وفاة العلاَّمة الخطيب البغدادي

7 ذو الحجة 1428هـ الموافق له 16- 12- 2007م

 

7 من ذي الحجة 463هـ ـ 10 سبتمبر 1071م:

الإمام الأوحد، العلاَّمة المفتي، الحافظ الناقد، صاحب التصانيف، وتاج الحفاظ، محدث الوقت أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي البغدادي، أبو بكر بن الخطيب، كان أبوه أبو الحسن خطيباً بقرية درزيجان بالعراق، وُلد سنة 392هـ، فسلك به أبوه طريق العلم وسماع الحديث منذ أن كان في العاشرة، فطاف البلاد، وجالس العلماء، والتقى مع الشيوخ، وكتب الكثير، ومالت نفسه لفن الحديث فبرع فيه، وفاق معاصريه، وتقدم في هذا الشأن، وبزَّ الأقران، وجمع وصنَّف، وصحَّح، وعلَّل وجرَّح، وعدَّل وأرَّخ وأوضح، وصار أحفظ أهل عصره على الإطلاق.

كان الخطيب البغدادي من كبار فقهاء الشافعية، وله اختيار في المذهب، ولكن شهرته وبراعته الكبرى كانت في علم الحديث، حتى إن المحدثين والخطباء في بغداد كان الواحد منهم لا يروي حديثاً حتى يعرضه عليه ليتأكد من درجته، وكانوا يشبهونه بالدارقطني، وكان الخطيب قد خرج من بغداد أيام فتنة البساسيري الرافضي، وذهب إلى دمشق، وهناك تعرض لمحنة كبيرة ذلك لأن دمشق وقتها كانت تحت حكم الفاطميين الملاحدة، فهمَّ أمير الجيوش الرافضي المجرم بقتله ولكن نجَّاه الله منه، وذهب بعدها إلى «صور»، وهناك كتب معظم كتبه(1).

كان الخطيب مهيباً وقوراً، ثقة متحرياً، حجة في الحديث، ولكن به تحامل وتعصب لمذهبه الشافعي، ظهرت آثاره في كتابه الشهير «تاريخ بغداد» حيث شحنه بالأخبار الضعيفة والمكذوبة بحق أكابر العلماء وخصوصاً «أبي حنيفة»، ثم تلاميذ أحمد بن حنبل، على الرغم من صحة اعتقاده، وسلامته من البدع المتفشية وقتها، ولكنه وقع أسيراً للتعصب المذهبي المذموم، ولولا هذه الزلة لكمل حاله، وصار في رتبة الأولين.

وللخطيب مؤلفات في علم الحديث لم تكن لأحد قبله، فلقد صنَّف قرابة الستين كتاباً في علم الحديث، ولم يترك باباً من أبواب هذا العلم الكبير إلا ألف فيه وصنف، حتى قال فيها العلماء:

تصانيف ابن ثابت الخطيب               ألذ من الصبا الغض الرطيب

يــراها إذ رواها من حواها                ريـاضاً للفتى اليقظ اللبيـب

وقد توفي الخطيب في 7 من ذي الحجة سنة 463هـ، ولم يكن له عقب، فاستأذن الخليفة العباسي «القائم بأمر الله» وهو في مرضه أن يتصدق بماله؛ فأذن له، فجعله كله لأهل الحديث، وأوقف كتبه كلها لطلبة العلم.

الجدير بالذكر أن لابن الجوزي تحاملاً شديداً على الخطيب البغدادي بسبب تحامل الخطيب على الحنابلة، فلا يلتفت لهذا التحامل ولا للآخر، والرجلان من كبار علماء الإسلام، وزلاتهما مغمورة في بحور فضلهما.

_______________________________

(1) راجع: تاريخ بغداد، تاريخ دمشق، تذكرة الحفاظ، طبقات الحفاظ، سير أعلام النبلاء، وفيات الأعيان، البداية والنهاية، شذرات الذهب.

http://islammemo.cc:المصدر