تقرير:
هل انتصر الحجاب على أتاتورك؟
5/02/1429هـ
الخليج/ بناء على طلب من مصطفى كمال أتاتورك، وقبل عام من وفاته؛ أقر البرلمان التركي يوم 5 شباط / فبراير 1937م العلمانية كمبدأ أساسي في الدستور والنظام السياسي القائم في البلاد، وشهدت تركيا منذ ذلك التاريخ بل منذ قيام الجمهورية التركية عام 1923م نقاشاً واسعاً على جميع المستويات فيما يتعلق بمفهوم العلمانية، وتفسيرها العملي على الصعيدين السياسي والشعبي، حيث اعتبر الكثير من الإسلاميين العلمانية عداءً للإسلام الذي يدين به 99% من الشعب التركي، فيما قال مؤيدو العلمانية: إن ذلك طريقهم الوحيد لإبعاد تركيا عن محيطها العربي والإسلامي "المتخلف"، وتحويلها إلى دولة ديمقراطية حضارية بكل المعايير والمقاييس الأوروبية التي لم تتفق هي أيضاً على تعريف مشترك للعلمانية.
وبعد 71 عاماً من اعتماد العلمانية رسمياً أقر البرلمان بأغلبية ساحقة تعديلات دستورية سمحت للمحجبات بدخول الجامعات والمؤسسات التعليمية العليا، واعتبرت أحزاب وقوى المعارضة العلمانية هذه التعديلات خطوة أولى على طريق رفع الحظر المفروض على الحجاب في جميع مؤسسات ومرافق الدولة الرسمية، وتحويل تركيا إلى دولة إسلامية معتدلة في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير؛ ليتم تسويقها إلى الدول العربية والإسلامية الأخرى كنموذج ديمقراطي مقبول من الجميع.
وترفض الحكومة جميع هذه الاتهامات، وتقول: إن التعديلات الدستورية تأتي تأكيداً لحقوق الإنسان والحريات الديمقراطية التي تقر المساواة بين المواطنين في مجال التعليم وأي مجال آخر، كما تلفت الحكومة الانتباه إلى تأييد حوالي 70% من المواطنين لإلغاء الحظر المفروض على الحجاب في الجامعات.
مهما كان موقف الحكومة ورد فعل المعارضة على ذلك؛ فقد بات واضحاً أن تركيا مقبلة على مرحلة مهمة بل استراتيجية ستحدد الكثير من ملامح المرحلة المقبلة في تاريخها المعاصر، لأن التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان، وسمحت للمحجبات بدخول الجامعات؛ ستتيح لاحقاً الفرصة للمحجبات بالعمل في مؤسسات ومرافق الدولة الرسمية، فعلى سبيل المثال فإن الفتيات المحجبات اللواتي سيتخرجن في الجامعات وهن محجبات سيخلقن مشكلة جدية في الجامعات عندما يقررن العمل في هذه الجامعات أولاً كطلبة دكتوراه، ثم التدرج في السلم الأكاديمي بصفة موظف رسمي في الجامعة التي هي مؤسسة رسمية يمنع الدستور العمل فيها كباقي مؤسسات الدولة بالحجاب الآن.
كما أن المئات ولاحقاً الآلاف من الفتيات المحجبات اللواتي سيتخرجن في الجامعات ستقاضين الدولة إذا رفضت توظيفهن في أي مجال من مجالات تخصصهن، وهو ما سيضع القضاء أمام أزمات جدية ستنتهي من دون شك بانتصار المحجبات طالما أن حزب العدالة والتنمية سيبقى يحكم تركيا حتى عام 2012م، وربما لخمس سنوات لاحقة بغياب المعارضة الجدية في اليسار واليمين.
وهنا يطرح الجميع السؤال الاستراتيجي بالنسبة لمستقبل الديمقراطية والعلمانية، فإذا صوت غالبية المواطنين في الانتخابات البلدية العامة التي ستجري في مارس/ آذار العام المقبل وربما نهاية العام الجاري لحزب العدالة والتنمية الحاكم فالوضع سيكون أكثر وضوحاً بالنسبة للدولة والأمة التركية، وبالطبع الجيش أيضاً، لأنه حينها لن يستطيع أحد أن يعترض على سياسات الحكومة طالما أنها مدعومة من غالبية الشعب وفقاً للمعايير والمقاييس الديمقراطية المتبعة في البلاد، حيث يعرف الجميع أن غالبية الشعب التركي الذي ينتمي للطبقات المتوسطة ميوله يمينية محافظة بملامحها الدينية والقومية، وهو ما يفسر تأييد حزب الحركة القومية لحزب العدالة والتنمية في موضوع الحجاب على الرغم من هجومه العنيف جداً على الحزب المذكور خلال الحملة الانتخابية في تموز/ يوليو الماضي.
في الوقت الذي يستمر فيه رهان القوى العلمانية التي لم يعد لها تأثير في الشارع الشعبي على موقف جنرالات الجيش الذين نجح أردوغان في إلهائهم بموضوع حزب العمال الكردستاني جنوب شرق البلاد، وفي شمال العراق خاصة بعد أن خسر الجيش من يدعمه في الداخل والخارج من أمثال رجال الأعمال الكبار الذين لا يريدون أن يغامروا بمصالحهم الشخصية مع الحكومة والدولة.
كما يعرف الجميع أن العواصم الأوروبية والأهم واشنطن لا ولن تعطي الضوء الأخضر للعسكر إذا ما فكروا بأي تدخل مباشر ضد حكومة أردوغان الذي يعي هذه الحقيقة جيداً، ويتحرك وفقاً لمعطياتها الداخلية والخارجية طالما أن غالبية الشعب راض على تصرفات حكومته سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وهو ما يدفع البعض لوضع العديد من السيناريوهات المختلفة فيما يتعلق بالأزمة المالية المحتملة التي قد تنفجر في أمريكا بانعكسات ذلك على أوروبا والعالم وتركيا، حيث زادت الديون الخارجية والداخلية على 400 مليار دولار على الرغم من قرارات الخصخصة التي شملت عدداً كبيراً من مؤسسات القطاع العام الأساسية خلال السنوات الأربع الماضية.