أفغانستان .. الحرب الخاسرة للناتو
أندريس أورتيغا
ترجمة: إدريس الكنبوري
9/2/1429هـ الموافق له 16/02/2008م
لا يبدو أن الحلفاء داخل الناتو مستعدون لتقاسم التضحيات في أفغانستان؛ فقد طلبت الولايات المتحدة سبعة آلاف جندي إضافي؛ لكي تضاف إلى الـ 45 ألفاً و600 جندي المتواجدين هناك (43.100 من الحلف و2500 من بلدان أخرى)، وأعلنت واشنطن أنها سترسل ثلاثة آلاف جندي لكن بصورة مؤقتة، وقد تضايق عدد من أعضاء الحلف من إقدام كاتب الدولة الأمريكي في الدفاع "روبرت جيتس" على توجيه رسائل منفردة إلى البلدان الخمسة والعشرين أعضاء الحلف عشية اللقاء الوزاري الملتئم في "فيلينوس بليتوانيا" يُضمنها مطالب ملموسة لكل عضو مثلما فعل مع إسبانيا حين طالبها بإرسال أفراد من الحرس المدني لمراقبة الحدود، وهو مطلبٌ إسبانيا ليست في حالة استعداد لتلبيته، وصرح "جيتس" جهاراً أن تلك المطالب المنفردة تتعلق بما يجب أن يقوم به الحلف بشكل جماعي، مشيراً بذلك إلى الآخرين وما عليهم القيام به، والذي من دونه لا يمكن للحلف أن يعمل وفق ما صرح به في مؤتمر "ميونيخ" للأمن والسلام الاستراتيجي في دورته الرابعة والأربعين، والذي تمحور حول قضية أفغانستان؛ حيث لا يواجه الحلف رهانات مستقبل البلاد فحسب بل مستقبله هو نفسه.
إن الحاجز الأكبر الذي ينبغي اجتيازه بالنسبة لبعض أعضاء الحلف هو التوجه نحو الجنوب والشرق في أفغانستان، لكن هذا يعني الدخول في مواجهة، وتستبعد ألمانيا هذا الخيار، حيث يعارض 55 بالمئة من الرأي العام الألماني المشاركة في تلك الحرب، وهو نفس الأمر بالنسبة لإسبانيا، أما فرنسا "نيكولا ساركوزي" - التي حضرت المؤتمر من خلال وزيرها في الدفاع هيرفي موران - فتبدو إلى جانب بريطانيا وكندا وهولندا التي شاركت في الملتقى الوحيدة التي خطت خطوة نحو الأمام.
تغيير جوهري:
إنها حرب غامضة غيرت أهدافها وقيادتها واستراتيجيتها منذ بدايتها عقب تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، صحيح أنه قد حصل بعض التقدم، لكن خطر خسارتها في الميدان ووسط الرأي العام الأفغاني الذي يرى في قوات حلف الناتو قوات احتلال، وأيضاً وسط الرأي العام الغربي؛ هو خطر وارد الاحتمال بشكل أكبر.
ويقول "ليندسي غراهام" النائب الجمهوري في مجلس النواب الأمريكي، المقتنع بأن الحرب في العراق يمكن أن تكون رابحة: "على الرغم من أننا لا نخسر إلا أن المؤكد أننا لا نربح".
هناك مشكلة في المفهوم الذي أراد حلف الناتو توضيحه بنشره عشية قمة بوخاريست في أبريل الماضي لوثيقة تتعلق بالرؤية الاستراتيجية التي تتحدث عن أهداف تلك الحرب، والحاجة إلى الجمع ما بين العملية العسكرية وإعادة إعمار البلاد ووضعها بيد الأفغان؛ لكي يشعر السكان بالأمن، لكن ليس من السهل أن يرى جندي من الجيش الأفغاني الجديد نفسه يتقاضى أجراً أقل بكثير مما يتلقاه مقاتل مجند في حركة طالبان، وقد نقل تنظيم القاعدة مركز ثقله من العراق إلى أفغانستان.
في جميع الأحوال لقد حصل في ميونيخ اتفاق واسع على أن هذه الحرب لن يتم تحقيق الانتصار فيها عبر الوسائل العسكرية فقط مثلما اكتشف البريطانيون والسوفييت في الماضي، ولكن يمكن الحصول على قوة عسكرية إضافية على المدى المتوسط حسب تصريحات وزير الدفاع الفرنسي، غير أن الباكستان لن تقدم أي دعم.
وفي جنوب وشرق البلاد يجد الناتو نفسه متورطاً في مناطق لم يسبق أبداً أن سيطر عليها ما عدا القبائل المحلية، ومن المحتمل - وفق ما أشار إليه بعض البريطانيين - أن تتم المراهنة على ما يسمى"أتباع طالبان المعتدلون"، لكن من المستحيل أو غير المقبول توظيفهم جميعاً، علماً بأن الرئيس الأفغاني لا يحب سماع الحديث عن هذا الموضوع، فحامد كرزاي لا يسيطر إلا على جزء قليل من التراب الأفغاني إلى حد أن البعض يصفه بـ"عمدة كابول"، فهو يقف على رأس حكومة لا تسيطر على أبعد من العاصمة، ومليئة بالأشخاص الفاسدين، وقد رفضت تلك الحكومة تعيين الليبرالي البريطاني بادي آش داون منسقاً محلياً لقوات الناتو؛ لأن عدم التنسيق بين مختلف التنظيمات المدنية الموجودة في أفغانستان واقع ملموس، لكن الحكومة الأفغانية رفضته لأنه بريطاني، ولأن كرزاي والأفغان لا ينظرون بعين الرضا إلى القوة الاستعمارية القديمة.
ويبدو أن حلف الناتو لا يصلح لهذا النوع من الحروب البعيدة عن محيطه، فالواقع أن الحلف - الذي تحول بحسب كاتب الدولة الأمريكي في الدفاع جيتس إلى "قوة استكشافية متعددة الأوجه" - لم يخض أي مَهمة جديدة منذ العام 2003م، فيما قامت الأمم المتحدة بعشر مهام إضافية، إن الحلف الذي سيحتفل في العام المقبل بالذكرى الستين لإنشائه؛ لا يوجد في خطر، ولكنّ الكثيرين تساءلوا في مؤتمر ميونيخ داخل الكواليس: هل ستكون أفغانستان أول وآخر حرب برية بالنسبة للحلف؟.