الولاء والبراء
فيصل بن عبدالله
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه وسلم وبعد: قبل أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان كان الناس هنا في هذه الجزيرة متناحرين متباغضين يقتل بعضهم بعضاً يأكل القوى الضعيف، فأمتن الله على البشرية، فبعث نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فجمع الله به بين القلوب وألف بين الأفئدة قال - تعالى -: { وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا }(103/آل عمران) فكان المؤمن أخو المؤمن وإن بعد بينهم النسب، وفي المقابل كان بين المؤمن والكافر البغض والمعادة وإن جمع بينهم النسب وعلى هذا الأمر قامت عقيدة الإسلام قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (23/التوبة). فكان تحقيق هذا المبدأ العظيم مبدأ الولاء والبراء من أصل تحقيق التوحيد و دين الإسلام لا يستقيم إلا بموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله -: "إن الإنسان لا يستقيم له الإسلام ولو وحد الله وترك الشرك إلا بعداوة المشركين كما قال - تعالى -: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا - رضي الله عنهم - وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } (22/المجادلة) والولاء والبراء هما التطبيق الواقعي لعقيدة التوحيد ولن تتحقق كلمة التوحيد في الأرض إلا بتحقيق الولاء لمن يستحق الولاء، والبراء ممن يستحق البراء. قال الشيخ ابن عتيق - رحمه الله -: " إنه ليس في كتاب الله - تعالى - حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم ـ الولاء والبراء ـ بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده". لذا وجب على كل مسلم تعلم هذه العقيدة وفهمها وتطبيقها في حياته فإنها من أهم مسائل الدين وأعظمها، فقد مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة عشر عاما في مكة يدعو الناس إلى هذه العقيدة ويمكنها في نفوس المسلمين معه حتى أثمرت تلك الآثار الحميدة من أفعالهم - رضي الله عنهم - عندما قامت دولة الإسلام في المدينة. ومن هذا المنطلق فهذه نقاط متعلقة بهذا الموضوع الكبير عسى أن تقرب لنا بعض معالمه:
- مفهوم الولاء والبراء: الولاء: الولاية هي النصرة والمحبة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ظاهراً وباطناً قال - تعالى -: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (257/البقرة) فموالاة الكفار معناها التقرب إليهم وإظهار الود لهم بالقول والفعل والنوايا. والبراء: هو البعد والخلاص والعداوة بعد الإعذار والإنذار.
- حكم الولاء والبراء: دل الكتاب والسنة على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين قال - تعالى -: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ*وَمَن يَتَوَلَّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}(55-66/ المائدة) قال ابن سعدي - رحمه الله - في هذه الآية: " إن الله - عز وجل - نهى عن ولاية الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم من باب أولى وذكر أن مآل توليهم هو الخسران المبين في الدنيا والآخرة، وأخبر - تعالى -عن الذين يجب ويتعين علينا توليهم دون غيرهم فقال - تعالى -: [إنما وليكم الله ورسوله والذين أمنوا] فكل من كان مؤمناً تقياً كان لله وليا ومن كان لله ولياً فهو ولى لرسوله وللمؤمنين، وقد أفادت أداة الحصر في قوله - تعالى -: [إنما وليكم الله ورسوله...] أنه يجب قصر الولاية على من ذكرهم الله - تعالى -في الآية والتبري من ولاية غيرهم".وقال - تعالى -عن موالاة الكفار بعضهم لبعض وعدم جواز دخول المؤمنين معهم في الموالاة: [وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ](73/الأنفال) فأشار - سبحانه - إلى قطع الموالاة بين المؤمنين والكفار وأن الكفار بعضهم أولياء بعض كما أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض وهذه حقيقة ثابت لا شك فيها إلا لمرتاب. ومما يدل على لزوم هذه العقيدة ـ الولاء والبراء ـ أنه لو لم يكن هناك بعض من أهل الحق لأهل الباطل ولا عداوة لم يكن هناك فرق ين أهل الحق وأهل الباطل ولا بين المؤمنين والكفار ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، فالله كتب أن يكون من عباده مؤمن وكافر ولا بد أن يكون بينهم عداوة وأن يكون للمؤمن أعداء في الله كما له أولياء في الله، ولا بد أن يبغض أعداء الله ويحب أولياءه، فالدنيا هي دار الصراع بين الحق والباطل إلى أن يبعث الله الأرض ومن عليها. ومن ناحية أخري فالكافر يبغض المؤمن ويتمنى هلكته، يبطن له من العداوة أضعاف ما يظهر كما أخبر الله عنهم في كتابه: [قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ] (118/ آل عمران) وقال - تعالى -: [لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ] (10/التوبة) وغيرها في القرآن كثير. وكذلك فالواقع يشهد ببغضهم وعداوتهم للمسلمين بما لا يدع مجال لحبهم أو موالاتهم لمن عنده أدني بصيرة، وإليك هذه الشواهد من التاريخ على ذلك: - الصليبيون في الأندلس ظلوا يضمرون العداء للمسلمين طيلة ثمانية قرون، مع أنهم كانوا ينعمون في ضل الحكم الإسلامي، بعد هذه القرون وحينما تغلبوا على المسلمين أبادوهم إبادة شاملة ولم يرحموا طفلاً رضيعاً ولا شيخاً كبيراً، ولم تمت عداوتهم للمسلمين مع طول السنين. - وحينما تغلب الصليبيون على دمشق توجه جنرالهم إلى قبر صلاح الدين وركله برجله القذرة وقال: ها قد عدنا يا صلاح الدين. فكيف يكون أهل الباطل محتفظين بعداوتهم للإسلام والمسلمين على اختلاف أصنافهم، مستغلين الفرص مستخدمين كافة الوسائل الظاهرة والخفية لترجمة هذه العداوة إلى واقع محسوس. ونحن أهل الحق والدين الذين بعض الكافر من صميم عقيدتنا نواليهم ونظهر الحب لهم والله المستعان!!!!. لذلك كله كان الإيمان لا يتم إلا بموالاته وموالاة أهله والبراءة من ضده ومن أهله قال - تعالى -: [قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ](4/الممتحنة) وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.