مسرحية الصراع الأمريكي الإيراني

صالح إبراهيم الطريقي

 

يرى الغالبية في العالم العربي أن العداوة العلنية بين أمريكا وإيران ما هي إلا خداع وغش وتدليس على العالم العربي، وأن ما يراه الجميع من عملية مد وجزر حول المفاعل النووي الإيراني وحول تدخل إيران في العراق وتمويل أتباعها بالمال والسلاح لضرب مصالح أمريكا التي تريد العراق ولاية أمريكية، لتحول العراق إلى "ضيعة فارسية" كما يقول رئيس جبهة التوافق العراقية عدنان الدليمي"، ما هو إلا ذر الرماد في العيون.

 

فالحقيقة التي لا غبار عليها ولا يمكن إخفاءها أن هناك اتفاق خفي بين الشيطان الأكبر/أمريكا والشيطان الأصغر/إسرائيل وبين الفرس لتدمير العرب، بل هناك كتاب عرب فسروا حرب لبنان الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل بأنها تمثيلية أو مسرحية انطلت على الكثير منا نحن السذج، وأن هذه الحرب أو الانتصار الإلهي كما يحب البعض تسميتها لا تستطيع إخفاء حقيقة الاتفاق بين الفرس والبيزنطيين للقضاء على العرب نهائيا.

البعض يفسر هذه الرؤية الأسطورية لواقع الشرق الأوسط إن جل العرب مهووسون بالفكر التآمري، وأن لديهم اعتقاد أن العالم والشياطين يتآمرون عليهم.

ومع احترامي لهذا التفسير إلا أني لا أذهب معه كثيرا، صحيح أننا مصابون بمرض الفكر التآمري، ولكن هذا المرض مصاب به العالم، فبوش يرى أن القاعدة والشيطان معها يريدان تدمير الحضارة الغربية، والقاعدة والقومجية يرون العكس وأن الشيطان هو من وقع اتفاق مع أمريكا للتآمر علينا.

وهذا المرض وأعني الفكر التآمري ارتفاع وهبوط نسبته مرتبطة بالحق والمصالح، فحين ترى أمرا ما على أنه مصالح تتصارع عليها الدول تقل النسبة، وترتفع النسبة كلما اعتقدت أن هذا الأمر حق مكتسب لك وإن لم تحصل عليه فهناك مؤامرة حيكت ضدك.

أما الفكرة التي يرددها غالبية العرب، والتي أصبحت وبسبب كثرة ترديدها حقيقة لا غبار عليها، وأعني العداوة العلنية بين أمريكا وإيران، واتفاقهما في السر على وضع الشرق الأوسط فهي مرتبطة بفهم الإنسان العربي لمعنى "العداوة"، فالعقل العربي يربط العداوة بالقطيعة وعدم الحوار مع هذا العدو مباشرة، ولو تأملنا العلاقات العربية العربية وكيف تحدث القطيعة بينهما حين تختلف دولتان عربيتان، بل لو تأملنا ما يحدث الآن بين منظمة فتح وحماس، وهذه القطيعة بينهما، سنجد الإجابة عن السؤال لماذا يعتقد غالبية العرب أن العلاقة بين أمريكا وإيران ليست علاقة أعداء؟

فالعقل العربي أعني الغالبية مازالوا يؤمنون بالمفهوم القديم "علي وعلى أعدائي"، وأن أي حوار بين شخصين/دولتين متعاديتين أو تفاوض أو جس نبض، ما هو إلا كذب وخداع وضحك على الذقون فيما العالم بأكمله لم يعد يؤمن بفكرة "علي وعلى أعدائي"، حتى وإن وصلت العداوة بينهما لدخولهما حربا، هذه الحرب لا تنطلق من فكرة التدمير النهائي للعدو، بل لإثبات أن أحدهما هو الأقوى، وأن على المهزوم الخضوع لشروط المنتصر.

إن مفهوم العداوة في الذهنية العربية هو ما جعل الكثير لا يتقبل مثل هذه العداوة التي نراها بين أمريكا وإيران، ويحيل الأمر إلى تمثيلية أو مسرحية، ولا يحاول فهمها ولا تفسيرها، ليستفيد من هذه التجربة في صراعاته التي مازال يحقق فيها الهزائم تلو الهزائم.

قد لا يروق لنا أن تحقق إيران مصالحها في هذا الصراع الذي مازلت وإلى الآن تتحكم في مساره، فمصالحها ستكون على حسابنا، كذلك مصالح أمريكا لن تحقق مصالحنا، ومع هذا لا يمكن لأي محايد أن ينكر على إيران أنها مازالت تتحكم في الصراع، ولا تجعله يذهب إلى الحل النهائي وأعني الحرب.

وأظن من يدير الصراع بهذه الطريقة هو يفهم قانون الحياة الذي يقول: إن الدول القوية هي من يضع القوانين، والقوانين لن تصبح عادلة في نظر هذه الدول، ما لم تحقق لها مصالحها لهذا هي تناور بين الدول الكبيرة وتوقع اتفاقات مع بعض الدول الكبيرة لتحقق ما يمكن تحقيقه، وتستفيد مما يحدث في العراق وفي لبنان أيضا، وتمددت إلى سوريا فيما نحن مازلنا نؤمن أن العداوات لا يمكن لها أن تكون كذلك، ما لم تحدث قطيعة، ما لم تنطلق من فكرة "علي وعلى أعدائي"، مازلنا لا نستفيد من تجارب الآخرين بحكم العداوة أيضا.

 

 05/08/1428

 

http://www.almokhtsar.com                    المصدر: