الميلشيات و تخريب التعليم في العراق
وليد الزبيدي
قد يتفاجأ الكثيرون بقصص ووقائع الغش الجماعي، التي تجري في العديد من المناطق والأحياء في العاصمة العراقية ومدن أخرى وبالأخص في الامتحانات النهائية التي تؤهل الطلبة لدخول الجامعات، وقد يتصور البعض أن هذا الكلام فيه مبالغة، بل قد لا يمكن تصور حصول مثل هكذا أمر في أخطر مفاصل بناء المجتمع والدولة وهو التعليم.
مهما قيل عن حجم التخريب الممنهج، الذي حصل في قطاع التعليم في العراق، خلال سنوات الاحتلال الأميركي لهذا البلد، فإن الصورة لن تكتمل، لأن الكثيرين لا يؤمنون بمقولة، أن أحد الأهداف المهمة لمشروع احتلال العراق، هو تحقيق ما يمكن تسميته بتصحير هذا البلد ثقافياً ومعرفياً، ولكن ثمة الكثير من الحقائق والوقائع والمؤشرات، تثبت بما لا يقبل الشك، أن عملية تخريب التعليم في العراق، قد جرت وفق خطة منهجية دقيقة، وتفاصيل ما حصل ويحصل يثبت ذلك، لهذا سأبدأ من آخر السلسلة وصولاً إلى بداياتها.
ما سأرويه هنا، يتحدث به العراقيون على نطاق واسع، ويعرفون تفاصيله الخطيرة، فقد شهدت الامتحانات النهائية لمرحلة (البكالوريا) التي تؤهل الطلبة العراقيين الدخول إلى الجامعة، ما لم يحصل في مدارس المعمورة من العالم، وقد حصل الآتي، ففي المئات من المراكز الامتحانية، التي تسيطر عليها الميليشيات وبعض المجاميع، التي تمتهن الجريمة من اختطاف وقتل وتعمل على إثارة الفتنة بين أبناء المجتمع العراقي، جرى في هذه المراكز الامتحانية تقديم الإجابات على الأسئلة المركزية إلى الطلبة، ففي بعض المدارس أمسك أشخاص بالميكروفون، وبدأوا بقراءة الأجوبة النموذجية، التي تجيب على الأسئلة، ولم يتردد هؤلاء الأشخاص المكلفين بهذه المهمة في إعادة القراءة عدة مرات، ليتمكن الجميع من إكمال الإجابة في الدفاتر الامتحانية.
في مناطق أخرى دخلت مجاميع من هذه العصابات، وهددوا الأساتذة والمراقبين ومدراء المراكز الامتحانات بالتصفية بعد تعذيبهم ورمي جثثهم في المزابل والطرقات، إذا لم يكتبوا حلول الأسئلة أمام الطلبة، فما كان من هؤلاء الأساتذة إلا الانصياع التام لأوامر الخارجين على القانون، وتقديم الإجابات كاملة إلى الطلبة، الذين سارعوا لكتابة ذلك في الدفاتر الامتحانية، لأنها جاءت من لسان الأستاذ المختص إلى الورقة مباشرة، وهذا لا يحتاج إلى أي جهد أو تعب، فالوصول إلى النتائج المطلوبة أصبح مضموناً، ليس بقوة المعرفة، وإنما بقوة الخارجين على القانون.
أما في بعض المناطق، فقد تم توزيع أوراق الإجابات إلى جانب أوراق الأسئلة، وهنا جرت عملية الغش بهدوء، وبدون حاجة إلى استخدام الميكروفون، أو التهديد المباشر للمدرسين ومدراء المراكز الامتحانية.
هذه الوقائع حصلت مطلع صيف عام 2007، ويتناقل تفاصيلها العراقيون، ويتحدث الجميع عن هذا الخرق الفاضح لأسس التعليم، وجرى كل ذلك بعلم الأجهزة الأمنية الحكومية، وبدراية القوات الأميركية، وتم التحذير من خطورة ذلك قبل بداية الامتحانات، لأنها حصلت في سنوات الاحتلال الثلاث السابقة، لكن فضيحة الغش الجماعي في الامتحانات عام 2007، من أكبر وأوسع عمليات الغش، وسنأتي على جوانب أخرى من عملية تخريب التعليم في العراق.
قد يتفاجأ الكثيرون بقصص ووقائع الغش الجماعي، التي تجري في العديد من المناطق والأحياء في العاصمة العراقية ومدن أخرى وبالأخص في الامتحانات النهائية التي تؤهل الطلبة لدخول الجامعات، وقد يتصور البعض أن هذا الكلام فيه مبالغة، بل قد لا يمكن تصور حصول مثل هكذا أمر في أخطر مفاصل بناء المجتمع والدولة وهو التعليم، لكن أقول إن هذا يحصل على أرض الواقع، وبكل أسف شهد العام الدراسي 2007 ما هو فظيع ومرعب على هذا الصعيد.
مهما حاول المراقبون والمتخصصون إيجاد تفسير لما يحصل لا يمكن الخروج عن الإطار العام، الذي يقول إن الأمر يهدف إلى تخريب التعليم في العراق، ومثل هكذا وقائع تعني الآتي:
أولاً: تهيئة مجاميع كبيرة من الطلبة الفاشلين دراسياً، ورفع درجات التقييم في الامتحانات النهائية، ليدخل هؤلاء الكليات العليا وأهمها كلية الطب والهندسة والصيدلة والحقوق والإدارة والاقتصاد والعلوم السياسية وبقية التخصصات، التي تهيمن على مفاصل الدولة، وفي الواقع يجب أن لا ننسى أن غالبية هؤلاء إن لم يكونوا جميعا من الفاشلين دراسياً واجتماعياً، ولو كانوا قادرين على تحقيق درجات نجاح معقولة، لما أقدمت الجهات والأحزاب التي تقف خلف مثل هكذا، إلى هذه الطريقة وفرض نجاح هؤلاء في الامتحانات النهائية عن طريق الغش الجماعي، وعلى مرآى ومسمع الأجهزة الأمنية الحكومية.
ثانياً: لقد حصل ذلك بمعرفة الوزارات المعنية بالتعليم في العراق، وهما وزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وبعد أن انتشرت أخبار الفضيحة في الأوساط التربوية والعلمية والاجتماعية، نشرت وزارة التربية خبراً مقتضباً عن إلغاء نتائج الامتحانات في عدد من المراكز الامتحانية، ولم تتم تسمية تلك المراكز، ما جعل القضية عبارة عن عملية ذر للرماد في العيون، ومحاولة تغطية واحدة من أخطر عمليات استهداف التعليم في العراق وتخريبه بطريقة منهجية، والاستمرار في هذا المشروع، الذي ستكون له تداعياته الخطيرة على مستقبل العراق والعراقيين.
ثالثاً: إن عملية الغش الجماعي، التي جرت في مناطق عديدة في العراق خلال العام الدراسي 2007، تعني زرع الإحباط واليأس في قلوب الطلبة الجادين والحريصين والمثابرين على التعلم، لأنهم وجدوا أن الفاشلين قد تقدموا عليهم، وأن مقاعد الفاشلين الجامعية أصبحت في المقدمة، ما يؤكد أن المثابرة في المستقبل لا تعني شيئاً، وهذا الأمر، يرمي في نفوس طلبة العلم الحقيقيين حالة من اليأس والإحباط، ما يدفع بالكثير من الطلبة إلى عدم الاهتمام بالدراسة، والنظر إليها على أن المثابر فيها سرعان ما يتساوى مع الفاشل، بل أن الثاني قد يتقدم عليه في الدرجات الجامعية بعد تكريس ظاهرة الغش العلني الجماعي.
هل هناك عملية تخريب أوسع وأكبر من الذي حصل الآن في مدارس العراق.
قبل بدء الامتحانات النهائية كانت لدي قناعة تامة، أن العام الدراسي الحالي، سيشهد أكبر عمليات الغش الجماعي عبر التاريخ، واستندت في هذه القناعة، إلى حقائق من أرض الواقع، إذ حصل مثل هذا الغش الجماعي العلني خلال سنوات الاحتلال، وابتدأ من عام 2004، وعندما سيطرت العصابات على الكثير من المناطق، وأخذت تمارس نشاطاتها من اختطاف وتعذيب وقتل، وترمي الجثث المجهولة تحت أنظار الأجهزة الأمنية وبحمايتها، وفي أحيان كثيرة تستخدم سياراتها وأسلحتها وحتى معتقلاتها، فإن ذلك يدفع بالأوضاع إلى ما هو أسوأ، ولأن هؤلاء يريدون فرض أجندة وفق رغباتهم ومخططاتهم، والأهم من كل ذلك أنهم ليسوا من المتعلمين والغالبية العظمى منهم من الفاشلين دراسياً، ولا يحملون حتى شهادة الدراسة الابتدائية، أو لا يعرفون القراءة والكتابة، فإنهم يتحمسون لتنفيذ التوجيهات والأوامر، التي تصدرها قياداتهم المرتبطة بالاحتلال الأميركي وتعمل على تنفيذ مشروعه بطريقة أو بأخرى، وهؤلاء لا يفكرون بطريقة تخدم العراق، بل أنهم يتحمسون لكل ما يخالف ذلك.
طبعاً لا أستبعد تدخل أطراف إقليمية في تنفيذ هذا البرنامج، الذي يتفق والمشروع الإسرائيلي والأميركي والهادف إلى تصحير العراق ثقافياً ومعرفياً، لذلك حاولت في وقت مبكر التنبيه إلى خطورة هذا المشروع المعادي للعلم والمعرفة في العراق، وجمعتني ندوة تلفزيونية أدارها الدكتور مزهر الخفاجي في قناة (البغدادية) واشترك فيها إلى جانبي رئيس جامعة بغداد الدكتور موسى الموسوي ورئيس جامعة المستنصرية الدكتور تقي الموسوي، ورغم أن الندوة كانت عن قضية استهداف العلماء في العراق، إلا أنني حذرت من مشروع أوسع وأخطر وهو العمل على تصحير العراق ثقافياً ومعرفياً، وقلت أن الغش الجماعي المعلن يجتاح العراق ويحصل في مناطق عديدة ومعروفة، وأن هذا الأمر في غاية الخطورة، وإذا الحكومة تلتزم الصمت ولا تحرك ساكناً لوقف هذه المؤامرة التي تستهدف التعليم والتربية في العراق، فلا بد أن تتحرك الجامعات لاتخاذ إجراءات عملية على هذا الصعيد، واقترحت حينها، أن تضع الكليات التي تتقدم القائمة مثل كلية الطب والهندسة والتكنولوجيا والصيدلة أو جميع الكليات برنامجاً آخر يتضمن عملية اختبار لجميع المقبولين في هذه الكليات، وهنا ستكون عملية غربلة، سرعان ما تتكشف فيها الحقائق، وفي حينها تحمس د. مزهر الخفاجي، ووعد بإجراء ندوة خاصة لمعالجة هذا الخلل الخطير، لكننا لم نلمس أي خطوة أو إجراء من قبل المؤسسة التربوية والتعليمية في العراق باتجاه وقف هذا التمزق والتدهور الكبير في الجدار المعرفي والثقافي الذي يجري في العراق، وبما يفضي إلى ما هو أخطر وأبشع، لأن جدار المعرفة يبقى آخر الحصون، التي تقدم الحماية للمجتمعات، رغم معرفة الجميع بالتفاصيل الخطيرة لعملية الغش الجماعي، ما يؤكد ضلوع الجميع بما يجري من برنامج ممنهج ودقيق يستهدف العلم والمعرفة في هذا البلد.
أما تخريب التعليم فقد حصل في زوايا وجوانب أخرى سنأتي عليها.
لمعرفة حجم التخريب الذي شهده التعليم في العراق، لا بد من العودة إلى جذور هذه العملية، التي ابتدأت بعد احتلال بغداد مباشرة، فقد سارعت الأحزاب الدينية بدون استثناء إلى تحويل الحرم الجامعي إلى ساحة للتثقيف الطائفي والعرقي، وانتشرت الكثير من المظاهر الغريبة، التي لم يألفها الجو والوسط التعليمي العراقي، وبرزت تلك المظاهر في الجامعات والمعاهد، وكانت على مستويين، الأول يتعلق بطموحات شخصية لتولي مناصب وزعامات في الأقسام والكليات والجامعات، فانتشرت ظاهرة تهديد الكفاءات والعلماء والعمل على إزاحتهم عن مناصبهم أو طردهم خارج الأوساط الجامعية، واستغلت الحكومات التي جاءت منذ مجلس الحكم بزعامة بول بريمر وحكومات الاحتلال الأخرى قانون اجتثاث البعث، لطرد وإبعاد آلاف الكفاءات من العلماء في مختلف الاختصاصات، كما شمل ذلك عشرات الآلاف من المعلمين والمدرسين في الدراسات الأولية، وهنا حصل تخلخل كبير في البنية التعليمية، ما فتح الكثير من نوافذ التخريب في قطاعي التربية والتعليم.
أما في الجامعات، فقد انتشرت ظاهرة استخدام صور لسياسيين ورجال دين بصورة مثيرة للاستغراب، وفاق عدد تلك الصور ما موجود من مراجع ومؤلفات وكتب في مكتبات تلك الكليات والجامعات، وتحولت المكتبات من أماكن للبحث والتقصي العلمي، إلى مقرات للأحزاب والتجمعات الطائفية والعرقية، التي حرصت على إقامة الندوات الخاصة والشعائر الدينية، وأصبح تواجد الطلبة في هذه الأماكن أكثر من وجودهم داخل قاعات الدرس والمعرفة، ومن هذه الزاوية، بدأت واحدة من أخطر النوافذ التي تقود إلى تخريب التعليم، لأن الحضور الأكبر لم يكن للمحاضرات العلمية، وإنما لكلمات وخطب وأحاديث ممثلين للأحزاب المشاركة في العملية السياسية.
لقد هيأت تلك الممارسات إلى مرحلة أخرى في غاية الخطورة، ففي العام الدراسي للسنة الثانية من الاحتلال عام 2004، برزت مسألة تقسيم غالبية الجامعات العراقية على أساس طائفي، ورغم أن ذلك لم يعلن بصورة رسمية، إلا أن الجميع يعرفون أن هذه الجامعة أصبحت من حصة الطائفة الفلانية وتلك الجامعة من حصة الطائفة الأخرى، وتساوق ذلك التقسيم الخطير مع الخطوات المدروسة لتكريس الطائفية والعرقية في العراق، والتي جاءت منسجمة وأسس العملية السياسية، التي ابتدأت بتشكيل مجلس الحكم في يوليو عام 2003، ومن المعروف أن تكريس الهوية الطائفية في الجامعات، لم يكن اعتباطياً، وإنما جاء وفق دراسات وخطوات ممنهجة، هدفت إلى تقسيم المجتمع العراقي وتهيئة الأجواء لإثارة الفتنة بين أبنائه، وعلى الطرف الآخر، فإن مثل هذا الزرع ساهم بقوة في تخريب العملية التربوية والتعليمية في العراق.