المدمرة كول .. غزو للبنان أم تهديد لقمة سوريا أم لحزب الله؟
29/2/2008م
جاءت الخطوات الأمريكية بنشر سفنها الحربية وعلى رأسها المدمرة "كول" بالقرب من سواحل لبنان لتفتح خطوط النيران صوب أماكن عدة تقف حجر عثرة في تحقيق الأطماع الأمريكية في لبنان خاصة والشرق الأوسط عموماً، كما يتوقع أن تثير ردود أفعال مختلفة على جميع المستويات في ظل الهولوكوست التي يهدد بها الصهاينة في غزة.
ففي الوقت الذي فشل فيه اللبنانيون في اختيار رئيس جديد بسبب قوة المعارضة التي يقودها حزب الله؛ نجد القمة العربية المقرر عقدها في دمشق أواخر مارس تواجه حرجاً شديداً في ظل غموض الموقف اللبناني، واشتعال الجبهة الفلسطينية بعدوان صهيوني غاشم ومتكرر يومياً؛ راح ضحيته عشرات الشهداء خلال الأيام القليلة الماضية.
وفي أول رد فعل على التهديدات الأمريكية رفض حزب الله اللبناني قرار الإدارة الأمريكية بتحريك المدمرة "يو أس أس كول" وسفينتين حربيتين أخريين إلى قبالة السواحل اللبنانية، معتبراً أن مثل تلك الخطوة تهدد البلاد، ولا تؤثر على الحزب.
ففي مقابلة تلفزيونية اليوم الجمعة قال حسن فضل الله النائب عن حزب الله في البرلمان اللبناني: "نحن نواجه تهديداً أمريكياً ضد لبنان، لكن مثل هذا التهديد الواضح والتهويل والتخويف لن يؤثر علينا"، وأضاف فضل الله أن نشر السفن الحربية الأمريكية في المنطقة يشكل تهديداً للاستقرار الإقليمي بأكمله، وهي خطوة ستزيد من حجم التوتر في لبنان، وقال: "إن التحرك الأمريكي يهدد الاستقرار في لبنان والمنطقة برمتها وهو محاولة أمريكية لإذكاء روح التوتر، ولكن نحن لا نرضخ للتهديدات والترويع العسكري الذي تمارسه الولايات المتحدة من أجل فرض هيمنتها على لبنان".
جاء موقف حزب الله بعد يوم واحد من إعلان واشنطن عن عزمها إرسال سفنها الحربية للتمركز قبالة الشواطىء اللبنانية "بهدف دعم الاستقرار الإقليمي" حسبما أفاد مسئول رسمي أمريكي.
وذكر مسئول أمريكي في تصريح لوكالة رويترز للأنباء أن المدمرة "يو أس أس كول" قد غادرت بالفعل مالطة يوم الثلاثاء الماضي، واتجهت نحو السواحل اللبنانية، مشيراً إلى أنها "لن تكون في مجال الرؤية من لبنان".
وأوضح المسؤول لرويترز "إن هناك توتراً في لبنان نجم عن تهديدات حزب الله، وشعور عام بأن المشكلة لن تحل قريباً".
من جهته أشار الأدميرال مايكل مولن رئيس هيئة الأركان المشتركة في جيش الحرب الأمريكي إلى أن إرسال المدمرة "يو أس أس كول" إلى المنطقة ليس موجهاً ضد دولة بعينها، ولكن إلى المنطقة ككل، قائلاً: إن هذه مجموعة سفن ستقوم بعملياتها في منطقة شرق المتوسط المهمة جداً بالنسبة إلى الولايات المتحدة".
على صعيد آخر قال ديفيد شنكر المحلل السياسي المختص بشؤون الشرق الأوسط في معهد واشنطن "إن التحرك لا يعدو كونه خطوة رمزية لإخافة سوريا".
واعتبر شنكر أن فعالية هذا التحرك قد تكون أقل من فعالية القرارات التي اتخذتها الإدارة الأمريكية على مدى الأسابيع الماضية، وفرضت فيها حظراً على شخصيات سورية بسبب الفساد مثل رامي مخلوف رجل الأعمال وابن خال الرئيس السوري بشار الأسد.
يذكر أن الأطراف السياسية في لبنان فشلت حتى الآن في انتخاب رئيس للجمهورية خلفاً للرئيس السابق إميل لحود الذي أنهى ولايته في 23 نوفمبر الماضي، وذلك على الرغم من الموافقة المبدئية على انتخاب قائد الجيش الحالي ميشال سليمان لمنصب الرئاسة.
ويقول فريق الأكثرية النيابية الذي يتزعمه النائب سعد الحريري: إن انتخاب الرئيس يجب أن يتم فوراً، وبدون شروط مسبقة، بينما ترفض المعارضة وعلى رأسها حزب الله ومعه التيار الوطني الحر بزعامة النائب ميشال عون تأمين نصاب جلسة الانتخاب إذا لم يتم مسبقاً الاتفاق على تشكيلة حكومة الوحدة الوطنية.
وحاولت الصحف اللبنانية قراءة الأبعاد السياسية للخطوة التي قالت صحيفة "النهار" المستقلة والقريبة من أوساط الأكثرية إنها قد فاجأت جميع الأوساط الرسمية والسياسية اللبنانية، وأن القرار يتسم بغموض كبير إذ جاء من دون مقدمات أو مؤشرات مسبقة، وأحيط بغلاف من التبريرات التي لم ترق حتى الأوساط الحكومية والموالية في لبنان.
وأشارت معلومات الصحيفة إلى أن الحكومة اللبنانية لم تكن على علم بهذه الخطوة، وأنها لم تتبلغ من أي مسئول أمريكي نية واشنطن لاتخاذ مثل هذه الخطوة.
وقالت الصحيفة: إن الأوساط السياسية اللبنانية في الأكثرية والمعارضة تميل إلى إدراج الخطوة الأمريكية في سياق إقليمي أوسع من النطاق اللبناني بذاته باعتبار أن ليس في الوضع اللبناني ما يستدعي خطوة كهذه لا من حيث إجلاء رعايا أميركيين، ولا من حيث معطيات تنذر بمواجهة إقليمية محتملة راهناً انطلاقاً من الأرض اللبنانية.
وأشارت إلى أنه ينتظر أن يسعى المسئولون اللبنانيون اليوم إلى تقصي حقيقة الخلفيات الكامنة وراء هذه الخطوة والسعي إلى منع حصول مضاعفات سياسية داخلية لها خصوصاً أن أي فريق ليس معنياً بها، مما يقطع الطريق على محاولات محتملة لتوظيفها في سياق الصراع الداخلي.
أما صحيفة "السفير" المعارضة فقد اعتبرت إرسال المدمرة البحرية الأمريكية إلى المياه الإقليمية اللبنانية بأنه يدخل لبنان ومعه المنطقة في منعطف سياسي خطر يعيد إلى الأذهان التدخل العسكري الأمريكي في لبنان في نهاية الخمسينيات ومطلع الثمانينيات.
وأشارت إلى أن الإدارة الأمريكية ربما تستكمل مع هذا القرار سياقاً ارتسمت معالمه الأولى مع صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559 قبل نحو أربع سنوات، مما ينذر بالمزيد من التأزم الداخلي اللبناني، ويلوح بخطر حروب جديدة قد تتخطى الحدود اللبنانية.
ووصفت الصحيفة القرار الأمريكي بأنه حربي الطابع، ومغلف بذريعة وقف أو منع التهديد السوري للبنان، واعتبرت أنه يكشف عن حقائق كثيرة كان يجري تمويهها بتعظيم شأن الأزمة الرئاسية في لبنان قبل أربعة أيام من بدء زيارة وزيرة الخارجية الأميركية كونداليزا رايس إلى إسرائيل.
ولفتت صحيفة "السفير"إلى أن إدارة الرئيس جورج بوش لم تستفد من الدرس اللبناني في الثمانينيات، ولا من الدرس العراقي المستمر، بل هي تتوغل في اعتماد سياسة القوة أو التلويح بها على الأقل حتى الآن في سياق الضغط السياسي المكشوف على المعارضة اللبنانية وسوريا، ورأت أن القرار يشكل خطوة أولى في حملة أمريكية تصاعدية تعوض من جهة الفشل الإسرائيلي في حرب يوليو عام 2006م، وتستكمل من جهة ثانية العقوبات التي تفرضها على القيادة السورية، وتتقاطع من جهة ثالثة مع الخلاف العربي العربي الذي يقترب من ذروة جديدة مع التحضير للقمة العربية المقرر عقدها في دمشق الشهر المقبل.
واعتبرت صحيفة "السفير" أن الخطوة الأمريكية الجديدة ستؤدي إلى ازدياد حدة الاستقطاب الداخلي اللبناني قبل أن يتضح ما إذا كانت واشنطن قد أرسلت طلائع أسطولها المتوسطي إلى المياه اللبنانية من أجل تفجير هذا الاستقطاب، وتحويله إلى مشروع فتنة داخلية.
واستنتجت الصحيفة أن المهمة الأولى للمدمرة الأمريكية بعد إرهاب سوريا، وبعد توفير الدعم الاستثنائي لمن يطلبه أو يحاول توظيفه في اللعبة السياسية المحلية اللبنانية؛ هي حماية الممتنعين عن المشاركة في القمة بذريعة عدم إغضاب الإدارة الأمريكية التي ليس من المصلحة إغضابها.
وقالت: إن المدمرة تستهدف القمة بمضيفها السوري وبحضورها من القادة العرب الذين قد يدفعهم التزامهم إلى المشاركة، كذلك فهي تستهدف تعميق الانقسام العربي، ودفع أطرافه إلى حافة الحرب عبر الإيحاء بأن المعركة إن وقعت ستكون مع أقوى قوة في الكون.
وأضافت الصحيفة: إن هذا التهديد يستهدف بعد سوريا المقاومة في لبنان، وإن بقيت إيران في دائرة النار خصوصاً وأنها محاصرة بخمس حاملات للطائرات، إضافة إلى العديد من المدمرات، ومئات الطائرات الجاهزة للانطلاق من قواعد أمريكية.
وحذرت من أن هذا الإنذار الأمريكي سوف يفرض حالة من الاستنفار والتأهب عند كل المستهدفين به بقدر ما سوف يسمح لإسرائيل بمواصلة المذبحة ضد الفلسطينيين عموماً، وتبقي الأوضاع في المنطقة عالقة حتى أول إشعار من أو ضد المدمرة "كول".