رمضان .. محطة للتزود الخيري هل تستمر طوال العالم ؟
ها هو الشهر الكريم المبارك، قد رحل.. والسعيد فيه من غنم الخير، والشقي من حرم الأجر، خاصة أننا في زمن يستهلك الإيمان استهلاكاً بلا حدود، القابض فيه على دينه كالقابض على الجمر، مما يفرض على المسلم الأخذ بكل أسباب الإنتاج الإيماني ليعوض ما يفقده، ولا يصيبه الخسران المبين.
يشهد هذا العصر استهلاكاً إيمانياً مريعاً من شأنه أن يدفع بالكثير من المسلمين إلى هاوية الإفلاس الإيماني {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات} [مريم: 59]، "خير القرون".
كل ما حولنا يصرفنا عن الله ويغرينا بالدنيا وشهواتها، {زين للناس حب الشهوات} [آل عمران: 14]، (حفت الجنة بالمكاره).
قوارض الإيمان
هنا أكتفي بعرض أنموذج بسيط حول عملية الاستهلاك الإيماني في زحمة من المواقع الاستهلاكية التي لا تبقي ولا تذر:
أمامي نشرة أسبوعية مجانية تقع في نحو أربعين صفحة كل صفحة فيها تمتلئ بعشرات الدعوات والدعايات التي تستهلك الإيمان والأخلاق والوقت والمال ولا تترك للإنسان فرصة للتنفس الإيماني السليم.
فهذه دعوة إلى تنحيف الأجساد، واستيراد الخادمات والحاضنات تتناسب مع جميع الأذواق والميزانيات، وعرض لمقاعد بكبسة زر يساعدك على النهوض، وعرض لمعالجة الصلع، أو إزالة الشعر نهائياً عن الأجساد وإلى الأبد وعروض لا تُعد في عالم التجميل، وعروض لعلاجات متنوعة للقضاء على الضعف والفشل الجنسي، والتجربة أكبر برهان، وعروض لرفع الصدر وتنحيف الخصر والوشم وتغيير خلق الله، ناهيك عن عروض بيع السيارات والمفروشات والأدوات الكهربائية والكمبيوترات والفيلات والشقق والشاليهات، يرافق ذلك كله عروض سخية بالبيع المقسط يمكن أن يستهلك عمر الإنسان، يُضاف إليها تنافس في عروض المطاعم وحفلات الطرب والرقص وما يمنع الحياء ذكره.
هذه مفردة صغيرة ومحدودة من وسائل استهلاك الإيمان.. يُضاف إليها عالم الإنترنت والفضائيات، وكل ما تمخض عنه العقل البشري، ووضع في خدمة الشيطان.. فماذا يتبقى بعد ذلك؟
هل يتبقى وقت؟ هل يتبقى جهد؟ هل يتبقى عقل؟ هل يتبقى مال؟ هل يتبقى دين؟ هل تتبقى أخلاق؟
النتيجة: ضياع العمر، وسوء المصير.
كيف نواجه هذا الكم من قوارض الإيمان؟
لابد من مشاريع إنتاجية للإيمان تغالب الاستهلاك وتغلبه.
إن ذلك يحتاج إلى قوة إرادة وعزيمة وصبر ومجاهدة نفس ومغالبة هوى لا تفتر ولا تتوقف.
إنه يحتاج إلى إنماء إيماني يماثل حجم الاستهلاك الإيماني على الأقل.
وشهر رمضان كان محطة التزود والإنتاج الكبرى، فهل اهتبلنا الفرصة وجعلنا منها زاداً مستمراً طوال العام؟
لقد اختص الله شهر رمضان بكل ما تحتاجه رحلة المسلم من محطات التزود الخيري والإنتاج الإيماني، وهذا سر قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لو أدركت أمتي ما في رمضان من خير لتمنت أن تكون السنة كلها رمضان).
ومن هنا نفهم أبعاد قوله - صلى الله عليه وسلم -: (بعد من أدرك رمضان ولم يغفر له).
المحطات الرمضانية
محطة الصوم: "لبناء الإرادة"، "أديمي يا عائشة قرع باب الجنة بالجوع".
"الامتناع عن: الطعام والشهوة والغضب".
محطة التقوى:
"لبناء الولاء" {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، و (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يكره أن يعود إلى الكفر كما يكره أن يُقذف في النار) نتيجة ذلك عاجلاً: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2، 3]، وآجلاً: {إن المتقين في جنات ونهر} [القمر: 54]، {في جنات وعيون} [الذاريات: 15] {وأزلفت الجنة للمتقين} [ق: 31].
محطة الرحمة:
"لبناء الحس العام" في الحديث النبوي: (رمضان أوله رحمة)، (الراحمون يرحمهم الرحمن)، (من أُعطي حظه من الرفق فقد أُعطي حظه من الخير، ومن حُرم حظه من الرفق فقد حُرم حظه من الخير) [الترمذي].
محطة المغفرة:
"لبناء الشفافية" في الحديث النبوي: (رمضان أوسطه مغفرة)، (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه)، (أتاكم شهر رمضان شهر بركة يغشاكم الله فيه، فينزِّل الرحمة، ويحط الخطايا، ويستجيب الدعاء، فينظر الله - تعالى -إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حُرم فيه رحمة الله) [للطبراني].
محطة العتق من النار:
"لبناء الأمل": (إن لله عند كل فطر عتقاء، وذلك في كل ليلة).
المحطة القرآنية:
"لبناء الشخصية والمنهجية" الحديث النبوي: (تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما؛ كتاب الله وسنتي)، (اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه)، (حامل القرآن حامل راية الإسلام، من أكرمه أكرمه الله، ومن أهانه فعليه لعنة الله)، (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه)، (رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه).
المحطة العبادية:
"لبناء الصلة الربانية": و"الصلوات الخمس" مع "السنن الراتبة": "صلاة الضحى" و"قيام الليل" و"التراويح" و"الدعاء".
المحطة الجهادية:
"لبناء الاستعلاء الإيماني والحس التدافعي" ومن ذلك:
جهاد النفس: مجاهدة العبد هواه.
جهاد المال: لقوله - تعالى -: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} [الأنفال: 3].
الجهاد الاجتماعي: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته)، (الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد)، (إن الصائم تستغفر عظامه وتستغفر له ما أُكل عنده) رواه ابن ماجه.
(الصائم إذا أُكل عنده صلت عليه الملائكة).
الجهاد السياسي:
"بناء الحسبة" في الحديث النبوي: (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر)، (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان)، (لا تزال لا إله إلا الله تنفع من قالها وتصرف عنه العذاب والنقمة ما لم يستخف بها. قيل وما الاستخفاف بها يا رسول الله؟ قال: يظهر العمل بمساخط الله فلا ينكر ولا يغير)، (إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالم يا ظالم فقد تُودِّع منها)، (الساكت عن الحق شيطان أخرس).
وتذكروا أنه في رمضان تم هدم أكبر الأصنام: اللات ومناة. كما هُدم مسجد الضرار.
الجهاد العسكري: "معركة بدر"، "فتح مكة" "فتوحات اليمن في السنة العاشرة للهجرة"، "انتصارات صلاح الدين على الصليبيين 584هجرية"... إلخ.
المحطة الصحية والطبية:
"بناء القوة الجسدية والنفسية" الحديث النبوي: (صوموا تصحوا)، (المعدة بيت الداء والحمية رأس كل دواء)، إنه "الريجيم الرباني"!.
هنا أنقل ما سمعته شخصياً من السيد كراين مدير الأمن القومي في عهد نيكسون الذي اعتنق الإسلام، وكان مصاباً بمرض الصداع النصفي المزمن "ميجر بان" ولقد تحقق شفاؤه بإذن الله بالصوم، وذلك خلال زيارته إلى دار الإفتاء في دمشق لسنتين خلتا".
المحطة الأخيرة "الجائزة" "لإحياء سنة الثواب والعقاب":
يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا كان يوم الفطر، هبطت الملائكة إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك، ينادون: يا أمة محمد: اخرجوا إلى رب كريم، يعطي الجزيل، ويغفر الذنب العظيم. فإذا برزوا إلى مصلاهم، يقول الله - عز وجل - لملائكته: يا ملائكتي ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيدنا، توفيه أجره. فيقول: إني أشهدكم أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، انصرفوا مغفوراً لكم).
أخيراً: المسلمون مدعوون في كل حين، وليس في رمضان فقط إلى تفعيل كل وسائل الإنتاج الإيماني وما أكثرها مصداقاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن لله في أرضه لنفحات ألا فتعرضوا لها" وقوله: "ألا إن لله معارج على قدر أنفاس الخلائق"، فالصلاة معراج والصوم معراج، والحج معراج، وقراءة القرآن معراج، وكل أعمال الخير معارج.
فهل نحن على مستوى العروج، وعلى استعداد لذلك؟
أسأل الله أن نكون كذلك..