باكستان نحو الفوضى الخلاقة
عبد الحق بوقلقول/ الجزائر
بحسب الأرقام الرسمية فإن سبعين عسكرياً باكستانياً على الأقل قد قُتلوا في المواجهات المفتوحة، التي اندلعت في الأقاليم الغربية والشمالية الغربية المحاذية لأفغانستان بين الإسلاميين ونظام الجنرال مشرف، الذي قرر سلوك الحل الأحمر ضد طلبة المسجد الأحمر في إسلام آباد قبل نحو أسبوع من الآن، و هو الحل الذي أوقع عشرات القتلى من بين هؤلاء، على الرغم من أن الأرقام التي تقدمها المعارضة هناك تتحدث عمّا هو أكثر من ذلك بكثير.
المهم أن ما يقع في باكستان حاليًا لا يبدو مجرد مشكلة عادية كسابقاتها في تاريخ هذا البلد الإسلامي الكبير، خصوصاً منذ وصول الجنرال مشرف إلى سدة الحكم في انقلاب عسكري عام 1999 ضد نظام مدني كان يديره رئيس الوزراء السابق نواز شريف بشكل لم تقبل به الدول الغربية و أمريكا خصوصاً، التي كانت و لعقود طويلة الحليف الأول لنظام إسلام أباد، إلاّ بعد أن وقعت هجمات سبتمبر التي كانت فرصة استغلها مشرف لأجل الاستقواء على الداخل، و استئناف شهر العسل مع الخارج، لاسيما و أنه انخرط في الحرب العالمية ضد التيار الإسلامي بشكل كامل و غير مسوّغ، أبرزه كان تحالفه ضد مصالح بلاده و عمقها الأمني في الجارة أفغانستان التي كانت تحت حكم حلفائها من حركة طالبان!!
الواقع أن ما يهم الأمريكيين -بصفة أن هذه المنطقة هي قطب الرحى في حربهم على ما يصفونه بالإرهاب- لا يتوقف كثيراً عند اسم المُمسك بنظام الحكم في هذا البلد سواء كان مشرف أو غيره، بمعنى أن المخابرات الأمريكية قد تكون بصدد تهيئة الأرضية لخلفه، فهنالك تقارير كثيرة تتحدث عن تورطها في الدفع بالأمور هناك صوب الهاوية؛ إذ إن فترة صلاحية مشرف انتهت، و لا بد من تغييره لأجل امتصاص حالة الاحتقان الشديد حتى لا ينهار كل المعسكر العلماني هناك تحت وابل تصعيد الإسلاميين.
ملخص هذا الكلام أن كل ما يهم أمريكا، و بالتالي كل حلفائها عبر العالم، يتعلق تحديداً بأمن السلاح الإستراتيجي الذي يملكه الجيش الباكستاني؛ لأن انهيار المؤسسة العسكرية يعني سقوط هذا السلاح باختصار شديد، بين أيدي تنظيم القاعدة، و هو ما سوف يعني في حال حدوثه و في أحسن الأحوال، وقوع توازن رعب يفقد الولايات المتحدة أي تأثير لها في المنطقة، و لقد أعلن سكرتير كتابة الدولة الأمريكية، جون نيغروبونتي، على حسب ما تناقلته الصحف الباكستانية في عز أزمة المسجد الأحمر، لإذاعة صوت أمريكا في نسختها الأردية: "إن أمريكا لن تتردد في دعم باكستان بأي الطرق الممكنة"!!
مساعدة باكستان في نظر هذا الرجل الذي أسس فرق الموت في هندوراس خلال الثمانينيات، تعني بكل تأكيد دعم نظام إسلام آباد في وجه المعارضة الإسلامية مهما بلغت شعبية هذه الأخيرة؛ لأن الخطر يكمن في احتمال تحول السلاح النووي إلى يد هؤلاء في حال التردد في دعم نمط الحكم المستبد هناك، على عكس شعارات الدمقرطة التي تقرر التخلص منها نهائياً منذ نكسة بلوغ حماس سدة الحكم الشرعي مثلما هو معروف.
ثم إن فكرة تأمين أو حتى تدمير السلاح النووي الباكستاني، ليست مجرد تحليلات و استنتاجات نثرية؛ لأنها صميم ما ورد في دراسة أصدرتها مؤسسة (ستانلي) البحثية في أمريكا، و تكفّلت مؤسسة (بروكينغز) بنشرها خلال شهر نيسان/أبريل المنصرم، و لقد أعدها كل من الباحث (فريدريك كاغان) المتخصص في شؤون الأمن القومي و الإستراتيجية الدفاعية، فضلاً على أنه واحد من أكثر الباحثين تحمساً لنظرية الحرب الاستباقية بما أنه يعمل لدى معهد (ذي أميركن إنتربرايز)، إلى جانب الباحث (مايكل أوهانلون) الذي ينتمي إلى مؤسسة (بروكينغز) حيث يشرف على الدراسات التي تُعنى بالوضع في العراق، إلى جانب قيامه مؤخراً بالعمل لدى ديوان الكونغرس، فضلاً على أنه كاتب اعتاد نشر آرائه على صفحات يومية (النيويورك تايمز) بين الحين و الآخر.
سيكون من المفيد هنا أن نورد بعض المقاطع حتى تكتمل الفكرة؛ لأن دراسة من هذا المستوى تعني أن الأمر جدي، و أما توقيت نشرها قبل أشهر كما سلف و أشرنا، فيعني أنها تجاوزت حالياً مرحلة التفكير و المناقشة، و بلغت عتبة التنفيذ، و بالتالي فهي ربما خارطة طريق قد تعيننا على فهم ما يجري.
يمكننا أن نقرأ فيها مثلاً ما ترجمته:
"من بين كل السيناريوهات العسكرية التي تنطوي -بلا شك- على تهديدات مباشرة للمصالح الحيوية للولايات المتحدة من غير تلك التي تقع فوق أراضيها، يأتي احتمال انهيار باكستان في المرتبة الأولى؛ لأن إمكانية أن تقع القدرات النووية بين أيدي المتطرفين الإسلاميين، تثير قلقاً بالغاً، و لا بد من العمل من أجل منع سقوطها؛ إذ لو أن تنظيم القاعدة بات يملك السلاح النووي فإن التطورات قد تكون مرعبة و لا يمكن تصورها".
"هنالك ما يشير إلى أن سيناريوهات تدفع بتطور الأوضاع صوب الحرب الأهلية، و علينا أن نأخذ هذا على محمل الجد، و ليس واضحاً ما سوف تقرره الولايات المتحدة و الدول التي تشاركها مخاوفها؛ إذ من المستبعد جداً أن تنجح الضربات الجراحية في تدمير الأسلحة النووية قبل أن يستولي المتطرفون عليها؛ لأنه حتى و إن كانت أمريكا تعلم أماكن تواجد هذه الأسلحة فإن أي حكومة باكستانية لن تقبل بذلك، و بالتالي فإنه يتعين في حال استحالة إكراه نظام إسلام أباد على هذا الحل و فشل الجراحة أن نلجأ إلى التدخل لأجل حفظ النظام و منع وصول النووي إلى الإرهابيين ".
"ينبغي بذل جهود لتحقيق الاستقرار المطلوب، و سوف يكون حجم هذه المهمة مرهقاً -بلا شك-؛ لأن باكستان بلد كبير جداً و سكانها يفوق عددهم المائة و الخمسين مليون إنسان، بمعنى أنهم ستة أضعاف العراقيين، و أما مساحتها فهي تقريباً ضعف مساحة العراق، مثلما أن مجموع طول حدودها يفوق بنسبة النصف طول الحدود العراقية. هذا يعني أن حفظ استقرار بلد بهذا الحجم سوف يتطلب على أقل تقدير ما لا يقل عن المليون عسكري، و هذا أمر ممكن و مطلوب بالنظر إلى ما قد يجره عدم الاستقرار هناك"!!
"بطبيعة الحال، سوف تكون دول كثيرة مستعدة لتقديم يد العون لنا، مثلما أنه يُفترض أن تبقى أعداد مهمة من قوات الأمن الباكستانية سليمة و قادرة على المساهمة، فتعداد الجيش هناك نحو (550) ألف جندي، من بينهم (70) ألفاً موزعين بين القوات الجوية و البحرية، إلى جانب نحو نصف مليون آخر ضمن الاحتياط فضلاً عن (300) ألف من القوات شبه العسكرية من درك و شرطة تابعة لوزارة الداخلية. إلاّ أنه من الممكن أيضاً أن يتمرد من بين هؤلاء الجنود عدد كبير، و لنفرض أن نسبة ذلك قد تكون في حدود الثلث إلى الربع، فإن هذا يعني أن المجموعة الدولية ملزمة في سبيل استعادة سريعة للاستقرار أن ترسل و على الفور ما بين (100 إلى مائتي ألف) عسكري، مثلما أن هذا يعني أن الولايات المتحدة سوف تكون ملزمة أن تؤمن نصف هذا العدد على الأقل (من 50 إلى مائة ألف)".
الأمر إذن على ضوء هذه المقاطع القصيرة لأن الدراسة مطولة و تتألف من (16) صفحة كاملة-، يعني أن التفكير يمضي بشكل جدي صوب الاستعداد لأسوأ الاحتمالات؛ فأمريكا قد تختار المضي في هذا الحل؛ لأنها ببساطة محكومة من قبل كبار الصناعيين و تجار الأسلحة و النفط قبل أن ينضم إليهم حالياً ملاك شركات الأمن و المرتزقة، على الرغم من أنها لا تبدو في وضع يسمح لها بمزيد من التورّط؛ لأنها دخلت حرباً يصعب الجزم بمدى تحقيق المكاسب العسكرية فيها، فهي ليست حرب مواقع، و لا حتى حرب أشخاص و معدات، و باكستان -تحديداً- هي منطقة لا يمكن التنازل عنها تحت أي ذريعة؛ لأن سقوطها يعني خسارة الحرب و تحول البنتاغون من وضع الهجوم إلى وضع الدفاع بشكل حقيقي حتى من غير اللجوء إلى استعمال أسلحة غير تقليدية، و لاحظوا هنا أن هذه الدراسة خرجت قبل أن تنتهي الأزمة الباكستانية إلى ما هي عليه!
من البديهي هنا أن نلحظ أيضاً أن هذين الباحثين يقلّلان كثيراً حجم التقديرات المطلوبة؛ فهما يعتبران أن المائة و خمسين ألف جندي أمريكي في العراق كافية لأجل حفظ الاستقرار و بالتالي، يستنتجان مباشرة أنه -و بحكم أن الباكستانيين هم ستة أضعاف العراقيين- فإن الأمر يعني أن مليون جندي على الأكثر، سوف يكون عدداً كافياً، و لكنهم لم ينتبهوا إلى أن الأمريكان في العراق لم يحققوا الاستقرار، ثم إن دراسات عديدة قدرت أن الولايات المتحدة من أجل الوصول إلى ذلك مجبرة على أن تنشر نصف مليون جندي على أقل تقدير بمعنى، و وفق ذات الطريقة الحسابية، إنها مطالبة بنشر ثلاثة ملايين جندي في باكستان!!
هذا أمر غير ممكن طبعاً، فلا البنتاغون و لا الخزانة في واشنطن تكفيان لتحقيقه، و لكن لعرّابي الحرب و مصالحهم رأي آخر؛ لأن المطلوب هو تأمين السلاح النووي وفق أي طريقة حتى و لو تطلب الأمر الانقلاب على مشرف نفسه، و ترتيب نظام آخر قد يساهم في امتصاص الاحتقان تفادياً للاحتمال الأسوأ الذي لا يمكن السماح بتحققه، و لو اضطرت أمريكا إلى استعمال السلاح النووي ضد أقاليم القبائل التي أعلنت إلغاء اتفاق الهدنة مع الحكومة الفيدرالية في إسلام أبا، خصوصاً و أن أسامة بن لادن-الذي تصرّ الاستخبارات الغربية على أنه في تلك المنطقة تحديداً إلى جانب الظواهري و حكمتيار و حتى الملا محمد عمر- عاود الظهور من جديد في هذا الشريط الذي بثته محطة الـ(سي إن إن)!
يقول الصحفي البريطاني (بيتر بريستون)، الذي ظل -و لعشرين سنة كاملة (1975 إلى 1995)- محرراً لجريدة الغارديان اللندنية: "على الرغم من أن الإجابة الفورية التي تسمعها من الـ(سي آي إيه) حينما تسأل عن مكان تواجد ابن لادن، هي ذاتها دوما في مكان ما على الحدود الباكستانية الأفغانية، إلاّ أن هذا لم يعد مفيداً كثيراً، فالقبض على هذا الرجل الذي ظل مطارداً من قبل أنظمة كثيرة في الشرق والغرب منذ عشر سنوات، لن يكون إلاّ انتصاراً رمزياً؛ فتنظيم القاعدة لا يقوم على أساس وجود زعيم بعينه، و الدليل أنه على الرغم من كل ما بذلته وكالات الاستخبارات منذ 2001 و حتى اليوم، فإن أفراد التنظيم زادوا، و أن قوته باتت أكثر مما كانت عليه أثناء هجمات سبتمبر، وفقاً لما أقر به التقرير الذي صدر في واشنطن قبل أيام قليلة"!
إنها نفس الخطة دوماً: اللجوء إلى تضخيم خطر مناطق بعينها، و اللعب على أرواح و دماء ساكنيها، و من هنا فإن المشكلة بالتالي لا تتوقف عند مجرد صراع بين المعارضة و السلطة في باكستان، و لكنها مع الأسف -و كالعادة- جزء جديد من مشهد عالمي أكثر تكاملاً بدايته الفعلية كانت في 9/11، و أما نهايته فلا أحد -غير البارئ - عز وجل - يعلمها، خصوصاً و أن المسلمين يتحركون ضمن هذا كله، بشكل منعزل تغلب عليه السذاجة، و تميزه -كما في كل مرة- السطحية في استيعاب الدروس القريبة فضلاً عن البعيدة!!
3/7/1428
17/07/2007