محمد وقيع الله:

الإسلاميون السودانيون يخشون من الفكر

وليد الطيب - الخرطوم

29/10/1428 الموافق له 10/11/2007م

التقت (الإسلام اليوم) الدكتور محمد وقيع الأكاديمي السوداني، والأستاذ بالجامعات الأمريكية؛ لتحاوره في مجموعة قضايا تتعلق بالعمل الإسلامي في السودان والغرب، والفكر الإسلامي المعاصر.

الدكتور محمد وقيع الله عاصر مدة طويلة حركة الإسلام في الغرب، ويرقب تطورها بدقة، مما أهله للفوز بجائزة الأمير نايف بن عبدالعزيز للدراسات الإسلامية والبحوث عن بحثه (الإسلام في المناهج الغربية عرض ونقد)، والذي قرر فيه - بعد الدراسة المتأنية -  أن الإسلام يحقق تقدماً مطّرداً يوماً بعد يوم في الغرب، وفي الفكر الإسلامي كتب وألف الدكتور محمد وقيع الله عشرات البحوث والكتب، ونشر آلاف المقالات في أكبر المجلات العربية والأجنبية، ولعله من أكثر السودانيين إنتاجاً، وفوق ذلك فهو صاحب رؤية متوازنة، ونفس تعادلت أطرافها.

تخرّج الدكتور محمد وقيع الله في جامعة أم درمان الإسلامية، ثم نال درجتي الماجستير والدكتوراه في جامعة المسيسبي متخصصاً في العلاقات الدولية، ومن ثم انخرط في سلك التدريس في معهد الدراسات العربية والإسلامية بفرجينيا، وتحوّل مؤخراً للإمارات العربية المتحدة أستاذاً للدراسات الإسلامية بجامعة البترول بمدينة أبو ظبي.

 

* الحركة الإسلامية السودانية على الرغم مما كان فيها من أكاديميين ومهنيين وأصحاب تخصصات رفيعة إلاّ أن المفكرين فيها كانوا قليلين، فما الباعث على توجهك الفكري؟ وإلى أي شيء يرجع اهتمامك بالفكر؟

حقاً إن الحركة الإسلامية السودانية لا تعتني بالفكر العناية اللازمة، والسبب في ذلك أنها حركة عملية أكثر منها نظرية، ثم تبين فيما بعد أن القيادة الفكرية والسياسية للحركة الإسلامية السودانية كانت تخشى من تشجيع حركة الفكر؛ لأنها كانت تحذر قيام تشققات واتجاهات متمردة ومتعارضة داخل الحركة الإسلامية؛ فغلّبت هدف الوحدة السياسية على العمق الفكري والنظري، بالنسبة لنا - وليس هناك صدف - إن البيئة التي عشنا فيها كانت زاخرة بالكتب، وكان الإخوة الكرام الذين هم أكبر منا يتعهدوننا بالتوجيه والرعاية، وقد نشأنا كمجموعة من الشباب المسلم في المدرسة المتوسطة والثانوية، كنا نتعهد بعضنا، ونتخير الكتب لبعضنا البعض، ونتناقش حولها، كنا نعيش مع بعضنا وندرس في فصل واحد، الصحبة والسن الغضة جعلت من تلك الأيام أشبه بالمنتدى الفكري، ولعل هذا هو السبب الأساس في اتجاهنا لرحاب الفكر.

 

* أليس ترجيح قادة الحركة الوحدة السياسية والتنظيمية على البناء الفكري خطأً فكرياً في الأساس؟

صحيح هو خطأ، ولعل المقصود كان هدفاً أسمى، ونفترض حسن النية في القائمين على الحركة، الذي كان قائماً على الحركة هدفه كان سياسياً، وعمله منصب حول الدولة الإسلامية، ولم يكن مشغولاً أو لم يكن يريد لأتباعه وأنصاره أن ينشغلوا بالفكر أو بالمسائل العقدية كما في الحركات الأخرى التي لا تنشغل بالواقع والعمل والبناء بل بالتنظير الفكري، كأنما هناك إفراط في النظر، وهنا إفراط في إهماله، واستغراق في العمل السياسي.

 

* هل أنت من الذين يقولون: إن الحركة الإسلامية اختزلت المشروع الإسلامي من مشروع حضاري شامل إلى مجرد مشروع سياسي لحركة هدفها الوصول للسلطة والاستحواذ عليها؟

لا لست ممن يقول بذلك، وأعتقد أن الحركة الإسلامية التي تقود الدولة الإنقاذية في السودان الآن هي حركة واسعة، وحركة تحول اجتماعي بمعناه الواسع، وهي الآن تنجز مجتمعاً إسلامياً من كافة النواحي: ثقافة وأدباً وسلوكاً، وهي محاولات جادة تشمل تأسيس اقتصاد إسلامي، وبنوك إسلامية، وأسلمة المناهج التربوية، أعتقد أن المشروع الإنقاذي الإسلامي مشروع قوي وناجح وفاعل.

 

* كثير من الإسلاميين المعاصرين يقولون: إن الحركة الإسلامية نتيجة لضعفها في التأسيس النظري لم تنجح في توظيف القبول الجماهيري، وأن تدفع به في العمل من أجل مشروع إسلامي ناضج، إلى أي حد يصح هذا الحديث؟

صحيح الهدف المثالي لم يتحقق ولن يتحقق، وكثير من الأحلام لن تتحقق، ولكن المنجز كان كبيراً، أنا أحاول دائماً أن أتفاءل وأنظر إلى الجانب المليء من الكوب، وهذا الأسلوب أتعامل به مع كل الحركات الإسلامية في العالم، ولا أخص به الحركة السودانية.

 

* فيما يتعلق بما ذكرته من ظاهرة الضعف الفكري هل تستطيع أن ترصد لنا تجليات هذا الضعف، فيما أسست الحركة لاحقاً من دولة ومشروع؟

من جوانب النقد التي قد تكون مصيبة وعادلة على الحركة الإسلامية، والذي تبلور في مشروع الإنقاذ؛ أنها لم تعط الجانب الثقافي حظه من الاهتمام، وحقه من الرعاية، بل من خلال حواري مع بعض المسؤولين الذين التقيتهم - وهم قلائل - تبين لي أنهم يكنّون نوعاً من الاحتقار للعمل الثقافي والفكري، ويعتقدون أنهم قادرون على تحقيق أهدافهم بغير تعمق في العلم والفكر والثقافة، فحاولت أن أتكلم معهم حول ضرورة الاهتمام بإنتاج الكتاب، وتوزيعه، ومكافأة المؤلفين، وإنشاء المكتبات العامة، فاكتشفت أنني أتكلم مع أناس لا يكادون ينصتون لما أقول، وكأن هذه الأشياء هامشية وغير مهمة! على الرغم من أن الدعوة الإسلامية قائمة على الكلمة والفكرة، والمحتوى القيمي والفكري، وما لم ننتج أعمالاً فكرية حقيقية ومنشورة فستكون هنالك فجوة موجودة في العمل الإسلامي.

 

* بعد هذا التوصيف هل تستطيع أن تحدد فيما إذا كانت هذه الحركة هي حركة إسلامية حقيقية أم حزباً سياسياً مثله مثل الأحزاب الأخرى له أهداف سياسية آنية؟

كانت حركة إسلامية إلى حد بعيد، وكانت تنشد إقامة دولة إسلامية، وكان شبابها يجاهد عن وعي وبصيرة وإخلاص، وأعتقد أن الله نصرهم من دون بقية الحركات الإسلامية في العالم لما اشتملوا عليه من دأب وعدم تقديس لفرد أو تنظيم، أو زعيم للحركة، وعلى قدر جهدهم فقد أسبغ الله عليهم حمايته من بطش القوى الخارجية والقوى الداخلية المتربصة.

 

* في حوار أُجري معك من قبل، وفي إجابة عن سؤال يتعلق بموقفك التنظيمي من الطرفين اللذين انشقا عن الحركة؛ قلت: إنك لست طرفاً في الذي يدور، ولست بمنتمٍ لطرف من الطرفين، هل هو موقف مبني على رؤية محددة للواقع أم هو موقف احتجاجي؟

لا هذا ولا ذاك؛ فأنا كنت بعيداً عن الوطن، ولم تكن للحركة الإسلامية السودانية منظمات في أمريكا، بالإضافة إلى أنني كنت أقيم في ولاية أمريكية بعيدة عن العاصمة قبل انتقالي إلى العاصمة مؤخراً، ولأسباب عملية لم يكن لي دور في العمل السياسي التنظيمي، وبُعدي عن العمل هو تقصير وليس تعالياً على العمل الإسلامي، وليس موقف إدانة للحركة الإسلامية.

 

* هل تعتبر الآن أن المشروع الإسلامي في السودان مازال قائماً الآن، أم أنه وصل إلى طريق مسدود، ويحتاج إلى إعادة نظر حتى يُعاد إنتاج المشروع مرة أخرى؟

أنا أعتقد أن المشروع في السودان لم يصل إلى طريق مسدود، وإنما انفتح أمامه الطريق عن نهاية بعيدة، وأرجو أن يصل إليها، وأعتقد أن ولاة الأمور في السودان واعون على أدوارهم عن نضج وبصيرة، ويحققون أهدافاً كبيرة لاسيما على الصعيد الاقتصادي، وضبط الشارع العام بقيم الإسلام، وأنا أعتقد أن الأخلاق مستواها ارتفع جداً في السودان، ولا أتفق مع الذين يقولون: إن الأخلاق انهارت، والتعليم انهار، أرى أن كل شيء يمضي نحو الأفضل، ومن نظر إلى الشارع السوداني الآن لا يرى التسكع والسكارى، والذين يعاكسون الفتيات كما كان في الماضي، وقد ازداد إقبال الناس على الصلاة في المساجد، صلاة سنية ليست كما كانت في الماضي، وهؤلاء الناس أفلحوا في التمهيد لجو إسلامي صحيح، والأمر يتطلب سنوات طويلة حتى يكتمل، المشروع لم يصل إلى طريق مسدود، ولكنه يطرق الأبواب، وتنفتح أمامه تباعاً.

 

* بعض مفكري الحركة الإسلامية العالمية يقولون: إن هناك تياراً إسلامياً قادماً من الغرب ينبغي أن يُحسب له حسابه، بحكم معايشتك الطويلة للغرب هل هناك تيار حقيقي واضح القسمات والملامح؟ وهل تتوقع أن يكون له مستقبل في دفع المسيرة الإسلامية هناك؟

المسلمون الذين ذهبوا إلى الغرب أوائل القرن العشرين انتهوا قبل أن يخلفوا شيئاً، وأخفقوا في تربية أبنائهم تربية إسلامية صحيحة، وذاب هؤلاء الأبناء في المجتمع الغربي، أما الذين ذهبوا إلى الغرب في سبعينيات القرن الماضي فقد تمكنوا من المحافظة على دينهم وأبنائهم، وربوا أبناءهم تربية إسلامية صحيحة، هؤلاء الأبناء نشؤوا مسلمين على الرغم من أنهم لم يعرفوا الشرق لكنهم مسلمون بذائقة غربية، ولا أمانع من القول (إسلام غربي) أو (إسلام أمريكي)، ليس بالمعنى الذي أشار إليه سيد قطب وإنما بمعنى أن هؤلاء أناس مسلمون؛ ثقافتهم أمريكية، وأذواقهم أمريكية، وبيئتهم التي نشؤوا فيها أمريكية، وهم يأخذون من الإسلام وينتجونه مع خلفيتهم الأمريكية التي لا تتعارض مع الإسلام، فينشؤون بذائقة مختلفة، فالمسلم الصيني في سلوكه يختلف عن المسلم الأمريكي والعربي، ومثله المسلم الكندي، وهذا ما أقصده بالذائقة الغربية للإسلام، وقد عاصرت هذا الجيل الجديد وساهمت في تعليمه - إلى حد ما - في المدارس والجامعات الأمريكية، وهم يمثلون بشارة كبيرة للعالم الإسلامي، وهي أجيال واعية مسلحة بالعلم، ويمكن أن يساعدوا في حل مشاكل العالم الإسلامي، ودعم قضاياه، والتبشير بديار إسلام في الغرب، لكن لا يمكن أن نقول: إن الإسلام سيأتي من الغرب كما يقول بعض المفرطين في التفاؤل، فالإسلام لابد أن يأتي من العالم الإسلامي، ومن الذين يتكلمون اللغة العربية بشكل خاص.

 

* في بحثك الذي نلت به جائزة الأمير نايف للبحوث قلت: إن وضع الإسلام في المناهج الغربية آخذ في التحسن والتطور، فما هي الأسباب والعوامل التي ساهمت في تأكيد هذه الوضعية المتقدمة؟

هنالك ثمانية أسباب ساهمت في تحسين صورة الإسلام في المناهج الغربية وهي:

السبب الأول: النقد الكثيف الذي وُجّه لتراث حركة الاستشرق والتبشير التي كانت تمارس طمس الوجه الإسلامي الوضيء، وقد ساهم إدوارد سعيد وتلاميذه مساهمة فعّالة في ذلك، وخدموا الإسلام والمسلمين في هذا المضمار على الرغم من أنهم نصارى، ولكنهم مثقفون شرفاء.

السبب الثاني: هو قيام الغربيين بإصدار موجهات تعليمية جديدة تلزم واضعي المناهج - وهي شركات خاصة - بالنظر إلى الأديان كما ينظر إليها أهلها، وألاّ يتجنّوا عليها أو يفسروها تفسيراً لا يوافق عليه أصحاب الأديان، هذا القرار ينطبق على جميع الأديان: الإسلام، البوذية، الهندوكية..الخ، لكن استفاد المسلمون فائدة خاصة وكبيرة؛ لأنهم كانوا هم المستهدفين في المناهج بالتزوير والتزييف والطمس.

الثالث: قيام بعض المسلمين الواعين بالضغط السلبي؛ بمعنى استنكار ما يرد من أخطاء حول الإسلام في المناهج التعليمية، وهذا الضغط يجبر الشركات التي تنتج الكتب المدرسية والمؤلفين الذين يقومون بوضعها على مراعاة مشاعر المسلمين.

الرابع: هو توجيه المؤسسات ومن بينها مجلس الأمن القومي الأمريكي الذي يطالب بعض الدول في العالم الإسلامي بشطب بعض الفقرات في مناهجها الدراسية، فهو يطالب أيضاً بشطب بعض المفردات في المناهج التعليمية الأمريكية التي تسيء لبعض الأقليات العرقية والدينية حفاظاً على الأمن في البلاد الأمريكية، وقد استفاد المسلمون من هذا التوجيه؛ لأن المناهج كانت تسخر من العرب كعرب، ومن المسلمين كمسلمين.

والسبب الخامس: هو ظهور ترجمات بلغات غربية لكتب إسلامية تراثية من أمهات الكتب الإسلامية كتفسير ابن كثير، والسيرة النبوية لابن هشام، وتفسير الطبري، وظلال القرآن، وتاريخ الطبري، وهذه المؤلفات أصبحت الآن متاحة في اللغات الغربية وخاصة اللغة الإنجليزية، والغربي الذي يريد أن يكتب عن الإسلام الآن أصبح يستشير هذه الكتب، ويرجع إليها بدلاً عن الاعتماد على الكتب الاستشراقية والتبشيرية القديمة.

السبب السادس: ظهور أدبيات إسلامية متقدمة بأقلام إسلامية غربية، هؤلاء يكتبون باللغة الإنجليزية والفرنسية كما يكتبها أهلها؛ لأن الترجمات تكون نشازاً ومملة، وتصطدم الذائقة الغربية أحياناً، هذه الكتب أصبحت متاحة، وأحياناً تدرس في المدارس والجامعات.

السبب السابع: تطوّع بعض المسلمين والمسلمات بالذات بتدريس ما يتصل بالإسلام والمسلمين والشرق الأوسط في المدارس، وترحب المدارس بهذا التطوع للقيام بهذا الدور، وقيام هؤلاء الأمهات بهذا الدور ساهم في تصحيح صورة الإسلام في المدارس.

الثامن: قيام بعض الغربيين بنقد تعمد الأقلام الغربية تشويه الإسلام ومن هؤلاء الأمير تشارلز، وقد دفع نقدهم الغربيين إلى الاعتدال عند تناول الإسلام والمسلمين.

 

* هل هنالك كتاب مسلمون غربيون لهم إسهام فكري في إنتاج أطروحات في الفكر الإسلامي المعاصر والإجابة عن تحديات العصر من المنظور الإسلامي؟

هنالك طائفتان من الغربيين الذين يكتبون عن الإسلام الآن في الغرب - هذا الكلام قد يصدم بعض الناس وأرجو أن يتفهموه -: هنالك مستشرقون شرفاء، أرجو أن يقرأ المسلمون آراءهم بتدقيق وتفحص قبل أن يندفعوا للاعتراض، هؤلاء الناس يثيرون أسئلة كبيرة جداً في الفكر الإسلامي، ويدفعون المسلمين للتفكير فيها والاجتهاد، من بين هؤلاء المفكرين الكبار: جون اسبيزيتو، إيفان حداد، د. جون فولت، وجين اسمث، هؤلاء الناس يساعدون المسلمين أحياناً على التفتح على المسائل العصرية، وشحذ أذهانهم للبحث عن حلول لها، واستنباط إجابات لها من خلال مرجعية إسلامية، هذا هو النوع الثاني.

النوع الأول كتاب غربيون أسلموا، وهؤلاء أنتجوا كتابات متقدمة جداً في الفكر السياسي والاجتماعي الإسلامي منهم محمد أسد، ومريم جميلة، وحمزة يوسف، هؤلاء أنتجوا كتابات عميقة جداً في الفكر الإسلامي ومتقدمة، ولهم شعبية كبيرة وسط الشباب المسلم هناك، وكتاباتهم تختلف عن الكتابات الإسلامية المملوءة بالعبارات العاطفية مثل تلك التي يتدرب عليها الشباب المسلم في الشرق، ولو تسنى لك مشاهدة حوار بين شاب مسلم نشأ في الغرب مع آخر نشأ في الشرق فستلحظ بوضوح اختلاف العقليتين، وغالباً ما تجد الذي نشأ في الغرب أكثر نضجاً ومنهجية ومنطقية، بينما الشرقي يجيد الخطب الحماسية.

http://www.islamtoday.net:المصدر