الفقر يجتاح إسرائيل!
يهودا طلمون - يديعوت أحرنوت
ترجمة: صالح النعامي
20/2/1429هـ الموافق له 27/02/2008م
المعطيات التي اشتمل عليها تقرير الفقر في إسرائيل للعام المنصرم، والتي صدر مؤخراً عن مكتب الإحصاء المركزي في دولة الاحتلال؛ حملت دلالات خطيرة بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي؛ فبحسب هذه المعطيات فإن 25% من الإسرائيليين يعيشون تحت خط الفقر، والأكثر إثارة من ذلك هو حقيقة أن 40% من الفقراء هم من العمال الذين لا تكفي عوائدهم المالية لسد رمقهم.
حكومة إيهود أولمرت شكلت لجنة لدراسة أسباب الفقر أطلقت عليها "لجنة يتسحاكي"، ولكن الاستنتاجات التي توصلت إليها هذه اللجنة أثارت حفيظة العديد من المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية؛ لأنها حـمّلت الفقراء المسؤولية عن أوضاعهم الاقتصادية.
يهودا طلمون رئيس مكتب منظمات الاقتصاديين في إسرائيل كتب مقالاً في صحيفة "يديعوت أحرنوت" هاجم فيه "نتائج تقرير لجنة "يتسحاكي" التي تلقي باللائمة في مستويات الفقر في إسرائيل على الفقراء أنفسهم، فيما يمثل مؤشراً على الطريقة البائسة التي تتعامل بها الحكومة الإسرائيلية مع مشكلة الفقر.
ففي الوقت الذي وصلت فيه معدلات النمو الاقتصادي السنوية إلى أكثر من 4.5%، وتقلصت البطالة بنسبة 7%، وبلغ حجم الفائض في ميزانية الدولة أكثر من 14 مليار شيكل (4 مليار دولار)؛ فإنه لا يُعقل أن يعيش العاملون تحت خط الفقر، والذي يثير الاستهجان بشكل خاص؛ هو حقيقة أنه بدلاً من تكريس الجهود لحل هذه المشكلة بشكل جذري فإن الجدل بات ينصب حول المعايير التي يتوجب قياس مشكلة الفقر بها في ظل البحث عن متهمين عن التسبب بالمشكلة في أوساط الفقراء أنفسهم، حيث أن تقرير لجنة "يتسحاكي" يدعي أن جزءاً من مشكلة الفقر يرجع إلى ارتفاع معدلات الطلاق في أوساط الفقراء، وبسبب اتخاذهم قرارات اقتصادية خاطئة على الصعيد الشخصي.
ويكمل "طلمون": "إن انشغالنا المَرَضيّ بتحديد معايير لقياس الفقر يدلل على أننا كمجتمع فقدنا الإحساس الاجتماعيّ، وأصبحنا نركز على شكل الأزمة وليس على جوهرها، ومن المثير للقلق حقيقة أن جمهور الفقراء يتضمن أسراً واحد على الأقل من أفرادها يعمل، حيث يؤكد التقرير أن 40% من الفقراء في إسرائيل ينتمون إلى أسر عاملة.
أرباب الأسر العاملة الذين ينتشر في أوساطهم الفقر؛ يملكون مشاريع صغيرة خاصة، وقد دلّ تقرير الفقر الصادر عن مؤسسة التأمين الوطني على أن نسبة الفقر في أوساط الذين يملكون مشاريع خاصة زادت في العام 2007م بنسبة 4.9% عما كانت عليه الأمور في العام 2006م.
منذ سنوات كان هناك الكثير من الدلائل التي تؤكد أن مشكلة الفقر زادت بشكل كبير في أوساط أصحاب المشاريع الخاصة مقارنة بالعمال الذين يعملون في القطاع العام، حيث إن 16.4% من أصحاب المشاريع الخاصة هم من الفقراء.
المعطيات تؤكد بشكل قاطع أن الانضمام لسوق العمل والنمو الاقتصادي لا يكفيان لتقليص حدة مشكلة الفقر في المجتمع الإسرائيلي، ولا يغنيان عن وجود خطة اقتصادية شاملة لمعاجلة الفقر سواء في أوساط أصحاب المشاريع الصغيرة، أو العاملين في القطاع العام.
هناك حاجة لوجود خطة لتشجيع المجموعات السكانية التي ينتشر في أوساطها الفقر بشكل أكبر من غيرها سيما أتباع التيار الديني الأرثوذكسي والعرب، وذلك من خلال تشجيع الناس في هذه المجموعات على الانضمام لسوق العمل، ومما لا شك فيه أن معالجة الفقر تتطلب تخفيض قيمة الضرائب المفروضة على أصحاب المشاريع الاقتصادية الصغيرة، كما أنه يتوجب تعديل قانون المناقصات بحيث يتاح لأصحاب المبادرات الاقتصادية الصغيرة المشاركة فيها.
إن معطيات تقرير "يتسحاكي" بشأن الفقر تدلل بشكل لا يقبل التأويل على أن صناع القرار لدينا غير قادرين على رؤية المخاطر الكامنة في هذه المشكلة، وغير معنيين بالاستماع للناس الذين يعانون، وبدلاً من تحريك المياه الراكدة فإنهم ينشغلون في الجدل الهاذي حول المشكلة، دون أن يترافق ذلك بتحرك عملي لحلها.
إن تقرير لجنة "يتسحاكي" الذي يزعم أن الفقراء يقضون وقتهم وهم يسكرون، ويلعبون القمار؛ قد أرجع المجتمع الإسرائيلي 20 عاماً للخلف، فكيف يجرؤ معدو التقرير على القول بأن بعض الفقراء في إسرائيل لا يشترون المواد الغذائية من أجل شراء الخمر، أو لاستخدام المال في لعب القمار والرهانات، ويتهمون أصحاب المشاريع الخاصة بالتهرب من دفع الضرائب.
الطريق المثلى لمحاربة الفقر تتلخص في توجيه ميزانية الدولة لتنفيذ المشاريع التي تؤدي إلى تقليص مشكلة الفقر، وإلغاء التقليصات في المساعدات المخصصة للفقراء، والتي من الممكن أن تساهم في عدم دفع أوضاعهم نحو مزيد من التدهور، إلى جانب إعداد العمال بشكل مهني؛ لكي يتم استيعابهم في الوظائف والأعمال التي تتطلب إعداداً مهنياً.
25% من الإسرائيليين يعيشون تحت خط الفقر، 40% من هؤلاء يعملون، وهذا يعني أن ميزانية الدولة يجب أن توفر حلولاً لمشكلة هؤلاء، فتعداد رؤوس الفقراء في إسرائيل يجب أن يتوقف.