ماذا يريدون من تغريب المرأة

 

إن دعاة إفساد المرأة يدسون أفكارهم، ويعملون على الهدم بالتدريج، وإن انحراف المرأة كان له أكبر الأثر في سقوط بعض الممالك القديمة كاليونان والرومان، وهكذا الحال أيضاً في عصرنا الحاضر، فهاهي مثلاً حاملة لواء هذه الفوضى الجنسية (فرنسا)، تركع أمام خصومها، وتحت أقدام أعدائها، مستسلمة في سرعة عجيبة، عندما هزمت أمام الألمان في الحرب العالمية الثانية، حتى قال لهم قائد حربهم المارشال (بيتان) يُقرّعهم ويوبخهم: زنوا خطاياكم بني قومي، إن خطاياكم ثقيلة، إنكم لم تريدوا أطفالاً وهجرتم حياة الأسرة، ونبذتم الفضيلة، وكلَّ المثل الروحية، وانطلقتم إلى الشهوات تطلبونها في كل مكان، فانظروا إلى أي مصير قادتكم الشهوات.

 

وهذا الذي قاله هذا الفرنسي قاله كثير من عقلاء تلك البلاد، وهم ينظرون إلى ممالكهم وحضارتهم المزعومة وهي تهوي، فهذا الشيخ محمد أمين المصر- يرحمه الله - أثناء دراسته في بريطانيا، يذكر أنه لفت نظره فرع في جامعة كمبروج يسمى (المجتمع الإنكليزي)، يقول الشيخ إنه استمع إلى بعض الأبحاث التي يتداول مناقشتها أساتذة القسم، وهم كبار علماء النفس والمجتمع والتربية في بريطانيا، فأثار انتباهه إن كانت المشكلة التي تشغل بال هؤلاء، وتوجّه أبحاثهم، هي ظاهرة خروج المرأة إلى العمل أجل خروج المرأة الإنجليزية إلى العمل-.

 

وهذا أحد مفكري الغرب، رجل فرنسي واسمه أوديل، يطلق نداءات يقول فيها: أنقذوا العائلة من الانقلاب، وأنقذوا العائلة من التفتت، أنقذوا العائلة في الغرب من الموت، ثم ألّف كتاباً بعنوان: (أنقذونا)، أودع فيه ما قام به من مسح ميداني للعائلة الغربية، حيث تنقل بين مختلف البلدان الأوروبية وغيرها، كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا، ليعود بعدها بهذا الكتاب الذي ملأه بالأصوات التي تحذر من اتجاه العائلة الغربية نحو الانقراض، وهذه الأصوات التي أودعها في كتابه عبارة عن حوارات أجراها مع نساء وأطفال، وآباء وأجداد، حول طبيعة علاقة كل واحد مهم بأفراد عائلته، وجميع هذه الأصوات مستاءة من الوضع في الغرب، ومن أراد الاطلاع عليها فعليه بقراءة الكتب التي ألّفها بعض الدعاة الإسلاميين عن قضايا المرأة، مثل كتاب المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدم، للشيخ عمر الأشقر، وغيره من الكتب، وهذه النماذج التي أوردها هذا المؤلف توضح ذلك الشقاء الذي تعيشه الأسرة في الغرب، وتلك الكراهية والفرقة بين الآباء والأبناء، وقد أهدى المؤلف نسخاً من كتابه هذا إلى ملوك ورؤساء الغرب، حرصاً منه على نصح بني قومه، ولكن هيهات!! قد اتسع الخرق على الراقع، ذكر الشيخ مصطفى السباع- يرحمه الله - في كتابه المرأة بين الفقه والقانون، فقال: (حين كنا على ظهر الباخرة من ميناء دوفر بانجلترا إلى ميناء أوستن في بلجيكا، في تلك الرحلة العلمية، التقينا بفتاة إيطالية، تدرس الحقوق في جامعة أكسفورد، وتحدثت عن المرأة المسلمة، وكيف تعيش، وما هي حقوقها في الإسلام، وكيف وفر لها الإسلام كل مظاهر الاحترام، حين أعفاها من مؤنة العمل لتعيش، بل جعلها تتفرغ لأداء رسالتها كزوجة وأم وربة بيت، وبعد أن أفضنا في هذا الحديث، وقارنا بين حال المرأة في الإسلام وبين حالها في الحضارة الغربية، قالت الفتاة بكل بساطة ووضوح: إنني أغبط المرأة المسلمة، وأتمنى لو كنت مولودة في بلادكم، وهنا اغتنمت الفرصة، فقلت لها: هل ستحاولين أن تطلبي إلى المرأة الغربية العودة إلى البيت، وأن يقوم الرجل بواجبه نحوها؟ قال: هيهات، لقد فات الأوان، إن المرأة الغربية بعد أن اعتادت حرية الخروج من البيت، وغشيان المجتمعات، يصعب عليها جداً أن تعتاد حياة البيت بعد هذا، ولو أني أعتقد في ذلك سعادة لها لا توازيها سعادة.

 

وقالت الكاتبة الانجليزية (اللادي كوك) في جريدة (الايكو): إن الاختلاط يألفه الرجال، ولهذا طمعت المرأة بما يخالف فطرتها، وعلى قدر كثرة الاختلاط تكون كثرة أولاد الزنا، وهنا البلاء العظيم على المرأة، ثم قالت: أما آن لنا أن نبحث عما يخفف هذه المصائب العائدة بالعار على المدينة الغربية؟ أما آن لنا أن نتخذ طرقاً تمنع قتل ألوف الآلاف من الأطفال الذين لا ذنب لهم، بل الذنب على الرجل الذي أغرق المرأة المجبولة على رقة القلب.

 

ثم قالت: يا أيها الوالدان لا يغرنكما بعض دريهمات تكسبها بناتكما، باشتغالهن في المعامل ونحوها، ومصيرهن إلى ما ذكرنا، علموهن الابتعاد عن الرجال، أخبروهن بعاقبة الكيد الكاين لهن بالمرصاد، لقد دلنا الإحصاء على أن البلاء الناتج من حمل الزنا يعظم ويتفاقم، حيث يكثر اختلاط النساء بالرجال، ألم تروا أن أكثر أمهات أولاد الزنا من المشتغلات في المعامل، والخادمات في البيوت، وكثير من السيدات المعرضات للأنظار، ولولا الأطباء الذين يعطون الأدوية للإسقاط لرأينا أضعاف ما نرى الآن، لقد أدت بنا هذه الحال إلى حدٍ من الدناءة لم يكن تصورها في الإمكان، وهذا غاية الهبوط بالمدنية.

 

والأقوال التي يمكن الاستشهاد بها عن هؤلاء الغربيين كثيرة، لا نطيل بذكرها، غير أنها تبين لنا أن الخطر الذي يحدق اليوم بالحضارة الغربية، كما أحدق من قبل بالحضارتين اليونانية والرومانية، نتيجة تبرج المرأة واختلاطها الفاحش بالرجال، سيحدق بنا نحن أيضاً مع فارق واضح، وهو أن هذه الحضارات التي كان تبرج المرأة مرضاً من أمراضها القاضية عليها، قد بلغ أصحابها ذروة الحضارة عندهم، بينما يحدق بنا الخطر ونحن في أول الطريق نحو النهوض والتقدم، ومن العجيب أن يريد لنا بعض الناس أن نبدأ من حيث انتهى غيرنا، وأن نساير الغربيين في أمر بدأوا يعلنون أنه سيقضي على حضارتهم، وليس للأمة والله مصلحة في استجلاب هذا الخطر إلى بيوتها وأسرها، وهي هانئة تنعم بالاستقرار والتماسك، فعسى أن لا نكون من الذين بدلوا نعمة الله كفراً وأحلوا قومهم دار البوار، وعسى أن لا يصدق علينا قول الله - تعالى -: ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)) (الرعد: 11).

وقوله:((ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) (الروم: 41).

 

http://islamlight.net                    المصدر: