التنافس الإقليمي في الشرق الأوسط بين إيران وأمريكا وإسرائيل
د. زكريا سليمان بيومي
10- 12- 2007م
على الرغم من عوامل الحرص التي أبداها بعض السياسيين في الولايات المتحدة الأمريكية ونظرائهم في حكومة الثورة الإسلامية في إيران لدعم سياسة التقارب بينهما؛ إلا أن حكومة المحافظين الجدد في واشنطن تبدي اعتراضاً على تعامل إيران معها من منطلق الندية أو التساوي.
ولعل مثل هذه النظرة خاصة في ظل الانفراد الأمريكي بالقوة في العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي؛ هي التي تدعو الأمريكيين إلى تبني سياسة فرض الشروط، أو حتى تبادل المصالح من خلال تفضيل سياستها ومصالحها أولاً.
فحينما طرحت حكومة الثورة الإسلامية في إيران مبادرة لدعم سياسة التقارب مع أمريكا فيما أسماه البعض صفقة؛ تضمنت مساعدة الأمريكيين في العراق لضبط الأمن، وإنشاء مؤسسات ديمقراطية تحكمها سلطة علمانية، والضغط علي حكومة حماس في فلسطين لوقف العمليات ضد إسرائيل، وقبول ودعم المبادرة العربية حول قيام دولتين متجاورتين، وطمأنة الأمريكيين على الطابع السلمي لبرنامجها النووي؛ مقابل أن تدعم أمريكا النشاط النووي السلمي أو تسمح به، وترفع العقوبات، وتوقف النشاط العدائي تجاهها، وتعترف بدورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط؛ رفض المحافظون الجدد هذه المبادرة الإيرانية لأنها تحتوي على مفهوم الندية، ولا تراعي التفاوت في حجم القوة بين الدولتين، إلى جانب أنها تصطدم بسقف النفوذ الأمريكي أو الإسرائيلي المرتبط بهم في الشرق الأوسط.
لكن عوامل جديدة دعت الإدارة الأمريكية إلى إعادة التفكير في سياسة التقارب مع إيران، مع إدراكها أن بعض هذه العوامل تقف وراءها إيران، فما يجري في العراق من اضطراب مثير للقلق حول الأمريكيين، وما يجري في أفغانستان من عودة النشاط الحربي لحركة طالبان، وحتى تنظيم القاعدة؛ لا يجري بعيداً عن توجيه إيراني، إلى جانب النشاط الإيراني في دول آسيا الوسطى، وبحر قزوين حول حقول النفط والغاز هناك، وامتلاكها لبعض الجوانب المؤثرة والأوراق الحيوية.
أما على صعيد السياسة الداخلية في أمريكا وهو مرتبط بما يدور في منطقة الشرق الأوسط فقد أخفق الحزب الجمهوري الحاكم في أمريكا في الحفاظ على سيطرته على المؤسسات السياسية، حيث تحولت لصالح الحزب الديمقراطي، وأدى ذلك إلى خروج أحد أركان المحافظين الجدد وهو رامسفيلد وزير الدفاع، واستبداله بغيتس الذي يميل إلى سياسة التفاهم مع إيران، مدعوماً بتقرير بيكر - هاملتون الذي ينصح بضرورة التقارب أو التفاهم الأمريكي الإيراني.
وأعاد السياسيون في إيران طرح مقترحات جديدة من شأنها إعادة التفاهم أو التقارب مع الأمريكيين، ولكن بشرط الاعتراف لهم بدور إقليمي، حيث أرسل الرئيس الإيراني أحمدي نجاد رسالة من هذا النوع عبر الحكومة الإيطالية في نوفمبر 2006م، لكن هذا العرض قوبل بالرفض من الرئيس الأمريكي، محاولاً حل الأزمة العراقية وغيرها من قضايا المنطقة بعيداً عن أي دور لإيران حتى لا تملي عليه أية شروط، وبخاصة حول الاعتراف بدور إقليمي في الشرق الأوسط، حيث سيعطل ذلك المخطط الأمريكي حول إعادة رسم خريطة المنطقة.
وحاولت الحكومة الأمريكية اللجوء إلى خطة ترمي إلى تقليص النفوذ الإيراني بتقوية النفوذ الشيعي العربي في العراق، وضرب الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، ومحاولة تقوية السنة في العراق، ودفعهم إلى لعب دور أكبر على الساحة السياسية العراقية، وهي أمور لم تحسب لها حسابها منذ بدء احتلالها للعراق، وتتطلب تغييراً جوهرياً وسريعاً في سياستها، بعد أن أسهمت - هذه السياسة - في تمكين العناصر الشيعية، وإثارة الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة حين أقدمت على إعدام صدام حسين، وحمّلت الشيعة مسؤولية تنفيذ القتل الذي كان قد تقرر سلفاً في واشنطن.
كما حاولت الإدارة الأمريكية محاصرة دور حزب الله اللبناني، وكذلك سوريا وحركة حماس الفلسطينية والتي تعد أوراق ضغط إيرانية، ودفع حلفائها من العرب للعب دور تجاه هذه القضايا، مما أسفر عن اتفاق مكة بين الفصائل الفلسطينية، ثم محاولة العرب لحل القضية اللبنانية على حساب الحد من نفوذ حزب الله الموالي لإيران، وكذلك تقليص الدور السوري، والضغط على النظام السياسي في سوريا من خلال مسألة المحكمة الدولية.
وأدرك السياسيون الإيرانيون ما ترمي إليه إدارة بوش من تفريغ أوراقها السياسية، وشل قدرتها على التأثير في قضايا المنطقة التي تسعى لأن يكون لها نفوذ إقليمي فيها؛ فردت على ذلك بدعم دور أوسع لحلفائها الشيعة في العراق، وجرهم لتفجير الموقف إلى درجة يصعب على الأمريكيين السيطرة عليه، وأسهمت في دفع حزب الله لأن يعقد أكثر الأزمة اللبنانية، وعدم تفاعله وتجاوبه مع أي دور عربي يسعى لحل الأزمة، ما لم يكن لحزب الله حضوراً مؤثراً وفاعلاً، ثم دعم حكومة حماس الفلسطينية مادياً مما يساعدها على مقاومة الحصار المفروض عليها، والذي لم تستطع الحكومات العربية رفعه، وبالتالي حاولت أن تمسك بأوراق تمكنها من إمكانية الوصول إلى سياسة التفاهم أو التفاوض مع الأمريكيين من منطلق الشراكة لا التبعية، وهو ما ترفضه إدارة بوش، وهذا ما جسدته رسالة الرئيس الإيراني الموجهة للشعب الأمريكي.
ولا شك أن توجه إيران نحو تعزيز النفوذ أو دور إقليمي يصطدم بما تخطط له إسرائيل من وصاية أمنية تريد فرضها على المنطقة بحكم امتلاكها لأكبر قوة عسكرية فيها، وترى أن إيران إذا ما استمرت في تنمية قدراتها العسكرية - وربما النووية - ستشكل عائقاً أمام تأثيرها الإقليمي.
ثم إن هاجس إسرائيل الأكبر لا يقف عند حد التنافس على دور إقليمي في المنطقة، بل يتعلق بوجودها أصلاً من خلال تنامي الروح العدائية في إيران ضد وجود إسرائيل أساساً، وعلى ذلك فإن اللوبي اليهودي في أمريكا يضيق بتأخر الإدارة الأمريكية في اتخاذ موقف حاسم تجاه التقدم العسكري والنووي في إيران، ويحاول الكثير من اليهود الأمريكيين إعادة برمجة السياسيين في واشنطن من الحزب الديمقراطي الذي يميل إلى سياسة التقارب مع إيران وليس التصادم معها.
لكن هذا الاتجاه لم يجد صدى كبيراً حيث بدأ بعض المفكرين الأمريكيين يحذر من التجاوب مع استراتيجية إسرائيل على حساب المصالح الأمريكية، وهذا الأمر تجسد في كتاب الرئيس الديمقراطي السابق جيمي كارتر عن القضية الفلسطينية الذي هاجم فيه سياسة إسرائيل.
وبغض النظر عن أن نمو إيران العسكري الذي ساهمت فيه إسرائيل دعماً وصناعة؛ يراه البعض يحمل خطراً على وجود إسرائيل، فإن النمو الاقتصادي المرتبط بالدور الإقليمي الذي تسعى إليه كل من إيران وإسرائيل، والذي يشير إلى محاولات التنمية الصناعية المرتبطة بالطاقة النووية في كلا البلدين؛ هو الذي يدعو إلى هذا الصراع أو التنافس حول أكبر قدر من التأصير الإقليمي، ولهذا فإن الدول الصناعية الكبرى مع الولايات المتحدة قد رأت في اجتماعها في سي لاند 2005م، أن إيران هي إحدى الدول المؤثرة والمتأثرة بصورة مباشرة بأمن منطقة الشرق الأوسط الموسع.
كما أن تنامي دور إيران الإقليمي وإقرار الأمريكيين به من باب الفرض أو تبادل المصالح؛ سيقلل من حجم الدور الإسرائيلي الإقليمي المحدد في الاستراتيجية الأمريكية، الأمر الذي تعارضه إسرائيل حتى ولو أدى بها الأمر إلى توجيه ضربة عسكرية لإيران تتورط فيها أمريكا، وهذا ما تحاول الوصول إليه خلال المدة المتبقية للمحافظين الجدد أو الصقور الأمريكيين التي ستنتهي بنهاية رئاسة جورج بوش في نهاية 2008م.
ويحاول بعض المؤثرين من اليهود إقناع الرئيس بوش أن ينهي حياته السياسية بعمل ديني يخلده في التاريخ، ويحسن صورته بعد إخفاقاته العسكرية على الساحتين العراقية والأفغانية؛ بأن يقوم بضرب إيران كقوة إسلامية لتحقيق حلم أمريكي صهيوني في السيطرة على العالم.
وتدرك إسرائيل أنها إذا لم تفلح في إقناع الأمريكيين في هذا الاتجاه فإنه بانتهاء ولاية جورج بوش، وتولي الديمقراطيين، وانتهاء رئاسة أحمدي نجاد في إيران، وتولي الإصلاحيين بدلاً من المتشددين؛ فإن سياسة التقارب أو التفاهم الإيراني الأمريكي سيكون لها الغلبة، وهو ما تخشاه.
بتصرف يسير