بعد مغنية .. هل يسعى حزب الله لتدمير إسرائيل !!
وليد نور
10صفر 1429هـ الموافق له 17- 2- 2008م
بلا شك مثّل مقتل "عماد مغنية" ضربة كبيرة لحزب الله اللبناني، ويتوقع الجميع أن حزب الله لن يدع مقتل مغنية يمر بدون رد، غير أن التهديدات التي ألقى بها "حسن نصر الله" أمين عام الحزب عقب مقتل "مغنية"، وحديثه عن "الحرب المفتوحة"؛ أعادت التساؤلات من جديد عن طبيعة العلاقة بين "حزب الله" و"إسرائيل"، وكيف يتصارع الطرفان في موقع ويتفاوضان في موقع آخر؟
وهل يرغب "حزب الله" حقيقة في تدمير "إسرائيل" وإزالتها من الوجود كما صرح بذلك "نصر الله" في تهديداته الأخيرة؟، هذا ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.
قواعد اللعبة هي مفتاح السر:
لا تزال قواعد اللعبة بين إسرائيل وحزب الله هي السر في العلاقة بينهما، فبينما كانت حرب تموز الأخيرة إيذاناً بتغيير قواعد اللعبة لصالح "حزب الله" كان لزاماً على إسرائيل القيام بعمل يعيد ميزان القوى لصالحها، فكانت هذه العملية التي استهدفت قيادة حزب الله، ونالت من أكبر رأس عسكري فيه تضارع رأس نصر الله.
وقواعد اللعبة إذا حاولنا تعريفها هي تلك القواعد والقوانين التي تدير علاقة بين دولتين أو أكثر في ظرف ووضع معيّن، وإذا ما تغيرت هذه الظروف والأوضاع فإن الطرفين يجدان الرغبة في تغيير القواعد التي تحكم العلاقة بينهما، وإذا ما أراد أحد الطرفين أن يغيّر ميزان القوى لصالحه، فإن الطرف الآخر يجد نفسه ملزماً للتدخل لإعادة ميزان القوى إلى موضعه، وهذا ما يفسر طبيعة العلاقة بين إيران وأمريكا، والصراع بين حزب الله وإسرائيل.
إن الهدف من وراء اغتيال مغنية هو تغيير قواعد اللعبة في المنطقة من جديد، لذلك كان الهدف هذه المرة "عماد مغنية" في ضربة بالتأكيد استهدفت حزب الله وسوريا وإيران.
أما كون الضربة استهدفت حزب الله فذلك أمر واضح لمكانة مغنية داخله، وإما كونها استهدفت سوريا فالضربة وقعت على أراضيها، وفي منطقة تعتبر أشد مناطق العاصمة السورية أمناً ومخابراتاً، وكونها استهدفت إيران فالضربة تستهدف رقماً هاماً في المشروع الإيراني، فمغنية لم يكن يعمل لصالح حزب الله فقط، بل كان يحقق أهدافاً لصالح إيران في المقام الأول بدءاً من اختطاف الطائرة الكويتية إبان الحرب الإيرانية - العراقية، وانتهاءً بتدريب مقتدى الصدر ورجاله في العراق.
ويعتبر مغنية أحد أهم وسطاء إيران في لبنان، حيث كان يقضي جل وقته متنقلاً بين دمشق وطهران بعيداً عن أرض لبنان لضرورات المهام الأمنية والاستخبارية؛ إنه "الرجل المفتاح" في تنظيم حزب الله، والذي كان يمثل الرابط العملي بين الحركة الشيعية اللبنانية وإيران.
إذاً فالذي يقف وراء اغتيال مغنية أراد توجيه رسالة ثلاثية إلى حزب الله وأسياده في إيران وسوريا.
وفي المقابل فإن رد حزب الله لن يكون نابعاً من قرار خاص بالحزب فقط، بل لا بد أن يأتي الرد بعد مراجعة إيران وسوريا، لأن هذا قرار استراتيجي من الطِّراز الرفيع يتطلب موافقة المرجعية الرئيسة لحزب الله "آية الله علي خامنئي".
فحزب الله لا يملك أن يشن حرباً أو يقوم بعمل عسكري دون الرجوع لرأي الفقيه الإيراني، يقول "نعيم قاسم" نائب الأمين العام لحزب الله في كتاب "حزب الله المنهج.. التجربة.. المستقبل" والصادر عام 2002م للتعبير عن فكر الحزب وسياسته فيما بعد عام 2000م في صفحة 50: "قرار الجهاد مرتبط بالولي الفقيه الذي يشخص الحالة التي ينطبق عليها عنوان الجهاد الدفاعي، والذي يحدد قواعد المواجهة وضوابطها"، ويؤكد قاسم هذا الرأي في ص 72؛ حيث يقول:"وهو (الولي الفقيه) الذي يملك صلاحية قرار الحرب أو السلم".
وعن تبعية حزب الله لإيران في ذلك الأمر يقول نعيم قاسم في ص 57: "وقد حقق وجود وتوجيه الولي الفقيه المتمثل بالإمام الخميني ومن بعده بالإمام خامنئي النموذج التطبيقي لإرادة الجهاد بطريقة واقعية وعملية وفاعلة".
وبذلك يتأكد لنا أن حزب الله لا يستطيع أن ينطلق في عمل أو يتخذ قراراً أو يشن حرباً دون الرجوع للولي الفقيه القابع في طهران، فحزب الله في حقيقة الأمر ليس إلا ذراعاً تابعاً للدولة الشيعية الإيرانية يحقق لها ما تريد، وينفذ لها ما تطلب بغض الطرف عن المكان الذي يقيم فيه، أو الموطن الذي يتحرك في إطاره، وبذلك يتأكد لنا أن ولاء الشيعة في أي مكان إنما هو لطهران.
كما أن رد "حزب الله" عندما يأتي لا بد أن يتخطى عواطف قادة حزب الله الخاصة، وتتعلق مباشرة بالصراع العام الراهن في الشرق الأوسط بين إيران والولايات المتحدة، وأيضاً بمستوى الصراع على النفوذ الإقليمي في المنطقة.
هل من صفقة؟
وتدفعنا هذه الدرجة من العلاقة بين حزب الله وأسياده سواء في إيران أو سوريا للتساؤل: هل من صفقة وراء اغتيال عماد مغنية؟
هل عماد مغنية ذاك الرجل الذي كانت تطارده مخابرات 42 دولة من السهل أن يقع دون مساعدة داخلية ممن صنعوه؟، خاصة وأن المؤشرات كلها تشير إلى مفاوضات على مستوى عالٍ بين إيران وأمريكا، وفي هذا الإطار تنقل وكالة أسوشيتد برس عن مسئول أمريكي رفيع المستوى أن مسئولين إيرانيين عقدوا اجتماعاً سرياً الشهر الماضي في باريس مع مسئولين أمريكيين وأوروبيين بدعوة من طهران لمناقشة العقوبات الدولية المفروضة على إيران، فهل تطرق الطرفان إلى ما سوف تقدمه إيران مقابل إسقاط العقوبات المفروضة عليها؟
كما أن سوريا ليست بعيدة عن مجال الصفقات تقول صحيفة "نيويورك تايمز": إن سوريا تحافظ عادة على إجراءات أمن مشدّدة خاصة في العاصمة، ولهذا السبب كانت هناك تكهنات الأربعاء 13 فبراير (يوم الاغتيال) بأن سوريا ربّما تعاونت في عملية الاغتيال كجزء من صفقة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة.
وقالت "واشنطن بوست": "برغم أنه حدثت في الماضي اشتباكات في دمشق مع مقاتلين إسلاميين؛ إلا أن الحكومة السورية تفاخر بمستويات الأمن التي حققتها خاصة في العاصمة، وبرغم ذلك فإن البعض في لبنان يتكهن بأن اغتيال مغنية بعد سنوات طويلة من خِداعه لأعدائه يمكن أن يكون قد نُفذ بمشاركة سورية".
هل يسعى حزب الله إلى تدمير إسرائيل؟
عن هذا السؤال أجاب "حسين شريعتمداري" أحد كبار مساعدي مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي، ورئيس تحرير صحيفة كيهان حيث كتب في مطلع شهر أغسطس 2006م عقب حرب تموز يقول: "إن حزب الله لا يقاتل من أجل السجناء، ولا من أجل مزارع شبعا، أو حتى القضايا العربية أياً كانت في أي وقت، وإنما من أجل إيران في صراعها الحدودي لمنع الولايات المتحدة من إقامة شرق أوسط أمريكي".
وهكذا يتضح لنا هدف حزب الله من حروبه مع "إسرائيل" وهو تحقيق الأهداف السياسية، ليست للحزب فحسب بل لصانعي الحزب سواء في دمشق أو في طهران، أما تهديدات "نصر الله" بالحرب المفتوحة، وبتدمير إسرائيل؛ فإن استشهاد "نصر الله" بما جرى عقب اغتيال عباس الموسوي في عام 1992م لأكبر دليل على عدم سعي حزب الله إلى تدمير إسرائيل، فعقب اغتيال الموسوي توصل الحزب إلى تفاهم مع إسرائيل في يوليو 1993م، ثم توصل إلى تفاهم آخر في أبريل 1996م.
وتعهد الحزب في هذين التفاهمين بعدم ضرب أهداف إسرائيلية داخل فلسطين المحتلة بدايةً، وهو أمر كان الحزب يؤكد التزامه به، معتبراً أن إطلاق صواريخ (الكاتيوشا) على المستعمرات الإسرائيلية في الجليل ليس سوى رد فعل على الاعتداءات الإسرائيلية على المدنيين.
أما تفاهم أبريل 1996م بين الحكومة اللبنانية وإسرائيل فقد تم التوصل إليه بموافقة حزب الله، وعملت سوريا على التوصل إليه، ومما ينص عليه هذا الاتفاق "إن الولايات المتحدة تفهم أنه بعد مناقشات مع حكومتي إسرائيل ولبنان وبالتشاور مع سوريا؛ فإن لبنان وإسرائيل سوف يكفلان "عدم قيام المجموعات المسلّحة في لبنان بهجمات بصواريخ الكاتيوشا، أو أي نوع آخر من السلاح إلى داخل إسرائيل".
لذلك فإنه على الرغم من نزوات حزب الله الهجومية ضد إسرائيل إلا إن حزب الله يبقى هو الأفضل لبقاء إسرائيل، فالاستئصال الأمني الكامل لحزب الله لن يصب في المصلحة الأمنية لإسرائيل، وعلى المدى البعيد نسبياً فإن زوال حزب الله بالكامل يعني - من المنظور الإسرائيلي - تحول لبنان إلى منطقة أمنية رخوة، وقبلة لفصائل المقاومة الإسلامية التي تجوب العالم بحثاً عن نقطة تماس مباشرة مع ما تعتبره العدو الحقيقي، وما تعده أيضاً تجسيداً لخطابها السياسي الذي ينتقده خصومه على أنه ينشط بعيداً عن جغرافية المواجهة الحقيقية.
بعبارة أخرى ستبقى حاجة إسرائيل قائمة إلى حزام أمني طائفي يعزلها عن محيط الأغلبية ذات المنطلقات والرؤى المختلفة.
في ظل هذه الأجواء، وفي ظل تلك الأوضاع التي تحكم العلاقة بين حزب الله وإسرائيل؛ نستطيع أن نقول: إن أمام حزب الله خيارين للرد على اغتيال مغنية، فإما أن يتم اعتماد خيار إيراني سوري يعتمد مزيداً من التصعيد سياسياً وأمنياً وبالتالي السماح لحزب الله بتنفيذ عملية نوعية مهما كانت طبيعة الرد الإسرائيلي بعدها، وهذا الخيار هو مما نستبعده ونرجح أنه سوف يصار إلى الخيار الثاني وهو توظيف الاغتيال لهدف سياسي أهم يحدث اختراقاً كبيراً.
فعماد مغنية قد يشكل جسراً نحو تصعيد كبير لا أحد يعرف تبعاته، أو أنه قد يساهم في صفقة كبيرة قد تسرع الحلول على أكثر من اتجاه، ونتيجة كل ذلك على لبنان فسيكون تأجيل جديد لانتخاب رئيس جديد، فمن نافلة القول: إن عملية الاغتيال ستوظف بطريقة أو أخرى في الأزمة اللبنانية الداخلية، وبالتالي استقواء حزب الله والمعارضة اللبنانية إجمالاً بقدرة حزب الله العسكرية، واستهداف قادته من إسرائيل، ومحاولة حشد الموقف الوطني اللبناني إلى جانب المعارضة وحزب الله.
أول الحروب وآخر الحروب:
في كلمته في تشييع "مغنية" اعتبر "نصر الله" أن حرب تموز الأخيرة هي الحرب الأولى التي تخوضها إسرائيل، مسقطاً بذلك خمسة حروب على الأقل كانت طرفها إسرائيل والطرف الآخر الدول العربية ذات المذهب السني، ومن بين تلك الحروب حرب عام 1973م والتي انتهت بهزيمة إسرائيل.
وبعيداً عن التقييم الاستراتيجي والعسكري لتلك الحروب يبقى السؤال الأهم هو: لماذا أسقط نصر الله تلك الحروب هل لأن الطرف الآخر المقابل لإسرائيل كان من أهل السنة؟
حقيقة؛ إن تركيز نصر الله على حرب تموز، واعتبارها الحرب الأولى في مواجهة إسرائيل لهي في واقع الأمر تؤكد أن نصر الله لا يرى في حرب السنة مع إسرائيل حرباً، بل لعله يرى كما يرى بقية الشيعة أنه لم يكن لأهل السنة دوراً في مقاومة الاحتلال.