تنمية اللسان
عبد الله بن سليمان العتيق
قال الأخطلُ:
إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ و إنما * * * جُعلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلا
اللسانُ آلةُ التعبيرِ عمَّا في القلبِ، بِهِ يُظهرُ الشخصُ مُراده و مقصدَه، يَصِلُ المعنى المُرادُ إليه بعد تفهُّمِ العقلِ لما في القلبِ، و اختلاف التعبيرِ بِه باختلافِ تبيُّنِ العقلِ له، و تبيُّنُ العقلِ متفاوتٌ بقدرِ فهمه لمقصد القلب.
يرْغبُ كثيرٌ من الكَتَبَةِ و المُتكلِّمَةِ أن تكون أطروحاتهم ذات تميُّزٍ لُغويٍ، و لكنْ لا يهتدي غالبُهم لطريقِ تنميةِ ذلك، رغبةً في مشاركةِ الإنماءِ الذاتي، و تطويرِ الطاقاتِ البشرية، و حفظِ جوهرية اللسانِ كانت هذه الأكتوبةُ موجزةٌ، تُبرزُ معالمَ الطريق، مُهداةً لكلِّ صديقٍ.
[تنبيهٌ: سأذكرُ ما أقدرُ عليه مِن كتُبٍ في مواضِعَ ليسْهُل الرجوعُ إليها]
قِوامُ التنمية:
لتنمية اللسان ركائزُ هيَ قِوامُ بُنيانها:
أولها: بُنيةُ الكلام، فإنَّ الكلامَ العربيَّ قائمٌ في بُنيتِه على أساسين:
الأول: بناءٌ صرْفيٌّ، و هو ما يقصده النحاةُ و الصرْفيون من تأسيس بُنية الكلمة و ذكر أصلها و تحويلها حسْبَ الأحوال.
الثاني: بناءٌ إعرابي، حيثُ مراعاة وضْعِ الكلمةِ في إعرابها، حيثُ: الرفعُ و النصبُ و الخفضُ الجرُّ و الجزمُ، و لكلٍّ علاماتها من حركةٍ أو حرْفٍ، و يُذكرُ ذلك في أبواب النحوِ.
الاعتناءُ بالبُنيةِ الكلامية من هذه الجهةِ تأسيسٌ لصحةِ الكلمة، و تدعيمٌ قوي لقاعدة اللسان، حيثُ سلامةُ الكلمةِ من الخطأ البُنْيَوي، تجدُ في بعضِ الكتاباتِ و التبعيضُ تكثيرٌ، هنا مَن لا يُحسنُ ذكرَ أصلِ الكلمةِ صرفياً، و يُخطيءُ الأكثرون في سَوقِها نحْوياً، وباختلال البُنيةِ اختلالُ المعنى.
ثانيها: حليةُ الكلام، لكلِّ بُنيةٍ حِلْيَةٌ، و حليةُ الكلامِ جمالٌ أخاذٌ، و سحرٌ جذَّاب، يسلبُ لُبَّ القارئ، و يسرقُ قلبَ السامع، و الإبداعُ مرتَعٌ خَصْبٌ، و مورِدٌ عذبٌ، يشتكي في ظلمةِ ليله هجرَ الوُرَّاد، و يُظمئُ نهارَ لفظه في مغازلةِ السُّهاد.
حِليةُ الكلامِ تنتظمُ:
أولاً: حليةٌ لفظيةٌ، و هي المُحسِّناتُ اللفظيةُ في الكلام، فجمالُ الكلمةِ في لفظةٍ حسنةٍ، و عبارةٍ مُستحسنةٍ، أجاد اللغاةُ في وضعها، و حُليُّ اللفظِ أقسامٌ:
القسم الأول: الغريبُ، فإنَّ لغريبِ اللغةِ رنةً، تلفتُ النظرَ إليها، و الغريبُ ما استغربَه الشخصُ لِجِدَّتِهِ عليه و جودتهِ في اللغة، و لا يُنظر للغريبِ المُسْتَهجنِ لفظاً أو معنى فهو تقبيحٌ للحسنِ، مذمومٌ عند اللغويين.
من الغريبِ المكتوبِ ما كان من ذكرِ ألفاظٍ تؤدي معنى واحداً، كتبَ فيه: الهمذاني في " الألفاظ الكتابية " و تحقيقُ أميل يعقوب أجملُ لأنه تمَّمَ فصولَ الكتاب بالفائتِ معتمداً على " نُجعة الرائد " لليازجي، و ابنُ مالكٍ في " الألفاظ المختلفة في المعاني المؤتلفة ".
القسم الثاني: الشعرُ، فللشعرِ رونقاً في النثرِ، و لا زال الناسُ يأذخهم الشعرُ و معناه، و يسحرهم القريض و مبناه، ومنثورِ حِكمِ الشعرٍ كثيرٌ جداً، و شواهده أكثر.
و حيثُ كثرَ الشعراءُ، و لزمت الكَتَبَةَ الحيرةُ فإن الانتقاءَ حسنٌ، و قد كان مسلكاً جميلاً أخذ به أفذاذ العربية، فانتَقَوا:
أشعاراً، حِساناً، مِن أجمعِ ما وقفتُ عليه: " مختاراتُ البارودي " في أربعِ مجلداتٍ، و " مجمع الحكم و الأمثالِ " لأحمد قَبَّش.
- شعراءَ، يأخذُ عقلَ بعضٍ شعراءَ بشعرهم، لتوافُقٍ و انجذابٍ، و لجودةٍ و انسياب، لديَّ الشعراءُ السِّتة: أبو الطيِّبِ المتنبي، الشريفُ الرضي، ابنُ المعتزِّ، صفيُّ الدين الحِلِّي، أحمد شوقي، محمود البارودي.
القسم الثالث: السَّجعُ، سحرٌ حلالٌ، نثرٌ أشبهُ بشعرٍ، أفضلُه ما تساوتْ فِقَرُه، و حُسنه في رصانةِ تركيبِهِ، و سلامته من التكلف، و خلوِّه من التَّكرارِ، سلكه البلغاءُ و الأدباءُ، سهلٌ لمن أكثر القراءة في كتاباتِهم، و أدمن النظر في ألفاظ العربية.
حسنٌ قراءةُ: " المقامات " للحريري، و كتبِ ابن الجوزي، و غيرهما.
ثانياً: حليةٌ معنويةٌ، تسري المعاني حيث المباني، و كذا العكس، فكما المعنى في بطنِ الشاعرِ، فكذا النثرُ، إذا ما حُلِّيَ اللفظُ بحليته المعنوية، و حليةُ المعنى الكلامي في بلاغته، و هي تجويدٌ معنويٌّ في تشييدٍ لفظي، و البلاغةُ: معاني، و بيانٌ، و بديعٌ، و لكلٍّ بَحثُها مطوَّلاً.
أملي بوضعٍ نقاطٍ على أحرفٍ، على وِجازةٍ كما ذكرتُ، و الحالُ الاختصارُ لطرْحٍ موسَّعٍ. ?