المرأة الإندونيسية فريسة للمنصرين والعلمانيين

المرأة الإندونيسية فريسة للمنصرين والعلمانيين

في لقاء مع د. نبيلة لوبيز رئيسة مجلس العالمات المسلمات بإندونيسيا

حوار: جمال سالم

 

* التنصير والفقر والمرض والكوارث تفتك بمسلمي إندونيسيا.

* دعاة التغريب والتنصير يسعون إلى اقتلاع الإسلام من أكبر دولة مسلمة.

* لدينا خطة للتصدي لحملات الإغاثة التنصيرية، ولكننا في حاجة للدعم المادي.

* * *

تتعرض إندونيسيا أكبر دولة إسلامية لمؤامرة شرسة؛ لاقتلاعها من دينها الذي دخلها منذ القرن الهجري الأول، وتمثلت مخالب الاقتلاع في دعاة التغريب، والمستشرقين، والتبشير الذي نجح في تحويل بعض المسلمين عن دينهم، مستغلاً الظروف الاقتصادية والصحية الصعبة التي يعيشون فيها، ولهذا فإن مسؤولية حماية مسلمي إندونيسيا تقع على العالم الإسلامي بأسره، فهم يوجهون صرخة إلى كل الشعوب والحكام المسلمين: " أنقذونا قبل فوات الأوان".

هذا ما أكدته الدكتورة نبيلة لوبيز - رئيسة مجلس العالمات المسلمات بإندونيسيا - في هذا الحوار الذي أجريناه معها في القاهرة.

 

قامت في بلادكم منذ مدة وجيزة مظاهرات تطالب بسرعة إصدار القانون الذي يجرِّم بعض الأفعال الخاطئة، التي استطاع العلمانيون زرعها في إندونيسيا المسلمة، فما أهم هذه الأفعال المرفوضة؟

للأسف إن القبلات والعناق بين الجنسين في الشوارع العامة، بل والرقص الماجن فيها لا يعد جريمة يعاقب عليها القانون، بحجة أن هذه حرية شخصية، ولا يجوز لأحد مصادرتها أو التدخل فيها، ونتيجة الضغوط والرفض الشعبي لهذه الأفعال المرفوضة شرعاً وعرفاً، قامت هذه المظاهرات؛ للمطالبة بالتعجيل بصدور هذا القانون، الذي يجرِّم كل ما فيه خدش للحياء العام، باسم المدنية والتحضُّر؛ لأننا لن نتنازل عن هويتنا الإسلامية مهما كانت التضحيات.

 

نشر الوعي

ماالدور الذي يقوم به مجلس العالمات المسلمات في نشر الوعي الديني في بلادكم؟

للأسف الشديد إن المهمة الملقاة على عاتقنا تفوق إمكانياتنا المادية بكثير، وخاصة إذا علمنا أن إندونيسيا مكونةٌ من آلاف الجزر، التي مازال بعضها حتى الآن يعيش حياة ما قبل التاريخ، ولا يعرفون شيئاً عن الأديان، وعلى الجانب الآخر نجد هجوماً مزدوجاً على المرأة المسلمة من دعاة التغريب، الذين يزداد نفوذهم يوماً بعد يوم، واستطاعوا تحقيق بعض المكاسب مثل: المساواة بين الرجال والنساء في الميراث بطريقة قانونية، وسعوا خلال الحقبة الماضية إلى إقرار مشروع قانون يبيح زواج المسلمة من غير المسلم، وخاصة الكتابي، ومنع تعدد الزوجات، بحجة أن فيه إيذاء لمشاعر المرأة، والمطالبة بتعدد الأزواج، إذا كان هناك تعدد زوجات، وألا يعطي الزوج لزوجته مهراً، بل يقوم كل من الرجل والمرأة بدفع مبلغ متساو يوجَّه لإعداد عش الزوجية.

وقد استطاع مجلس العالمات المسلمات، بالتنسيق مع بعض المؤسسات الإسلامية، إيقافَ أو تعطيل هذا المشروع، فهو قانون تغريبي يستهدف اقتلاع المسلمة الإندونيسية من جذورها الدينية.

وعلى نفس الخط نجد دعاة التبشير ينشرون سمومهم، بالتنسيق مع التغريب، بالادعاء أن الإسلام ظلم المرأة، والترويج للشبهات المثارة عن وضع المرأة في الإسلام، التي قُتلت بحثاً خلال القرون الماضية، وفنَّدها علماء الإسلام في كل العصور.

 

شروط الانضمام

ما الشروط الواجب توافرها فيمن تريد الانضمام إلى مجلس العالمات؟

للعلم إن المجلس ليس مقصوراً على عالمات الدين كما يوحي بذلك الاسم؛ بل إنه يضم إلى جانب عالمات الإسلام كلَّ مسلمة متفوِّقة في مجال من المجالات العلمية، ولديها ثقافة إسلامية، أو ترغب في تحصيل العلم، ولهذا نجد المجلس يضم: الطبيبة، والمهندسة، والإعلامية، وغيرهن، ويقوم الجميع بعرض سماحة الإسلام وعظمته، وموقفه من المرأة، سواء من خلال وسائل الإعلام أو المحاضرات، والمشاركة في الندوات والمؤتمرات، أو المشاركة في قوافل دعوية تجوب الأقاليم والجزر؛ لتقديم الخدمات الشاملة، حسب التخصصات المختلفة، ولهذا فإن القافلة قد تضم عالمات في الدين، وطبيبات لعلاج المريضات مثلاً، وإذا توافرت الإمكانيات المادية اللازمة لدعم هذا المجلس فإنه سيكون له دور أكبر في نشر الوعي الديني، والصحي، والتعليمي؛ بين الإندونيسيات.

 

الرقيق الأبيض

قرأنا عن عودة تجارة الرقيق الأبيض والأعضاء البشرية إلى بعض مناطق إندونيسيا وخاصة في المناطق المتضررة من زلزال تسونامي، فما مدى صحة هذا؟

للأسف الشديد هذا صحيح، حيث دخلت منظمات مشبوهة لتلك المناطق تحت ادعاء تقديم مساعدات إنسانية للمتضررين، وبثت سمومها؛ حيث نشط التبشير من جانب، وفي نفس الوقت قامت بعض المنظمات الغربية بالترويج لتجارة الرقيق الأبيض، عن طريق الادعاء بأنهم يشغلون العمالة النسائية، وخاصة أن نسبة البطالة ارتفعت ارتفاعاً كبيراً في تلك المناطق التي دمَّر فيها الزلزال كل شيء، وقضى على أسر كاملة، ولم ينجُ منها إلا القليل الذي لم يجد له أسرة أو مأوى أو مصدر رزق، ويعاني أزمة نفسية قاتلة، استغلَّها المبشرون ودعاة الإباحية وتجار الأعضاء البشرية الذين قاموا بسرقة الأفراد واتَّجروا بأعضائهم، وقد ضُبطت حالات كثيرة، وتبذل الدولة جهوداً كبيرة لمنع تلك الظاهرة السلبية.

 

قيود المرأة

يقول المؤرخ الغربي الشهير ويل ديورانت: "استطاع الغرب أن يفك عن يد المرأة وساقها بعض القيود، ولكنه في نفس الوقت كبَّلها بقيود وأغلال أخرى أشد وأقسى، فهل توافقيه على هذه المقولة؟ وهل تعتقدين أنه يحاول البعض جعل المرأة المسلمة تشرب من نفس الكأس؟

بكل تأكيد، فالحرية التي نالتها المرأة الغربية أخيراً بعد أن عاشت قروناً طويلة في ظلم ومهانة، من غير اعتراف بإنسانيتها، وعدم الإقرار لها بأية كرامة أو ذمة مالية مستقلة، أو حق في الانتخاب، أو شغل الوظائف العامة، وأنها وسيلة لإمتاع الرجل فقط، وللأسف فإن كثيراً من هذه الممارسات على المرأة قامت باسم المسيحية واليهودية؛ لذا ارتبط في ذهن الغرب أن الأديان كلها ما هي إلا تقييد لحرية المرأة؛ لأنهم عمموا دون أن يعرفوا موقف الإسلام منها، بل إنهم تعمَّدوا تشويه صورته من خلال التراث العدائي وأقوال المستشرقين، الذين كانوا حلفاء الاستعمار والتبشير طَوال تاريخهم.

واستبدل الغرب القيود السابقة بحرية منفلتة، تؤدي لنتائج مدمرة؛ لأنه باسم الحرية اعترفوا بالسِّحاق، وزواج الشواذ، وتقرير حقوق لهم، وجعل تجارة الرقيق الأبيض هي الأوسع انتشاراً في الغرب؛ حيث تحولت المرأة إلى سلعة سواء في البرامج الإعلانية، أو (الفيديو كليب)، أو حتى من خلال عملها في مجالات: (السكرتارية)، والعلاقات العامة، والإعلام، والأنشطة المالية، بكل أنواعها؛ حيث تحولت إلى وسيلة جذب وإغراء.

وتحت مسمى الحرية نجد الاعتراف بالإباحية ونسبة الأبناء غير الشرعيين الذين أصبحوا يمثلون أكثر من 50% في بعض الدول، أو أن يعترف بالأبناء بعد سنوات من الإباحية والإنجاب؛ حيث انقلب الترتيب لديهم، بحيث تبدأ العلاقة بالخِطبة ثم المعاشرة ثم يأتي الزواج متأخراً بعد الإنجاب بسنوات، إذا رغب الزوج، وإذا لم يرغب فلا يجبره أحد عليه، في حين تقوم الأم بوضعه في مؤسسات اللقَطاء إن أرادت ألا تتحمل مسؤوليته. وقد أباحت القوانين الغربية حرية الإجهاض، وعدم الاعتراف بالخيانة الزوجية مسوِّغاً لطلب الطلاق.

وقد أدى هذا الانفلات من القيود إلى تحويل المرأة إلى سلعة على موائد اللئام، همها الأول إشباع غريزتها والتعري، وقد أدى هذا إلى انتشار الإيدز وغيره من الأمراض، وتراجع معدل الخصوبة لدى غالبية النساء، فكثيرات لا يُنجِبنَ، وبعضهنَّ يُنجِبنَ طفلاً واحداً، على الرغم من تشجيع دولهن على الإنجاب، وصرفها مكافآت تشجيعية على كل طفل، بعد أن تحولت هذه المجتمعات إلى حالة الشيخوخة؛ حيث تقل حالات المواليد عن الوَفَيات، أو تساويها في أحسن الأحوال، ولهذا نجد هذه المجتمعات على الرغم من تقدمها العلمي في طريقها للانهيار.

 

امتهان المرأة

في عصر هنري الثامن ملك إنكلترا، أصدر البرلمان الإنكليزي قراراً يحظر على المرأة أن تقرأ الإنجيل؛ لأنها كائن نجس، أما الآن فهم يريدون اقتلاعها من أي علاقة بالدين حتى لو كان وضعيّاً وليس سماوياً، فما خطورة هذا التوجُّه على المسلمات في العالم كله؟

في ظل العولمة وتكنولوجيا الاتصال أصبح العالم قرية كونية صغيرة، ويحاول الغرب فرض ثقافته على البشرية كلها، سواء بالترغيب أو الترهيب، ولهذا نجد الإعلام يظهر المرأة الغربية التي تتفنن في التعري باسم (الموضة) والتحضر، على أنها النموذج والقدوة التي يجب أن تقلدها النساء المسلمات، اللائي عليهن ترك تعاليم دينهم وراء ظهورهن. وعلى نفس النهج نجد الحركات النسوية الغربية، تسيطر على الهيئات الدولية، ابتداء من الأمم المتحدة وتحاول فرض أفكارها على دولنا الإسلامية؛ بإجبارها على التوقيع على ما يراد منها، وإن لم توقع تتعرض لعقوبات، مع التضييق عليها بكل الوسائل حتى تحذو المرأة المسلمة حذو الغربية، التي تعد الدين مرحلة مظلمة في تاريخ البشرية، ولابد من التحرر منها.

 

الوضع المأساوي

زاد زلزال جاوة الطين بِلَّة حيث زاد عدد المتضررين؛ لذا فإن معاناة المرأة والطفل ستزيد، فكيف يمكن أن تواجهوا هذا الوضع المأساوي؟

لن ندخر جهداً في العمل على تضميد الجراح؛ حيث نقوم بحصر الأرامل والأيتام في الأماكن المتضررة، وسنعمل على بدء حملة قومية لجمع التبرعات لتقديم جميع المساعدات اللازمة، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً؛ مما سيؤدي إلى إفساد مؤامرات منظمات التبشير التي تقدم الغذاء مع الدعوة لترك الإسلام، واعتناق الأديان الأخرى؛ ولهذا فإن تقديم الإغاثة للمتضررين ليس مسؤولية مسلمي إندونيسيا فقط، وإنما مسؤولية العالم الإسلامي كله، كل إنسان حسب مقدرته لأن منظمات الإغاثة غير الإسلامية لا تقدم عملاً لوجه الله، وإنما لها أهدافها الخبيثة، سواء كانت معلنة أو غير معلنة.

 

سموم المستشرقين

دس المستشرقون سمومهم حول الوجود الإسلامي في إندونيسيا. فما تفاصيل هذه المؤامرة القديمة المتجددة؟

بلغ عدد المستشرقين الأوربيين الذين ذهبوا لإندونيسيا 215 مستشرق، منهم 12 من هولندا التي استعمرت دولتنا لسنوات طويلة؛ وكان هناك تنسيق بين الاستعمار والمستشرقين لبسط الهيمنة على إندونيسيا؛ وأشهر هؤلاء المستشرقين يدعى سنوك هورخرونيه الذي كان مستشاراً رسميّاً للاستعمار، وقد كانت له محاولات في التشكيك بتاريخ دخول الإسلام لإندونيسيا، إذ ادعى أنه وجود حديث، وليس منذ القرن الهجري الأول، كما تؤكد كتب التاريخ، ويدعي أن الإسلام انتشر بحد السيف، وأُكره غير المسلمين على الدخول فيه.

 

دعاة التغريب

ألا ترين أن ذيول المستشرقين ودعاة التغريب ما زالت مستمرة حتى وإن اختلفت الأسماء والألوان وأصبحوا من أبناء جلدتنا؟

هذه هي الخطورة، حيث تتخذ مطاعن هؤلاء المتأسلمين وسيلة لتشويه صورة الإسلام، وادعاء أنهم "إصلاحيون وتنويريون " يحترمون العقل ويقدسونه، ولهذا لاحظنا أن هؤلاء يحاولون تقويضَ الإسلام من كل جوانبه، وتحت شعارات مختلفة خادعة، سواء بالنسبة للمرأة أو الرجل؛ لأن هناك مخططاً طويل المدى لاقتلاع إندونيسيا من دينها وتحويلها من دولة ذات أغلبية مسلمة إلى دولة غير إسلامية، وأن يكون المسلمون المتبقون فيها مسلمين بالاسم فقط.

 

مستقبل إندونيسيا

ما رؤيتكم لمستقبل الإسلام في بلادكم في ظل هذه المؤامرة المتكاملة عليكم؟

يتوقف مستقبل الإسلام على عاملين:

أولهما: داخلي؛ وهو التنشئة الدينية للأجيال، وتمسك الآباء والأمهات بدينهم، لأنهم القدوة لهم وأن يُدعم التعليم الإسلامي في المدارس والجامعات ووسائل الإعلام والثقافة. وثانيهما: العامل الخارجي؛ وهو مدى دعم المسلمين لإخوانهم في إندونيسيا، سواء كان دعماً ماديّاً بالمساعدات للخروج من الأزمة الاقتصادية الحالية، التي تزايدت مع حدوث زلزال تسونامي وجاوة، وخاصة أن بلادنا في نطاق الزلازل النشطة، ولهذا فإن تكرار هذه الكوارث أمر متوقَّع، ولهذا يجب إنشاء صندوق للإغاثة من الكوارث، ويكون تابعاً لمنظمة المؤتمر الإسلامي، ويخصص هذا الصندوق دخله للتخفيف من آثار الكوارث التي يستغلها الأعداء في تضييع الهوية الإسلامية.

 

كما أن للدول الإسلامية دوراً آخر هو المساعدة في نشر الوعي الديني، سواء عن طريق زيادة المنح الدراسية لأبناء إندونيسيا للدراسة بالجامعات الإسلامية، أو إرسال دعاة إلى إندونيسيا لينشروا نور الإسلام والوعي بتعاليمه في المناطق النائية التي تركز عليها الهيئات التبشيرية المزودة بكل الإمكانيات المادية، حتى إن كثيراً من المبشرين يعيشون وسط الفئات المستهدفة سنوات طويلة، ويجيدون لغتها وتقاليدها، لذا فإن إستراتيجيتهم طويلة المدى، ولابد أن نكون على وعي كامل بها، ونضع إستراتيجية طويلة المدى، لمواجهة المؤامرات التي تحاك ضد الإسلام والمسلمين، ليس في إندونيسيا فقط وإنما في كل الدول الإسلامية، بوسائل مختلفة، تتناسب مع ظروف كل دولة، لأنهم يؤمنون بأنهم سادة الكون، يفعلون به ما يشاؤون، وعلى الآخرين الاستجابة والتنفيذ دون مناقشة؛ لأن البشرية الآن يحكمها قانون الغابة، حيث يأكل القوي الضعيف بلا رحمة، ويسود مبدأ: "الغاية تبرر الوسيلة"، فهل يستشعر المسلمون الخطر، أم أنهم سيظلون متجاهلين للأخطار المحيطة بهم، ثم يبكون على اللبن المسكوب؟ وحينها لا ينفع الندم، فمن لا يجيد قراءة التاريخ ودروسه، ولا يكرر ما وقع فيه من أخطاء، يستحق أن يكون مهملاً، ونحن لا نريد من المسلمين أن يكونوا كذلك.

 

24/2/1428 هجري

14/03/2007 ميلادي

 

http://www.alukah.net                المصدر: