الحياة السرية ( 2 )
نهاد إسماعيل العلي
يدور في أروقة المحاكم البحرينية الكثير من القضايا الأسرية التي يذهب فيها أحد الزوجين أو كلاهما ليشكو من الآخر..وقد يصل الخلاف إلى الانفصال، وقد ينتهي بالمصالحة، حسب رؤية وتقدير القاضي..هذا ما سنعرفه من خلال سلسلة هذه الجلسات السرية بالمحكمة.
"كم هي مهمة لحظات الاسترخاء أثناء زحمة العمل" جالت هذه الخاطرة في عقل القاضي بعد يوم مزحوم، وتواصلت أفكاره المزدحمة في رأسه:
"نعم نحتاجها، لنأخذ نفساً عميقاً يرتب أفكارنا، وينظم بقية طاقتنا الجسدية، إن كوباً من الشاي الأحمر بالنعناع وكلمات ظريفة الظل مع الموظفين في المكاتب الزاخرة بالأعباء تنعش يوم العمل.. "يقوم القاضي ليحقق رغبته في كوب الشاي ويلقي بعض الملاطفات هنا وهناك بين المكاتب، وفي الرواق.. لمح ذلك الرجل.. هه؟ هل هذا معقول؟ يلتفت مرة أخرى ليتأكد من صاحبه هذا، أووه إنه هو بلحمه وشحمه، ووجد نفسه يندفع نحو ذلك الرجل ليسلم عليه ليجد نفسه الشوق والاندفاع من ذلك الرجل ناحيته.
القاضي معانقاً: السلام عليكم.. هل أصدق؟ أين أنت يا رجل؟
الرجل معانقا: وعليكم السلام، والله إنني قد جئت أسأل عنك لأراك؟ ولكنك سبقتني، كما هي العادة، أنت السباق دائماً في الخير.
القاضي: ما أسعدني برؤيتك!.. حياك.. اشرب معي كوباً من الشاي بالنعناع، اتجها معا وهما يتبادلان الشوق، وطلب القاضي من مشرف المطبخ أن يرسل لهما طلبهما إلى مكتبه.. جلسا متقابلين، ووصل الشاي، وكان هذا الحوار:
القاضي: قل لي يا صديقي، كيف أحوالك الآن؟
الصديق: ما شاء الله عليك، أما زلت تذكر موضوعي؟
القاضي: وكيف أنساك يا رجل؟ لقد كنت من الحالات التي حيرتني فعلا وكنت أتحداها وأبحث عن جواب لها حتى اضطررت إلى الاستعانة بأحد الأطباء الحاذقين.
الصديق: نعم أذكر جيداً اللحظات التي دخلت بها مع زوجتي إليك، وكنت أريد تطليقها بسبب حالة العقم مجهولة السبب التي كانت لدي، وهي ترفض ذلك تماما، لقد أثر في موقفها جداً، وما زلت أحفظه لها، كم هي مخلصة هذه المرأة..
القاضي: والله لولا أخلاقك وإحسانك لها لما شعرت بهذا التعلق بك، آه لو يعلم الرجال كم لحسن معاملة الزوجة من آثار عظيمة.. لو أنهم يعلمون كم أنها مستعدة للتضحية بالكثير من أجل الزوج الذي يحفظها ويحفظ كرامتها.. والله صدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حينما قال: "إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه"، وقد خص - عليه الصلاة والسلام - الخلق لما له من دور عظيم في سعادة أو شقاء الأسرة.
الصديق: ولكن الله - عز وجل - عوضها وعوضنا جميعاً خيراً، برحمة من الله أولاً ثم ببذل أسباب بسيطة، وكنت أنت أحد الأسباب جزاك الله عنا خيراً..
القاضي: لقد كان للمثل الرائع الذي ضربتموه كليكما أثر كبير في نفسي، جعله الله سببا لأسعى للبحث عن حالتك الصحية.
الصديق: نعم لا أنسى حينما سعيت جهدك تعرض حالتي على عدد من الأخصائيين إلى أن دلك أحدهم إلى الحل، ولا أدري كيف هداه الله لهذه المشورة.
القاضي: أووه، أتقصد الدكتور عبد الرحمن؟ - رحمه الله - لقد توفي منذ سنتين في حادث سيارة.. - رحمه الله - رحمة واسعة وجزاه كل الخير.
الصديق: - رحمه الله -، فمن كان يصدق أن سبب العقم لدي هو طبيعة عملي، وما أن تحولت إلى وظيفة أخرى حتى أنعم الله علي بحمل زوجتي التي ظلت تنتظر الأمومة لمدة ثماني سنوات.. من كان يصدق بأن المصنع الذي كنت أعمل فيه هو السبب في عدم الإنجاب، يا الله كم كنا نستنشق من الرصاص والزرنيخ والزئبق والزنك، لا أدري لماذا لا تهتم المصانع بتنبيه عمالها لمثل هذه الاحتمالات.
القاضي: يا أخي إنهم ينظرون إليها نظرة مادية بحتة، فإعلانهم لمثل هذه التحذيرات كفيل بتحميلهم تعويضات مالية ورعاية طبية للعمال.. وفي دولنا من يهتم بذلك؟!
الصديق: أتعلم حضرة القاضي بأنني قد علمت بعد ذلك بأن العمل في مصانع المبيدات الحشرية الزراعية يعطي احتمالا إلى إصابة العمال بنقص شديد في السائل المنوي، بالإضافة لأغراض أخرى مثل الحالات العصبية ورعشة اليد؟
القاضي: صحيح هذا الكلام، وما السبب يا ترى؟
الصديق: لأن بعض المبيدات الحشرية المكونة من المركبات الفوسفورية العضوية لها تأثير على الخصوبة واكتشفوا من خلالها غاز التعقيم (أكسيد الاثيلين) وهو الذي يستخدم في الحروب الكيماوية.
القاضي: لقد سمعنا سابقا عن عقم عمال المزارع بسبب إطعام الدواجن هرمونات أنثوية، وسمعنا عن تأثير عنصر الكاديوم على بعض عمال الصناعة الإلكترونية وصناعة السفن وصناعة الكمبيوتر، ولكنني على يقين بأنه ليس بالقطع أن كل من يعمل بها لابد أن يصبح عقيماً.
الصديق: أتعرف حضرة القاضي ما الضغوط النفسية التي يتعرض لها الزوجان في حالة عدم المقدرة على الإنجاب؟
القاضي: نعم أخمن بعضها، ربما أن توقع الزوجة الحمل كل شهر، وحدوث الطمث لديها يصيبها بخيبة أمل شديدة وقلق متكرر شهرياً.. كما أن الزوجين يكونان محط أنظار أفراد المجتمع المحيط بهم، وفضول البعض وتكرار سؤاله يزيد اكتئاب الزوجين.
الصديق: نعم حضرة القاضي، ولا أخفيك المتطلبات الطبية أثناء العلاج والتي تسبب الاضطرابات في حياة الزوجين، فالعلاقة الزوجية محسوبة بالوقت على حسب أوامر الطبيب، فلا تتصور الضغط النفسي وخصوصا إذا طالت فترة العلاج، كما أن العلاقة الزوجية نفسها تتأثر بين الزوجين لأنك كلا منهما بداخله اتهام نحو الآخر.. ولكن لله الحمد لقد كفانا الله كل هذا وعوضنا خيرا.
القاضي: في الحقيقة أن مثل هذه الأسباب قد تفوت على بعض المتزوجين وأحياناً تغيب عن الطبيب، فيظل يبحث عن أسباب طبية داخل جسم الزوجين، بينما المشكلة قد تكمن في البيئة الخارجية للزوجين، والحل يكمن في خطوات سهلة. بالمناسبة، يا صديقي كم لديك من الأطفال؟
الصديق: لدي بنتان وولدان، كبرى البنات عمرها عشر سنوات وأصغرهم أربع سنوات..
القاضي: فأنت أبو من؟
الصديق: أبو محمد.
القاضي: ما شاء الله، أبرك الأسماء، أسأل الله أن يبارك لك فيهم ويقر عينك بهم جميعاً.
أبو محمد: أستأذنك حضرة القاضي، فأنا سأذهب لإحضار الأبناء من مدارسهم..
القاضي: وأنا انتهت فترة الراحة المخصصة لي والدليل هذا الصراخ الذي نسمعه.. أبو محمد (يضحك) مصافحاً القاضي: كان الله في عونك حضرة القاضي، ويجزيك عن الجميع خيراً، فمن أحسن ممن يقوم على خدمة الناس وحفظ بيوتهم وإرشادهم وكتم أسرارهم؟
القاضي (مبتسماً) ومصافحاً أبا محمد: الله يرحمنا برحمته.. أتمنى أن أرى عيالك يوماً وبلغ سلامي لأم محمد، كثر الله أمثالها.
تابع القاضي أبا محمد خارجا بنظره؛ ومتمتماً بلسانه: (لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء، يهب لمن يشاء إناثا، ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا، ويجعل من يشاء عقيما، إنه عليم قدير). الشورى:50.