تداعيات الهزيمة الأطلسية في أفغانستان
د. محمد مورو
24 صفر 1429هـ الموافق له 2- 3- 2008م
من الضروري على كل القوى الرسمية والشعبية في المنطقة العربية والإسلامية أن تضع تصورات وسيناريوهات لتداعيات الهزيمة الأمريكية والأطلسية في أفغانستان، وبديهي أن تداعيات تلك الهزيمة خضعت لأبحاث ودراسات كثيرة ومتنوعة داخل أروقة وزارات الدفاع والخارجية، ومراكز البحث العلمي الأوروبية والأمريكية؛ بل والدولية استعداداً لذلك اليوم، وحتى لا يفاجأ هؤلاء بالأمر فلا يستطيعون استثماره سلباً أو إيجاباً، وبقي أننا كدول وكجماعات سياسية ومراكز أبحاث يجب أن نقوم بهذا الدور.
بداية فإن ملامح هذه الهزيمة تلوح في الأفق، فقد اعترف مدير المخابرات الأمريكية مايك ماكونيل أن الوضع الأمني في أفغانستان يتدهور بسرعة، وأن حكومة الرئيس حامد كرازاي لا تسيطر إلا على أقل من ثلث البلاد، وذلك بعد ست سنوات من الوجود العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في أفغانستان، ومئات المليارات من الدولارات التي تم إنفاقها بدعوى الحرب على الإرهاب.
من جانب آخر فإن خبراء ملف الناتو أعربوا أكثر من مرة عن أن الحلف يعاني من تدهور كبير في القدرات العسكرية داخل أفغانستان، وناشد الحلف أكثر من مرة الدول المشاركة فيه بزيادة قدراتها في أفغانستان، وتم الاستجابة لذلك في بعض الأحيان، ولكن هذا لم يؤد إلى وقف التدهور بل استمر تصاعد المقاومة باضطراد هناك لدرجة سيطرة حركة طالبان والقبائل على 70 % من الأراضي الأفغانية، بل إن الـ30% الباقية التي تسيطر عليها حكومة كرازاي وقوات الناتو مشكوك في أمرها، لأنها سيطرة نهارية فقط، وأن الليل يصبح كابوساً على كرازاي وقواته وقوات الناتو لدرجة أن هؤلاء يصبحون في الليل أسرى وحبساء داخل القصر الرئاسي أو المعسكرات المغلقة.
وعملياً فإن هناك تصاعداً ملحوظاً في قدرة طالبان أصبح حقيقة ملموسة في العام الماضي2007م، ويزداد مع الأيام، والحديث عن سيطرة أطلسية وأمريكية على أفغانستان وهزيمة طالبان الذي كان صحيحاً جزئياً عام 2001م وما بعدها؛ أصبح الآن أضغاث أحلام.
يجب في البدء أن نضع مجموعة من الحقائق، ومن ثم نصل إلى التصور الصحيح لدراسة تداعيات هزيمة حلف الناتو في أفغانستان:
- الحرب ضد طالبان واحتلال أفغانستان تم عام 2001م عقب أحداث 11 سبتمبر 2001م، وأن تلك الحرب كانت بمثابة إعلان أمريكي كامل عن بدء ما يسمى بالحرب على الإرهاب، وأن الولايات المتحدة الأمريكية اعتبرت تلك الحرب هي أهم التحديات التي تواجهها، وصاحب ذلك التفكير فيما يسمى بالقرن الأمريكي، والإمبراطورية الأمريكية حول العالم التي تبناها المحافظون الجدد الذين سيطروا على البيت الأبيض، ومن ثم على القرار الأمريكي.
- إن الحرب على أفغانستان حظيت بتأييد أوروبي واسع النطاق، بل شاركت قوات أطلسية وأوروبية في ذلك إيماناً من هؤلاء أن الإرهاب يمثل خطراً على أوروبا كما هو خطر على أمريكا.
- عندما أقدمت الولايات المتحدة الأمريكية على غزو العراق في إطار مشروع المحافظين الجدد بشأن الإمبراطورية الأمريكية لم يحظ هذا القرار بتأييد أوروبي كامل خوفاً من تحكم الولايات المتحدة في منابع النفط، وتهديد الرأسماليات الأوروبية واليابانية والصينية لحساب الرأسمالية الأمريكية.
- إن المقاومة العراقية التي صعدت سريعاً عقب الغزو نجحت في إفشال المشروع الأمريكي لاحتلال المزيد من الأراضي، أو إسقاط حكومات هنا وهناك، وانتهى الأمر في العراق بما يمكن أن نطلق عليه "المستنقع الأمريكي"، والمحصلة لكل هذا أن المشروع الإمبراطوري الأمريكي قد فشل بسبب المقاومة العراقية، وهذا يعني بداية عودة اللاعب الروسي، واللاعب الصيني، واللاعب الأوروبي إلى التأثير الدولي، وليس انفراد الولايات المتحدة بالأمر كله، ولكن في المقابل فإن أخطاء أجنحة من المقاومة العراقية أعطى الفرصة للأمريكان لإفساد الانتصار العراقي، بمعنى أن من المفروض أن يكون الانتصار العراقي بداية لصعود عربي وإسلامي باتجاه تحرير فلسطين، وإنهاء النفوذ الأمريكي، ولكن الذي حدث أن الولايات المتحدة نجحت في إشعال فتيل الحرب الأهلية الطائفية في العراق من ناحية، بل وباختراق السنة عن طريق مجالس الصحوة من ناحية أخرى، ويجب أن نعترف هنا أن ذلك تم عن طريق ارتكاب أجنحة من المقاومة العراقية لأخطاء فادحة.
- أياً كان الأمر فإنه لأسباب تتصل بطبيعة التركيب السكاني للعراق، وبسبب أخطاء المقاومة؛ فإن العراق لن تصبح قاعدة للقوى المناهضة لأمريكا وإسرائيل بسهولة، وسيحول دون ذلك خيانات الأحزاب الشيعية، وتورطات الأحزاب الكردية، وتردد قطاعات من السنة، وأخطاء المقاومة العراقية الفادحة.
- على عكس ذلك فإن الوضع في أفغانستان مختلف فحركة المقاومة شبه موحدة "طالبان"، والقاعدة في أفغانستان لأسباب تتصل بالأوضاع الجغرافية والسياسية لم ترتكب أخطاء كما ارتكبت في العراق، وطالبان ذاتها تتمتع بسمعة حسنة، ولم تتورط في حماقات داخلية تفجر الوضع الاجتماعي الأفغاني، بالإضافة إلى ذلك فإن البشتون يمثلون أغلبية الشعب الأفغاني، كما أن هناك امتداداً سياسياً وعرقياً للمقاومة الأفغانية داخل باكستان المجاورة عن طريق بشتون باكستان، وعن طريق وجود نفوذ ووجود سياسي وتنظيمي لكل من القاعدة وطالبان في باكستان، فهناك أيضاً طالبان باكستانية، ثم إن الأوضاع العرقية والقبائلية في تلك المنطقة تعمل لصالح المقاومة ضد أمريكا، بعكس الأوضاع الإقليمية والطائفية في الحالة العراقية، فالامتداد الجغرافي يعمل ضد المقاومة، وخاصة "الجوار الإيراني".
وهكذا فإن إمكانية أن تتحول أفغانستان مع بعض مناطق من باكستان وربما باكستان كلها إلى قاعدة لمناهضة أمريكا؛ أمر وارد جداً، بالإضافة إلى ذلك فإن الحرب الأمريكية على الإرهاب تكون قد فشلت فشلاً ذريعاً بهزيمة الناتو في أفغانستان، إذن فهزيمة الناتو في أفغانستان تكون هزيمة ليس لأمريكا وحدها بل لأمريكا والغرب وحلف الناتو بالكامل، ومن ثم فإن لذلك آثاراً نفسية واستراتيجية في إطار الصراع الحضاري والصراع السياسي والعسكري في العالم، وتلك المنطقة إذا ما ظهرت فيها قوة راديكالية ضد أمريكا، وسيطرت على السلطة في أفغانستان مثلاً؛ فإن نظرية الدومينو سوف تفعل فعلها، وتتساقط دول ومناطق مجاورة لصالح القوى المناهضة لأمريكا، ومن ثم تصبح خطراً على أمريكا ذاتها، وعلى الغرب كله، وربما تكون بداية العالمية الإسلامية الثانية، والله - تعالى- أعلم.