معالم في طريق الانحراف

 د. وليد بن عثمان الرشودي(*)

 

الله له الحكمة البالغة، خلق فسوى وقدر فهدى، أوجد الخلق لغاية عظمى وهي عبادته وحده لا شريك له: {وَمَا خَلَقْتُ الْـجِنَّ وَالإنسَ إلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، ويسر لهم سبيل العبادة عن طريق الهداية إلى طريقها بواسطة رسله؛ يوضحون المحجة ويقيمون الحجة: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36]، ولعظيم حكمته - جل وعلا - علق العذاب بإقامة الحجة على العباد: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]، وأهم وظيفة للرسل هي البلاغ وتبصير العباد: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: 67]، فببعثة الرسل وإنزال الكتب قامت الحجة على العباد: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْـحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ} [يونس: 108]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قالوا: يا رسول الله! ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى»، بهذا اتضح لكل ذي عينين باصرتين الحجة والطريق المستقيم، ولأهمية الهداية كان سؤالك ربك إياها في اليوم والليلة أكثر من سبع عشرة مرة: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْـمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6 - 7]،

 

قال ابن القيم - رحمه الله - : «إن الداعي إنما أمر بذلك لحاجته إليـه، وأن سعـادته وفلاحه لا تتم إلا به، فهو مأمور بتدبر ما يطلب وتصور معناه، فذكر له من أوصافه ما إذا تصور في خلده وقام بقلبه كان أشد طلباً له، وأعظم رغبة فيه، وأحرص على دوام الطلب والسؤال له»، وقال - رحمه الله - : «...بل الصــراط المـستقيم: مـا جعـله الله عليه ـ أي النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ودين الحق الذي أمره أن يخبر بأن الله - تعالى - هداه إليه في قوله: {قُلْ إنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، ثم فسره بقوله - تعالى -: {دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْـمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]».وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي - رحمه الله - : «اهدنا الصراط المستقيم: أي دلنا وأرشدنا ووفقنا للصراط المستقيم، وهو الطريق الواضح الموصل إلى الله وإلى جنـته ـ وهو معرفة الحق والعمل به ـ؛ فاهدنا إلى الصراط، واهدنا في الصراط؛ فالهداية إلى الصراط: لزوم دين الإسلام وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط: تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علماً وعملاً. فهذا الدعاء من أجمع الأدعية وأنفعها للعبد، ولهذا وجب على الإنسان أن يدعو الله به في كل ركعة من صلاته لضرورته إلى ذلك».

 

وبعد ما تقدم، من بيان حجة الله على عباده وهدايتهم صراطه، أعرضُ بعض معالم الانحراف عن هذا الطريق المستقيم في زمن أحوج ما يكون الناس فيه إلى بيان ظلمات الباطل؛ حيـث غلـيان الشُّـبَه وسرعة انتشارها وتدثُّرها بدثار الحـق والهدى، وهذه الأسطر مبنية على حديث حذيفة - رضي الله عنه - : «كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أسأله عن الشر؛ مخافة أن يدركني»، فأسطِّر هذه المعالم من سبرٍ للواقع ونظرةٍ في التنكب الحاصل على الصراط المستقيم:

1 ـ عدم توقير النصوص الشرعية:

إن النصوص الشرعية هي الحجة من الله على العباد. وعدم توقيرها يأتي بعدة أوجه؛ منها:

أ ـ عدم التسليم لها: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]، أقسـم - تعالى - بنفسه الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكِّموا رسوله فيما شجر بينهم، أي في كل شيء يحصل فيه اختلاف.. ثم لا يكفي هذا التحكيم حتى ينتفي الحرج من قلوبهم والضيق، وكونهم يحكِّمونه على وجه الأغماض، ثم لا يكفي ذلك التحكيم حتى يسلموا لحكمه تسليماً؛ بانشراح صدر، وطمأنينة نفس، وانقياد بالظاهر والباطن. فانظر إلى أحوال الناس اليوم مع النصوص وتنكُّبهم الهداية بهديه، وعدم التسليم لها بالإيمان والعمل، والتحايل على تأويلها بأهون السبب، وعدم الوقوف معها والدور في فلكها، حتى قُدِّمت عليها آراء الرجال وحُكِّمت فيها المصالح، وأصبحت قاضية عليها لا شاهدة معها؛ كما هو مقتضى التسليم.

 

ب ـ التأويل المبطل لها:

من رحمة الله بعباده أن أنزل عليهم كتاباً مبيناً، لا لبس فيه ولا غموض: {الچـر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْـمُبِينِ * إنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [يوسف: 1 - 2]؛ فهو الكتاب المبين الواضحة ألفاظه ومعانيه، ومن بيانه وإيضاحه أنه أنزله باللسان العربي، أشرف الألسنة وأبينها، المبين لكل ما يحـتاج الـنـاس مـن الحـقائق النافعة؛ فلا تكلف في فهمه ولا شطط، والمبطلون وأهل الأهواء الذي ضاقت نفوسهم عن التوقير للنص والعلم به خرجوا بالتأويل المبطل له؛ اتباعاً لأهوائهم التي لم تقنع بالتسليم للنص. والواجب هو اتباع النص دون تكلف، على وفق ما جاء عن الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وما فهمه أصحابه - رضي الله عنهم -، واتِّباع ما عليه سلف الأمة - رحمهم الله -: {فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَّإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137]، بمثل ما آمنتم به معشرَ المؤمنين؛ وهم الصحابة ومن تبعهم؛ فكل فهم غير فهمهم فهو مردود؛ فهم أعظم من وقّر النص وعمل بمقتضاه؛ فرضي الله عنهم وأرضاهم.

 

2 ـ الانفصال عن العلماء والابتعاد عن توجيههم:

أخرج مسلم وغيره عن يحيى بن يعمر قال: كان أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد ابن عـبد الرحمن الحميـري حاجـين أو معتـمرين، فـقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر! فوفق الله لنا عبد الله بن عمر داخلاً المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قِبَلَنا ناس يقرؤون القرآن ويفتقرون العلم ـ وذكر من شأنهم ـ يزعمون أنْ لا قدر والأمر أنف؟ فقال: «إذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وهم براء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر».

 

فتأمل قوله: «يقرؤون القرآن ويفتقرون العلم»! قال الإمام النووي - رحمه الله -: «معناه: يطلبونه ويتتبعونه، هذا هو المشهور، وقيل: معناه: يجمعونه، ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق ابن ماهان يفتقرون، بتقديم الفاء، وهو صحيح أيضاً، معناه: يبحثون عن غامضه ويستخرجون خفيه. وذكر من شأنهم: أي حال هؤلاء، ووصفهم بالفضيلة في العلم والاجتهاد في تحصيله والاعـتناء بـه»، ومع هذا كله قال ابن عمر ـ رضي الله عنهما - : «... فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم براء مني»، وسبب ضلال هؤلاء وزيغهم أنهم انفصلوا عن العلماء في فهم الدين والعمل به. وتأمل حال يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن حيث طلبا العلم من مظانه من العلماء فنجاهما الله بذلك. وكل ما ترى اليوم من مخالفة في المنهج والاتباع سببه الانفصال عن العلماء والبعد عن منهجهم؛ وهم الذين جعلهم الله المحجة للخلق: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7]، {وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83]، فالزيغ كل الزيغ البعد عن المنهج السوي؛ وهو اتباع العلماء الربانيين والصدور عنهم، ولله در الإمام ابن تيمية  - رحمه الله - حينما قال عن نفسه: «الوجه الثامن: أن المجيب، ولله الحمد، لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء؛ فإن كان قد يخطر له ويتوجه له فلا يقوله وينصره إلا إذا عرف أنـه قاله بعض العلماء، كما قال الإمام أحمد - رحمه الله - : إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام».

 

3 ـ القراءة الإسقاطية للنص وعزل مفرداته بعضها عن بعض، وعدم الالتفات إلى السياق والسباق:

 

وهذا المعلم يظهر عند أهل الأهواء في التمسك بجزء من النص دون سواه، وتحليل النص على وفق ذلك الجزء بعيداً عن مكملاته، وفي هذا اختزال للدين وطعن في كماله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقد ظهرت آثار هذا المعلم الخطير على الدين في جوانب عدة على أصوله وفروعه؛ كما في الموالاة والمعاداة، وفي التكفير والتفسيق، ودخول الأعمال في الإيمان هل هو من مقتضاه أو كماله؟.. وغير ذلك، والواجب أن تكون قراءة النصوص متكاملة؛ لدفع التضارب بينها؛ فمتى رأيت إسقـاطـياً في النصوص فاحترز! ولا تغتر برمزيته ولا شـهرته؛ فالحق أبلج، والرجال تُعرف بالحق، وليكن شعارك: {فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الزخرف: 43].

 

4 ـ استطالة الطريق لا تقتضي الانحراف عن الهدف:

كل مسلم في الدنيا هدفه أن يعلي أمر دينه وأمته على وفق ما يحبه الله ويرضاه؛ حيث رجاؤه الهدف الأخروي رضوان الله والجنة، وفي الهدف الدنيوي يقيسه بعضهم بأعمار البشر، ويجهل أن أعمار الأمم تختلف عن أعمار البشر فيستطيل الطريق وينحرف عن الهدى، ولذا قال لهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - لما شكوا إليه ما أصابهم: «ولكنكم تستعجلون! »، مع ما ذكره لهم من البشارة من فتح صنعاء وحضرموت، وقد توفي - صلى الله عليه وسلم - وهو لم يشهدها مع أنه المبشر بها! ومع ذلك لم يحمله استطالة الطريق أن ينحرف عن الهدف وكذلك أصحابه - رضي الله عنهم -، وحينما استطال بعض الأمة الطريقَ تعجلوا الوصول للهدف؛ فاختاروا طريقاً غير الطريق المحمدي؛ فضلّوا ولم يأخذوا العبرة من الرماة الذين على جبل أحد: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 152](1). فانظر استعجال الثمرة قبل نضوجها ماذا حصل به.. حصل به الهزيمة؛ فلا تعجب حينما ترى في هذا القرن الهجري الكثير الكثير من المشاريع التي قام بها المسلمون ولم تنجح؛ لاستطالتها الطريق؛ فانحرفت عن الهدف فرجعت بالخسران.

 

فلا بد أن نعلم أن واجبنا هو التبليغ دون انتظار النتائج؛ فإن النتائج بيد الله، كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عرضت عليّ الأمم؛ فرأيت النبي ومعه الرهيط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد».

فلنكن على يقظة، ولا يحملنا استطالة الطريق أن ننحرف عن الهدف.

والحمد لله رب العالمين.

----------------------------------------

(*) رئيس قسم الثقافة الإسلامية في كلية المعلمين ـ الرياض.

(1) تحسّونهم أي:تقتلونهم.

 

http://www.albayan-magazine.com                     المصدر: