فك الألغام خطوة نحو تحقيق الوئام
وليد الهويريني
14/11/1428هـ الموافق له 24/11/2007م
إن الدعوة للاجتماع والنهي عن الافتراق مطلب شرعي لا يختلف دعاة الإسلام ورجالاته على أهميته، وضرورة السعي في تحقيقه؛ فقد استقر في روع العقلاء والنابهين أن التنازع والافتراق مؤذن بذهاب الريح، وآية ربانية تستلزم غياب الإمداد الإلهي في المنازلة القائمة بين أولياء الله وأعدائه، ومن الأهمية بمكان ألاّ يكتفي دعاة الإسلام بالدعوة الحالمة للوحدة والاجتماع دون النزول إلى كافة الميادين لإزالة ألغام عديدة طمرتها السنون، وتسارعت وتيرة الأحداث دون أن يعبرها السائرون في الطريق انتباهاً، وهو الأمر الذي أدى لتفجر هذه الألغام، وبالتالي تحول ذلك الجسد الواحد المقتفي أثر السلف الصالح إلى أشلاء متناثرة على قارعة الطريق، مما ولّد شكوكاً في صدور فئام من الناس حول سلامة الطريق؛ فتحوّلوا إلى غيره، فالحاجة ماسة اليوم لإزالة هذه الألغام للسير نحو تحقيق "وئام" بين رجالات الإسلام العاملين في كافة الميادين.
ثمة عبارات رائعة خلدها التاريخ لأحد أئمتنا الكبار ورموزنا العظام شاعت بين أوساط الشباب وطلبة العلم، وفي كثير من الأحيان كانت هذه العبارات تعبر عن رأي لهذا الإمام في مسألة ما، أو تسجل موقفاً في ظرف تاريخي معين، أو ربما كانت معبرة عن اختياره العلمي في مسألة اختلف حولها أئمة السلف، ولكن بمضي الوقت، ومع كثرة تردد هذه العبارات على الألسنة بالغ بعض الفضلاء في إيرادها والاحتجاج بها؛ فأصبحت هذه العبارات تُستخدم تارة في غير موضعها، وتارة تتحول لعقيدة سنية لا يجوز مخالفتها، وتارة ثالثة تصبح دبابة يهشم المحتج بها بفهمه الخاطئ أصولاً شرعية جاءت بها دلائل الكتاب والسنة.
رأينا من يحتج بمقولة الإمام البربهاري - رحمه الله -: "إذا رأيت الرجل جالساً مع رجل من أهل الأهواء فحذّره وعرّفه، فإن جلس معه بعد ما علم فاتقه؛ فإنه صاحب هوى (فتُتّخذ هذه العبارة سيفاً مصلتاً على كل داعية أو مصلح جالس مبتدعاً، وربما وظف ذلك آخرون لتبديع جمهرة من أهل العلم والفضل، فتغدو هذه العبارة ومثيلاتها سبيلاً لشرذمة أهل السنة؛ فمن جالس المبتدع فهو صاحب هوى وبدعة، والحقيقة أن هؤلاء الفضلاء لو تتبعوا وسبروا منهج السلف الصالح لسلموا وسلم منهم إخوانهم من أهل العلم، فمن المتقرر أن حكم مجالسة المبتدع يُعدّ أمراً مصلحياً؛ فمتى ما كان الهجر محققاً للمقصد الشرعي شُرع وإلاّ فلا، وأما عبارة هذا الإمام وغيره من السلف فقد يكون قد أراد بها "ظرفاً زمانياً" كان الهجر فيه محققاً للمقصد الشرعي، وقد يكون أراد بها توجيه العامة ممن لا يملك علماً ولا فقهاً لعدم مجالسة المبتدع خشية التأثر به، وهذا هو الأقرب، ولو افترضنا جدلاً بأن هذه العبارة على ظاهرها، وبأن حكمها في نظر قائلها لا يتغير؛ فتبقى المقولة معبرة عن رأي قائلها واجتهاده.
وقريب من ذلك موقف بعض الشباب من مقولة أحد السلف: "إذا اختلفتم في مسألة فاسألوا أهل الثغور؛ فإن الحق معهم؛ مستدلاً بقوله تعالى: ((وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا))".
فإن هذه العبارة لو قيل بظاهرها كما يفعل بعض الشباب اليوم للزم من ذلك إسباغ العصمة والقداسة على كل من خاض ميدان الجهاد، وهذا تدحضه دلائل الكتاب والسنة، فقد قال ربنا - تعالى- مبيناً لأخطاء أعظم فرقة جهادية عرفها التاريخ بعد الهزيمة في غزوة أحد ((أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ)) قال الإمام الطبري: "قل يا محمد للمؤمنين بك من أصحابك (هو من عند أنفسكم) يقول: قل لهم: أصابكم هذا الذي أصابكم من عند أنفسكم بخلافكم أمري، وترككم طاعتي لا من عند غيركم، ولا من قبل أحد سواكم".
ومن معين السيرة النبوية نقرأ خبر سيف الله المسلول خالد بن الوليد - رضي الله عنه - في قصة بني جذيمة عندما قتل قوماً قالوا: صبأنا ولم يحسنوا أن يقولوا أسلمنا، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد).
ولهذا فعبارة هذا الإمام في رد الأمر إلى أهل الثغور لا يُراد بها عموم المسائل والوقائع، بل قد يُراد تفاصيل الواقع العسكري الذي يعيشه المجاهد، وقد يُراد به تقديم كلام "العلماء" من أهل الثغور أو علماء البلد الذي تقع فيه ساحة القتال على قول غيرهم من أهل البلدان الأخرى، والناظر في شواهد التاريخ يعلم جيداً أن الكثير من أئمة السلف لم يخوضوا ميدان القتال، ومع ذلك فلم يسجل التاريخ حالة تستحق الذكر همش فيها المسلمون أفهام غالبية علماء عصرهم بحجة أن الحق مع أهل الثغور، لاسيما تلك المعارك التي يتجاوز آثارها المحاربين في ساحات القتال إلى عموم الأمة الإسلامية.
ولئن كان الفهم الخاطئ للعبارة السابقة أفضى إلى تقديس المجاهدين في ساحات القتال؛ فعبارة ابن عساكر الشهيرة في توقير أهل العلم طالها نفس التحريف، ولكن نحو تقديس العلماء والفقهاء حيث يقول: "لحوم العلماء مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصهم معلومة، وأعلم أن من أطلق لسانه في العلماء بالثَّلب؛ بلاه الله قبل موته بموت القلب".
وعبارة ابن عساكر واضحة جلية في تحريم غيبة أهل العلم؛ فهم ورثة الأنبياء، ومصابيح الدجى، ومنارات الهدى، ولاشك أن غيبة المسلم من كبائر الذنوب، فكيف بغيبة أفاضلهم وخيارهم، والحرص على توقير العلماء، وزجر السفهاء عن التطاول عليهم يُعدّ صمام أمان للأمة من الاضطراب والفتن، وتصدر أهل الأهواء، ولكن الملاحظ من بعض الفضلاء المبالغة في تضخيم هذه العبارات إلى درجة تقديس بعض أهل العلم دون شعور منهم، ورفض أي نقد لآرائهم أو اجتهاداتهم، بل وحتى القول بخلاف اختياراتهم العلمية والفقهية أو منهجهم الفكري والعملي تجاه المستجدات والأحداث، وربما جُعل هذا علامة على الانحراف والزيغ، ولئن كنا وما زلنا نفاخر بالمنهج السلفي الأصيل الذي ينبذ التعصب بكافة أشكاله، حتى إن أحدنا لا يجد غضاضة في أن يختار قولاً فقهياً يخالف فيه ما عليه جماهير الفقهاء وبعض الصحابة - رضوان الله عليهم -؛ لأن الدليل في نظره كان من نصيب القائلين بقوله؛ فلماذا نضيق في واقعنا المعاصر بأن يقول طالب علم بقول له سلف من الأئمة خلاف "السائد"، ونعتبر ذلك منافياً لتوقير العلماء واحترامهم، أو قدحاً في منهجهم؟!
إن خزائن تراثنا السلفي الوفير تنوء بعشرات المواقف التي شكل فيها "التنوع الفقهي والفكري" رافداً من روافد نهضتها ورقيها، دون أن يكون معول هدم واضطراب وتشرذم كما قد يتوهم بعض الغيورين والصالحين.
لقد شكل الفهم الخاطئ لبعض مقولات السلف وسيلة فعّالة لزرع ألغام الافتراق والتشرذم في التربة الإسلامية، والسبيل الأمثل لإبطال هذه الألغام يكون بسبر منهج السلف الصالح في موضوع المقالة، وقراءة الظروف التاريخية التي قيلت فيها، مرتكزين في ذلك على دعائم المنهج السلفي والمتمثلة بالقرآن الكريم والسنة والنبوية بفهم السلف الصالح، ومستحضرين دائماً أن الحجة بإجماع السلف لا بقول آحادهم وأفرادهم، وحينها سنكون قد ذلّلنا الطريق لشباب الصحوة للسير قدماً نحو بلورة حالة من الوئام الفكري بين رجالات الإسلام.