع بين "إسرائيل" والعرب من أصدقاء الولايات المتحدة، انتهى الأمر بالرئيس بوش ومستشاروه بالاعتماد على النكبات الكبيرة- مثل وجود إيران أكثر قوة والفوز الانتخابي لحركة حماس- التي ساهموا في إطلاق العنان لها. وقد قرروا الترويج لقصة خيالية جديدة: ترى أن "الإسرائيليين" والعرب من أصدقاء أمريكا سوف ينضمون معًا تحت مظلة الولايات المتحدة كجزء من "إجماع إستراتيجي" جديد ضد إيران، وذلك في الوقت الذي تتهم فيه واشنطن إيران بتطوير أسلحة نووية ودعم المقاومين المناهضين لأمريكا في العراق. إذن فلتنس مسيرة الحرية وليعش تهديد إيران.
إن اجتماع أنابوليس كان من المفترض أن يُركز على بزوغ هذا "الإجماع" "الإسرائيلي- العربي" ويساعد في إقناع كلا الطرفين بالتحرك في اتجاه حل الصراع "الإسرائيلي- الفلسطيني". لكن على الرغم من كل شيء، فإن مواجهة مثل ذلك التهديد الإقليمي الجدي- إيران- سيجعل بلا ريب "الإسرائيليين" والفلسطينيين قادرين على تخطي خلافاتهم بشأن القدس، والمستوطنات اليهودية، واللاجئين الفلسطينيين!!
وقد ساعدت هذه الحبكة الملهمة إدارة بوش على كتابة سيناريو الحدث الإعلامي في أنابوليس. فالمشكلة كانت أن "مؤتمر السلام" لم يكن لديه الكثير ليفعله مع واقع الشرق الأوسط. وفي الحقيقة، لا أحد من كبار الحضور كانت لديه القناعة بأن القضايا التي تفصل "الإسرائيليين" والفلسطينيين يمكن حلها عن طريق الاتحاد أمام تهديد إيران.
إن رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الضعيف سياسيًا، إيهود أولمرت"، والرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، الذي جاءت سيطرته على الضفة الغربية بفضل الدعم "الإسرائيلي" والأمريكي، لم يكن بمقدورهما حتى اتخاذ الخطوات الأولية لتجاوز خلافاتهما خلال المحادثات التي سبقت أنابوليس. لذا فلم يكن من الغريب أن الاجتماع، الذي كان من المتوقع أن يكون مؤتمرًا مدته ثلاثة أيام لبدء المفاوضات بشأن قضايا الوضع النهائي، قد تحول إلى حدث إعلامي مثير للشفقة لعب خلاله بوش دور مضيف للحفلات وليس دور وسيط فعال وصادق.
لقد أخفق الاجتماع. وقد حضره الوفد السعودي ولكنه رفض مصافحة المسئولين "الإسرائيليين". غير أن الأمر الأكثر أهمية هو أن السعوديين لا يرون في صعود قوة إيران تهديدًا للغرب، بل يرونه من خلال منظور الانقسام السني- الشيعي. في الواقع، إنهم- السعوديون - يتطلعون لرؤية مصالحة بين حركتي حماس "المتشددة"، وفتح، وهو تحرك يعارضه الأمريكيون و"الإسرائيليون".
إن السعوديون يتطلعون لرؤية مصالحة بين حركتي حماس "المتشددة" وفتح، وهو تحرك يعارضه الأمريكيون و"الإسرائيليون".
ومن المثير للاهتمام، أن السوريين - الذين يواجهون رفضًا أمريكيًا قويًا - كان عليهم التماس طريقهم إلى المؤتمر. ويصر المحافظون الجدد أن النظام البعثي العلماني في دمشق هو نظام معادً للولايات المتحدة وحليف لآيات الله في إيران، كما حثوا "إسرائيل" على عدم إجراء مفاوضات دبلوماسية مع سوريا، والتي في الحقيقة ترغب أن تنأى بنفسها عن إيران وتنضم إلى حظيرة العرب "المعتدلين".
إن تصور أن وجود تهديد مشترك مستشعر يمكن أن يساعد في خلق جبهة "إسرائيلية- عربية" مشتركة أثبت أثناء حقبة الحرب الباردة أنه ليس إلا محض خيال. فـ"إسرائيل" ومصر لم يقررا صنع سلام إلا بعد أن أدركا أن نفقات صراعهما تفوق منافعه. كما أن عملية سلام أوسلو التي بدأت في أعقاب الحرب الباردة، ركزت فقط على المشكلات الحقيقية التي تفصل بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين. إن السلام سوف يحل بالأرض المقدسة إذا ومتى تمحل تلك القضايا. والترويج لفكرة "التهديد" الإيراني- الذي ذكر تقييم الاستخبارات الجديد أنه أقل خطورة مما صورته إدارة بوش- لن يؤدي إلى ذلك.
----------
نشره موقع "أنتي وور" بتصريح من موقع "رايت ويب"، وهو موقع برنامج تابع لمركز العلاقات الدولية (IRC) يهتم برصد مساعي الأفراد، والمنظمات، والحكومات التي تهدف لترويج سياسات خارجية ودفاعية متشددة وخاصة فيما يتعلق بـ"الحرب على الإرهاب"، وذلك بهدف تشجيع نقاش عام واعٍ حول الاتجاه الذي تجذب إليه تلك القوى الولايات المتحدة والعالم.
8 /12/ 1428هـ
17/12/2007م