الرد على المخالف دين وأمانة!
د. رياض بن محمد المسيميري
قال محمد بن بندار الجرجاني: "قلت لأحمد بن حنبل: يا أبا عبد الله، إنّه ليشق علي أن أقول: فلان كذاب، وفلان ضعيف؟!
فقال لي: إذا سكتَّ أنت وسكتُّ أنا، فمتى يَعرفُ الجاهلُ الصحيحَ من السقيم؟! ".
وقال الشافعي: "إذا علم رجل من محدث الكذب، ما يسعه السكوت عنه، ولا يكون ذلك غيبة، لأن العلماء كالنقاد، ولا يسع الناقد في دينه أن لا يبَّين الزيوف وغيرها! ".
وكان شعبة - رحمه الله - يقول: " تعالوا حتى نغتاب في الله - عز وجل -".
وسئل أن يكف عن رجل يقال له: بيان، فقال: "لا يحل الكف عنه، لان الأمر دين! ". (1)
وهذه النقولات عن فحول الإسلام وسادات العلماء تدل على أهمية متابعة ما يقوله أو يسطره الآخرون مما قد يسئ إلى الإسلام في شرائعه وأحكامه، أو أخلاقه وسلوكياته، ومن ثم دحض هذه الإساءات، وكشف ما يؤيدها من الشبهات، صيانةً للإسلام ونصحاً للأمة، وقطعاً لكيد الباغي الأثيم!.
ولقد كثر في زماننا هذا المتقوّلون على الإسلام بغير حق، والمتطاولون على ثوابته وشرائعه بلا علم، مما أوجب على أنصار الحق وأهل العلم متابعة ما يقذف به أولئك المخالفون من الشبه، وما يدعونه من فرى لتفنيده بالبرهان والحجة، جرياً على طريقة الأسلاف كالإمام أحمد والشافعي وشعبة وغيرهم.
لقد ظهر في زمننا كما أسلفت كثير من هؤلاء، ولكن أبرزهم طائفتان:
أولاهما: العقلانيون، والتنويريون، وبعض المتعالمين:
وهؤلاء هم الأشد خطراً والأمضى أثراً وذلك لأمور:
1- ثقة الناس بهم لانتسابهم للعلم، واقترابهم في سمتهم العام من سمت العلماء، وحصول كثير منهم على شهادات من جامعات شرعية بتخصصات دينية.
2- تمتع كثير منهم بقاعدة واسعة من المعلومات الشرعية، ولا سيما في مجال التخصص، مما يتيح له مساحة واسعة من المحاورة والمناورة.
3- اطلاع كثير منهم على أوجه الخلاف في المسائل الشرعية محل النقاش في الساحة، كالحجاب والاختلاط ونحوها، فضلاً عن قدرتهم على اكتشاف الأقوال المهجورة والشاذة في كثير من المسائل.
أما زمرة المتعالمين فهم وإن قلت بضاعتهم من العلم إلا أن بعضهم قد أوتي جدلاً من جهة، ومحاكاة (الببغاء) في ترديد أقوال من سبق ذكره من العقلانيين والتنويرين من جهة ثانية!.
قال أبو الوفاء علي بن عقيل الفقيه الحنبلي: "قال شيخنا أبو الفضل الهمداني: مبتدعة الإسلام والواضعون للأحاديث أشد من الملحدين، لان الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج، وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل، فهم كأهل بلد سعوا في إفساد أحواله، والملحدون كالحاضرين من خارج، فالدخلاء يفتحون الحصن فهو شر على الإسلام من غير الملابسين له".
ثانيهما: العلمانيون والإباحيون:
والذين استغلوا ما تلقيه الطائفة الأولى من الشُبه والطرح المريب، فهم ينمقونه ويزينونه ويرفعوا به أصواتهم عبر وسائل إعلامهم، وعلى صفحات جرائدهم، حتى خاض صعاليك ونكرات في قضايا يتردد في الحكم عليها أبو حنيفة ومالك والأوزاعي.
فما الذي أدرى هؤلاء بحديث عائشة - رضي الله عنها - الوارد في قصة دخول أسماء على النبي - صلى الله عليه وسلم - بثياب رقاق، والذي رواه أبو داود بسند ضعيف؟!.
وما الذي عرّف العلمانيين بأن ابن عمر - رضي الله عنهما - كان يأخذ ما يزيد عن القبضة من لحيته؟!.
وما الذي عرّف العلمانيين بشذوذ ابن حزم في مسألة الغناء وإباحته؟!.
وما الذي أدرى العلمانيين بجواز تولي المرأة للقضاء وفقاً لمذهب أبي حنيفة؟!
وما الذي عرّف العلمانيين بجواز تزويج المرأة نفسها بلا ولي وفقاً لمذهب الأحناف أيضاً؟!.
كل هذه الشذوذات الفقهية التي طار بها العلمانيون فرحاً ما كانت لتظهر على السطح لولا (براعة!) أولئك العقلانيين والتنويريين الذين استغلوا (التخصّص الأكاديمي!) فنبشوا عن كل مفقود، واحيوا كل مقبور من أقوال الفقهاء، وقدموها على أطباق من ذهب لأهل الشهوات والمفتونين.
ويكفي دلالة على شذوذ هذه الأقوال وتهافتها: فرح العلمانيين بها واحتواؤهم لها!.
وبعد!
الهي انصر دينك وكتابك وسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم - يا كريم!
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ينظر هذه الأقوال في الموضوعات لابن الجوزي 1/49.
24/6/1428 هـ