رمضان بين آلامنا وآمالنا
د. علي بن عمر بادحدح
الخطبة الأولى:
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون
غدا أو بعد غد يهل علينا شهر رمضان المبارك، يهل هلاله وتظهر أنواره، وتعم خيراته وتعظم بركاته، وما من شك أن الحديث في مثل هذا الزمان والمقام لا يمكن أن يبارح الحديث عن رمضان، وما فيه مما تتعلق به قلوب أهل الإيمان، من صلة مخصوصة بالقرآن، ومن مضاعفة للأجور، ومن خيرات وبركات كثيرة، غير أننا لا بد أن نلتفت إلى الجانب الآخر، ونرى في مقابل تلك الآمال آلاماً، من صورٍ كثيرة فيها خلل وانحراف وتقصير وتفريط، ومن صور أخرى فيها ضعف وذل وهزيمة وهوان.
فلئن أردنا أن نتحدث عن الجانب الأول الذي تنتظرون سماعه، والذي ربما تعودتم على تكراره، وربما لا أبالغ إن قلت إنكم تحفظون كثيرا من مفرداته ونصوصه، أقول لئن تحدثنا في هذا فلا بد أن نتحدث في ذاك، فرمضان بين آمالنا وآلامنا، لا ينفك هذا عن ذاك، ولا يمكن فصل الواقع الذي نريده جميلاً بديعاً عن الحقيقة التي نراها مُرة أو سوداء شوهاء، ومن هنا فحديثنا بين هذا وذاك، حتى نكون على بينة من الأمر، وعلى معاصرة للواقع وعلى استعداد لما ينبغي له هذا وذاك، نحن نترقب هذا الشهر الكريم الذي مبدأه بالنسبة لنا حمد وسعادة، حمد لله على نعمته بهذه الفريضة العظيمة، إذ ما من موسم فضل في الزمان ممتد كامتداد رمضان، فثمة عشر ذي الحجة، أو أيام هنا وهناك من الفضائل الكثيرة، غير أنه ليست هناك مدة شهر كامل، ثلاثون يوما أو دونها بأيامها ولياليها، يخصها فضل عظيم وخير عميم وبركات تتكاثر، وفضائل تتوالى مما يجعل المرء يشعر بنعمة الله ومنته - سبحانه وتعالى - علينا معاشر المسلمين.
إذا تدنسانا جاءت مواسم الطهارة، وإذا قصرنا جاءت مواسم العبادة، وإذا غفلنا جاءت مواسم الذكرى، تلك هي النعمة التي يسوقها الله - سبحانه وتعالى - إلينا، يفيض فيها علينا ثوابا لا حصر له ولا عد، (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) (1)، (من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) (2).
وهكذا وهكذا جاءت نصوص كثيرة، ترى صوراً عجيبة جميلة مشرقة محببة إلى النفوس، تزرع في نفوسنا كثيرا من الأمل العظيم في أمتنا وفي الخير الباقي فيها إلى قيام الساعة، يوم ترى المساجد ملئا، والمصاحف آناء الليل والنهار تُتلى، يوم ترى العبرات وتسمع الدعوات، يوم ترى الأموال التي تنفق، والأرحام التي توصل، يوم ترى شيئا من إشراقة الإيمان ليس في القلوب بل على قسمات الوجوه، بل وكذلك في كلمات الألسن، بل وكذلك في بذل الأيدي، يوم نرى المسلمين وقد جددوا إيمانهم، وأحيوا وقووا بالله - عز وجل - صلتهم، ونرى الخصائص العظيمة التي تحض وتحث على ذلك، فملائكة الله للصائمين تستغفر، والشياطين التي توسوس تُصفّد، وأبواب الجنان تستشرف وتفتح، وأبواب النيران توصد وتغلق، وترى روائح مستطابة في خلوف فم الصائم، وترى دعوات مستجابة للصائم حتى يفطر، ترى صوراً عظيمة كلها يبعث السعادة في القلوب، ويهيج الأشواق إلى هذا الشهر الكريم.
ومن بعد ذلك ننتقل إلى صفحة أخرى لازمة وواجبة وهي الشكر والزيادة، فلئن ساق الله لنا الفضل فماذا نفعل به، ولئن هيأ لنا أسباب الأجر، فما نحن فاعلون في أسبابها وأعمالها، ولئن حجزت وصفدت مردة الشياطين فما بال شياطين الإنس وغير ذلك، من هذا الحمد وتلك السعادة نستوجب الشكر لطلب الزيادة {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7].
ونحن نعلم تماما أن هذا الشكر له ضريبة في النية والقلب، وفي اللسان والقول، وفي الجوارح والأعمال {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13].
أول ذلك: النية والعزم: لتكن لنا نية خالصة، أن نغتم الموسم، وأن نحرص على أن يكون موسماً نخرج منه بمغفرة تامة ورضوان من الله - عز وجل - عظيم، واستحقاق من فضل الله - عز وجل - ونعمته ورحمته لدخول جنته، لتكن لدينا عزيمة ماضية، أن نبدأ شهرنا وأن نستمر فيه، وأن نصل إلى ختامه بتلك النية الصادقة المرادفة للعزيمة الماضية بلا كسل ولا توان ولا تفريط ولا تضييع ولا تقاعس ولا تأخر، كما قد نرى في صور أخرى، ثم لا بد من الإعداد والاستعداد، ليس بشراء أنواع الأطعمة والأشربة التي تعرفونها، فبئس الاستعداد ذاك، لأن رمضان شهر للصوم وقلة الشراب والطعام، فما بالنا نجعله لعكس ذلك، ورمضان للخفة والنشاط فما بالنا نجعله للكسل والنوم، ورمضان لأشياء وأشياء ونحن ربما نستعد له بعكسه وبضده، وبما يخالف حكمته ويعارض مقصده ويضيع فائدته وثمرته، نسأل الله - عز وجل - السلامة من ذلك.
الاستعداد على المستوى الشخصي بالتوبة والأوبة لله - عز وجل -، بالاستغفار والتهيؤ لدخول الشهر بنوع من الطهارة المعنوية مع الطهارة الحسية، كأنما هو ضيف مقبل، ألا يستحق أن نتطهر أن نتزين بأحسن الأزياء، أن نتعطر ونحن نستقبله، ما عطرنا ما حليتنا، ما طهارتنا، استغفار وتوبة، ومبادرة إلى الطاعات، نتحلى بها، نتجمل بها، تظهر بها علينا آثار الخير والصلاح بإذن الله - عز وجل -.
وعلى المستوى المنزلي كذلك، بماذا تستعد البيوت، تستعد بأمور كثيرة في كثير منها ليست بمفيدة ونافعة، استعد لأن تهيئ أهل البيت بأمور كثيرة، أحضروا المصاحف خصصوا مكاناً في الصالة للتلاوة بين الأبناء والبنات، للتذكير بهذا، أعدّ كتابا من السنة أو من التفسير ليقرأ منه صفحة أو صفحات قبيل المغرب أو بعد الفطور بدل المسلسلات، هيئ نفسك وأهلك ليكون الشهر شهر أنوار وأذكار وتلاوات ودعوات وصلوات، وليس على غير ذلك.
ثم هيئ نفسك أيضا في المجتمع المحيط، مجتمع المسجد والجيران بماذا تتفقدهم وأي شيء ترسل إليهم، ليتك أخذت شريطاً أو كتاباً، أهديت هذا أو ذكرت ذاك، ليتك تجتمع مع أهل حيك في المسجد أو في بيت من البيوت ولو مرة في الشهر تفطرون سوياً توطدون العلائق والصلات، لما لا نجعل الاستعداد في المصب الذي يعظم النفع والفائدة الذي يحقق المنافع والمقاصد، وذلك ما ينبغي أن نكون عليه.
ثم المقاطعة والمدافعة، لا بد من مقاطعة للآثام والذنوب والعوائد التي فيها ما فيها من ارتكاب المحرمات، من مجالس الغيبة والنميمة، ومجالس الدخان والشيشة، ومجالس الطرب والسهر، هذه التي يعدها بعض الناس لرمضان، خيام كما يقولون رمضانية، في بعض البقاع والبلاد هنا وهناك، وتجمعات أقرب ما تكون إلى البعد والمعارضة لحقيقة وجوهر هذا الشهر وتلك الفريضة، أقول المقاطعة ينبغي أن تكون قوية حاسمة، وإلا فإن المعركة إما أن تكون خاسرة وإما أن تكون جولات وجولات، وكأننا نظمن أن يكون شهرنا متكرراً في كل عام ونحن باقون له، وينبغي أن يكون تفكيرنا أن يكون هذا الشهر آخر شهر قد ندركه في حياتنا، لأن أحد لا يضمن لا أقول عوداً إلى رمضان، بل لا يضمن غده، فكيف يفرط في هذه الأيام وهذا الشهر، ويقول لعلنا نعوض من بعد، وهكذا المدافعة لكل الجوانب المثبطة والمقعدة والمشغلة والملهية، ينبغي أن تدفعها، ينبغي أن تمنعها، ينبغي أن توصد الأبواب في وجها، لماذا تقضي أحسن الأوقات في يومك وليلتك، في وقت ما بين العصر والمغرب، في وقت ما قبل الإفطار وقت إجابة الدعاء، تقضيه وأنت في الطوابير تشتري الفول أو الخبز أو غير ذلك، لماذا لا تجعل المدافعة للعوائد التي تعودناها سيئة بحيث نغيرها؟ لماذا تسهر الليل في غير طائل؟ وتنام النهار في تضييع وقت؟ لماذا لا نعلن مقاطعة حقيقية ومدافعة قوية لكل صارف يصرف عن الطاعات، ويشغل بهذه الملهيات؟
وهكذا نستعد كذلك بكل ما نملك وبكل ما نستطيع، لندخل ميدان رمضان في ميدان المنافسة في البذل والصلة والعطاء، سواء كان بذلاً من الأموال زكاة أو صدقة أو بذلاً من سماحة النفس زيارة وصلة وإهداء وغير ذلك، ثم نربط بين العلم والعمل، لم لا نهيئ أنفسنا لمزيد من الأوقات نخصصها نعيش فيها مع تفسير كتاب الله، مع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، نستمع إلى المواعظ والدروس، نخف إلى المساجد، نبقى في رحابها، نقضي الأوقات في ظلالها، نعيش هذه الأوقات ونحن نزداد علماً وكلما علمنا عملنا حتى يتحقق لنا ما نصبوا إليه وما نرجوه فإن الآمال لا تتحقق إلا بالأعمال، وإن الأمنيات بضاعة الحمقى يتمنون ثم لا يعملون، فلا يلقون شيئا إلا كما يقبض الإنسان على الهواء، لا يخرج في يده بشيء لأنه فعلاً ليس هناك شيء إلا بجهد وبذل، والله - سبحانه وتعالى - قد نادنا {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105].
وهذه صفحات من الآمال، نبثها نشيعها، نحظ عليها، ننشرها فيما بيننا، نتواصى بها في مجالسنا لعلنا ندخل شهرنا بشيء من القوة والعزيمة على الخير، ومن الشدة والصرامة على الشر، حتى تفتح الأبواب ويمهد الطريق ويسهل المسير، وتزداد الأشواق وتعظم الهمة ويتضاعف العمل، وتزداد الأجور، ونختم بإذن الله - عز وجل - بموعود الله - عز وجل - بالعتق من النيران، وباستحقاق الجنان، بفضل الرحيم الرحمن - سبحانه وتعالى -.
غير أن هذه الصفحات وحدها لا تكفي، وقد سمعتموها وستسمعونها وتقرؤونها وتسمعونها مراراً وتكراراً، فنحن نريد أن ننظر أيضا إلى صفحات أخرى وكل ما ذكرناه من الفضل والنعمة ينبغي أن نستشعره استشعاراً حقيقياً، فكم من الناس قد ماتوا وعشت؟ وكم من الناس قد مرضوا وسلمت؟ وكم من الناس قد سجنوا وأسروا وأطلقت؟ ما زالت الفرصة متاحة لك، فلئن ضيعتها فلربما تعض أصابع الندم في وقت لا ينفع الندم.
وأنتقل إلى القهر والعدوان، أنتقل إلى واقع أمتنا، عندما يأتينا هذه الشهر ونتذكر ما مضى في عام سابق وقبله ما الذي نراه، عراق تجري دماءه وتغتصب نساءه، وتنتهب ثرواته، وتدمر كل مقوماته، وماذا يجري؟ نجد الأمور ما تزال في مسار تحكم فيه الأعداء وتخلى فيه الأولياء والأصدقاء، بل ربما كانت سهامهم تضرب في ذات الجسد مع سهام العدو إلا ما رحم الله.
وننظر إلى أفغانستان، وقد تاهت وجهتها وظل في خضم كل تلك المعاني والعظائم والفظائع كل ما يمكن أن يعيد لها صبغتها أو أمنها أو هدوءها.
وأما إذا جئنا إلى القلب من أمتنا الإسلامية إلى الجرح الدامي إلى أرض فلسطين إلى مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إلى الأقصى إلى بيت المقدس، إلى منبر صلاح الدين، إلى كل هذه المآثر والمآسي، فإننا نحتاج أن ننظر إلى رمضان نظرة أخرى، لعلنا نستحضر أو نستشعر معاني ماضية في الواقع الإسلامي من العز والنصر، بدل الذل والقهر، نستعيد بدراً ونَمرُّ على فتح الأندلس ونقف عند الزلاقة، ونتملى في قوة الإيمان في عين جالوت ونعيش هذه الأجواء لنرى ما نحن فيه اليوم مما يدمى له القلب ويأسف له المسلم المؤمن، ويرى ما يرى من أعظم الفظائع التي لا يمكن أن نكون قد مررنا بها أو نمر بها دون هذه الوقفات.
لا أقول هذا من أجل الحديث عن العدوان والأعداء، فإنهم معلوم أنهم يسعون لقتلنا وإزهاق أرواحنا ونهب ثرواتنا، وتدمير جميع مقوماتنا، لكنني أنظر اليوم نظرة أشد ألماً وأعظم حزناً، عندما أنظر إلى جماهير أمتنا وهي تقف موقف المتفرج، كأنما لا يعنيها شيء، بل ربما ترى من ينظر شامتاً أو متبسماً، بل هناك ما هو أنكى وأشد وأقسى من ذلك كله، يوم ترى من نعلم يقينا ونعرف حقيقة أنهم مع الأعداء ضد أبناء الأمة وضد دينها، وضد أمنها وأمانها، ذلكم لا يحتاج إلى برهان، نحن نرى فيما نرى ونسمع فيما نسمع من الأخبار والتحليلات واتجاهات كثير من الساسة ونشرات كثير من الدول وهي تريد من المظلوم أن يسجد لظالمه، وأن يشكره على ما يمن به عليه من قهر وأسر وجور وظلم، وأن يسكت لأنه لو تكلم لكان من الإرهابيين المعتدين الذين يثيرون الرعب والعنف ويروجونه في العالم.
ألسنا اليوم محتاجين إلى أن نتذكر عندما نجتمع على مائدة الإفطار نحن ومعنا الزوجات والأبناء والبنات، ألسنا معنيين أن نتذكر عشرة آلاف أسير من إخواننا الفلسطينيين والفلسطينيات في سجون اليهود الغاصبين عليهم لعائن الله؟ ألسنا معنيين بأمة وشعب كامل محاصر لأكثر من نصف عام بكل أنواع الحصار الظالم الجائر؟ ألسنا معنيين بالموت الذي لا يتوقف حتى في رمضان؟ فلن يمر يوم، وأخبركم بهذا لأن الواقع يشهد به، لن يمر يوم من رمضان، إلا وأنتم تسمعون أرواحا تزهق في العراق وفي أفغانستان وفي فلسطين وفي غيرها، ونحن نستكثر من طعامنا وشرابنا، ونمضي مع لهونا وغفلتنا، أليس هذا من الألم الذي يعتصر النفوس حزنا على حال أمتنا؟ وليس هذا كلاماً عاماً، إنه يتعلق بي وبك، فنحن جزء من هذه الأمة، ومشكلاتنا ومشاعرنا ليست على النحو المطلوب، ليست على القدر الذي يريده الله - عز وجل - منا، نحن أمة واحدة {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} [المؤمنون: 52].
أين وحدة أمتنا؟ ألسنا نسمع الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المؤمنون تكافأ دماءهم، وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم..) (3) رواه النسائي في سننه من حديث علي وغيره من روايات أخرى عن ابن عباس وغيره.
(المؤمنون تكافأ دماءهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم) أين هذه الصورة أين هذه الأمة التي وإن امتدت شرقا وغربا، وإن كانت في الصين شرقا، وفي موريتانيا غربا فهي أمة واحدة، هذا الحديث قال فيه أبو عبيدة: "أي المسلمون لا يسعهم التخاذل بل يعاون بعضهم بعضا على جميع الأديان والملل"
وقال الخطابي:
"معنى اليد المظاهرة والمعاونة إذا استنفروا وجب عليهم النفير، وإذا استنجدوا أنجدوا ولم يتخلفوا ولم يتخاذلوا"، وقال ابن الأثير: "أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل، بل يعاون بعضهم بعضاً كأنه جعل أيديهم يداً واحدة، وفعلهم فعلاً واحد" فهل نحن كذلك، ألا نسمع الحديث في الصحيح: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره) (4) قال النووي في شرحه: "قال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر، ومعناه أنه إذا وقع به ما يحتاج إلى النصر نصره".
وهكذا نرى الصور في القهر والعدوان، لا تبقى في هذا الإطار، بل تتجاوزه إلى صور كثيرة سمعتموها وعلمت عنها، ليس آخرها قول البابا المأفون فيما تكلم به واجترأ به على سيد الخلق - صلى الله عليه وسلم -، وليس ما جاء بعده فيما كتب في صحيفة فرنسية، وليس ما سبقه من كاريكتورات دنمركية، ماذا دهى الأمة حتى صارت هينة؟ كل ساقط ولقيط ودعي وبغي يعتدي عليها لأنه لا يرى لها جناباً يُرهب، ولا قوة تُهاب، ولذلك ضاعت هيبتنا وصرنا في هذه الحال نحتاج إلى أن ندرك واقعنا بكل آلامه ومخازيه ومآفيه؛ حتى لا نعيش فرحين بمجرد الطاعات وحدها، إذا ختمنا خمس ختمات أو ثلاث أو واحدة، كأنما فتحنا البلاد وطهرناها من الأنجاس والأرجاس، نعم تلك عبادات مطلوبة، وذلك نصر مرغوب، وهذه مسيرة محبوبة، غير أنها لا تكفي وحدها أم نظن أننا قد أدينا واجباتنا، وأن نشعر بالرضا التام عن نفوسنا، وأن ندرك أو نتوهم أننا قد خدمنا أمتنا وأدينا واجبنا ونحن لم نصنع من ذلك شيئاً، أين استشعارنا لمسئوليتنا تجاه اعتداء العدوان على ديننا؟ أين استشعارنا لمسئوليتنا تجاه احتلال أراضي الإسلام وما يتعرض له إخواننا وأخواتنا؟ أين دعاءنا؟ أين دموعنا؟ أين تذكيرنا؟ أين دعوتنا؟ أين بذلنا وإنفاقنا؟ أين كل وسيلة يمكن أن نؤديها ونقوم بها فإن قصرنا فنحن بين يدي الله مسئولون (لن تزولا قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع-.... ) (5) وأنتم تعرفون {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 36]، كل واحد سيسأل بحسبه، لا تقل إن المسئولية على العلماء وحدهم، ولا على الحكام وحدهم، ولئن قصر هؤلاء وهؤلاء، فإن كل أحد في رقبته أمانة وفي عنقه واجب.
ويوم توفي المصطفى - صلى الله عليه وسلم - وامتنع من امتنع عن أداء الزكاة، وارتد من ارتد عن الإسلام، وكان الأمر في غاية الشدة والصعوبة والاضطراب، وجاء الفاروق عمر يخاطب الصديق أبا بكر - رضي الله عنه -: "أرفق بالناس وتألف قلوبهم" فيضرب أبو بكر على صدره "أواه يا عمر رجوت نصرتك فجئتني بخذلانك، أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام يا عمر، والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتلتهم ولو كنت وحدي".
المسئولية ستكون كل يقف بين يدي الله، لا يعذر بكل إمكانية كانت عنده ولو بكلمة كان يستطيع أن يقولها فكتمها، ولو بدرهم كان يستطيع أن ينفقه ويوصله فأخره، ولو بانتصار وغضب في مجلس يعبر فيه عن الحق ويبطل الباطل، لو أن كل منا تحول لساناً ناطقاً وقلباً متحرقاً ويداً باذلة لكان حال أمتنا على غير ذلك.
نسأل الله - عز وجل - أن يهل علينا هلال رمضان بالأمن والإيمان والسلم والإسلام والقوة والعزة والنصر والتمكين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول واستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
أما بعد معاشر الأخوة المؤمنون:
ويهل علينا بإذن الله - عز وجل - موسم التقوى الأطول في مسيرة أو في أيام عامنا، كما نعلم من قوله-جل وعلا-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
وأختم بصفحة أمل مرة أخرى، لا تتعلق بالواقع البعيد عنا، بل تتعلق بالأحوال المختصة بنا، صفحة من الهزيمة والاندحار في زمن وموسم النصر والانتصار، نحن في موسم فيه أسلحة رمضانية عظيمة، سلاح الإيمان الذي نعرف قوته يزداد بالطاعات في رمضان:
- سلاح القرآن الذي يحفظ المسلم ويقيه ويبصره ويرشده، تزداد الصلة به في رمضان.
- سلاح الدعاء، دعوة عند الإفطار، دعوات في الثلث الأخير من الليل، عند الاستغفار بالأسحار.
- سلاح عظيم فيه التجاء إلى رب الأرض والسماء.
- سلاح الإنفاق اتقوا النار ولو بشق تمرة.
أمور كثيرة وأعمال عظيمة كلها تجعل المسلم منتصراً على نفسه وهواها، على شيطانه ووسواسه، على ضعفه وعجزه ومع ذلك للأسف الشديد نرى في أحوال أمتنا ما يكرس الاندحار في زمن الانتصار، كم نرى من صور كثيرة منها المجاهرة بالمعاصي التي تزداد وللأسف عاماً بعد عام، فكم نرى من مفطرين ومفرطين، وكم نرى من مقيمين على المعاصي والآثام لا يتخفون بها بل تعلن في ساحاتنا وعلى شواطئنا وغير ذلك مما تعلمون ونعلم.
والإسراف والتبذير والشراء المهول الذي يتعاظم فيه الإنفاق مع ما نعلم من الإهدار، مع ما قلته من قبل عن أحوال أمتنا وإخواننا هنا وهناك.
وأشد من هذا وأنكى اللهو والترفيه والعبث، ورأيت فيما رأيت في نشرة كأنما حوار بين إبليس وبين مدير من مدراء القنوات الفضائية، وكأن إبليس يقول نحن في رمضان ستصفد شياطيننا فيقول لا، لا يهمك، قد أعددنا كذا من المسلسلات وكذا من الأغنيات وكذا من المسابقات، ونحن على قدم المسئولية فاطمئن واهدأ فسنقوم بالواجب عنك، واحسب أن هذا القول بالنسبة لي يعتبر صحيحاً مائة بالمائة، وأكثر من هذه النسبة إن جاز فعلها كما يفعلون في نسب الانتخابات لأن واقع هذا الذي يقدم في الفضائيات هو إلغاء لكل الحِكم في هذه العبادة، ولكل الآثار النافعة فيها، فإذا كانت ذكراً كانت هذه غفلة، وإذا كانت هذه ترفعاً كانت هذه تسفلاً، وإذا كانت هذه غض للأبصار فتلك إثارة للشهوات كما تعلمون ونعلم، ولكن من الذي يروج لهم، من الذي يساعدهم، أنا وأنت نحن نفتح هذه الشاشات، والتجار يبثون فيها الدعايات، نحن الذين نعطيهم الأموال ليبثوا إلينا تلك السموم، لماذا نفتحها؟ لماذا نشاهدها؟ لماذا نجتمع حولها؟ هل سيبطل صيامنا إذا لم نكتب تلك المسابقات؟ وليتها مسابقات لا بد أن تكون مسابقات مغناة برقص وباختلاط وبفساد وفجور لا تجد السؤال فيها إلا بأقل من عشرة بالمائة من وقت هذا البرنامج الذي يقولون إن فيه كذا وكذا، إنهم يقولون للمسلمين إن شهركم هذا ممل فنحن سنسليكم، إنه شهر ثقيل، فنحن سنخفف عنكم، إنه شهر ستتعبون فيه من صيام أو قيام فتعالوا بشيء من الكسل والخدر والترفه حتى لا يبقى أثر لآية من قرآن في قلوبكم، ولا أثر لدعوة ولا سجدة في صلاتكم، كأنما ينسخون ذلك كله على كل واحد منه بنيته ما يستحق من الله - عز وجل -، لأن هذا الفساد من الفساد الذي يعم ولا يخص، وأثره نسأل الله - عز وجل - السلامة يوشك أن لا يسلم منه أحد.
وأخيرا وليس آخرا، التجارة والتسوق والصفق بالأسواق واللهو فيه الذي يزداد من أول الشهر إلى آخره، حتى إذا بلغنا العشر الأواخر، عشر العبادة والتهجد كانت عند كثير من الناس عشر التنزه والتسوق نسأل الله - عز وجل - أن لا يسلك بنا سبيل المفرطين ولا سبيل الغافلين، نسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يجعلنا في هذا الشهر الكريم من الصائمين القائمين الخالصين المخلصين الباذلين المنفقين الراكعين الساجدين التالين الداعين.
---------
(1) رواه البخاري. رقم الحديث: [37]. ومسلم [1268]
(2) رواه البخاري. رقم الحديث: [36]. ومسلم [1266]
(3) رواه النسائي. رقم الحديث: [4653]. وأبو داود [3927]. والإمام أحمد [944]
(4) رواه مسلم. رقم الحديث: [4650]
(5) رواه الترمذي. رقم الحديث:[2341].