العيد .. قادم عمت بشائره !
سلمان العنزي
ها نحن نقف على مرفأ العمر نودع الشهر الكريم، وقد أخذ يجمع ما حصله في كتاب لا يفتح إلا يوم يجازى الناس بأعمالهم، والناس في حالات تناسب ما قدموا في الأيام الطاهرة، فمنهم التقي الوضاء القلب المشرق النفس يتقلب في أفياء أعماله ويمرح في بستان إيمانه يستقبل الناس في العيد كما تستقبل الشمس الدافئة في اليوم الشاتي وجوه قوم كدهم رهق العيش فيحتضن هذا، ويسلم على ذاك ويبش في وجه ذلك، فالناس عنده بمقام واحد لأن قلبه لم تدخله بلدية الحياة بتقسيمها الفاسد، فشيء لأصحاب المقامات وآخر للأقارب، وثالث للأصفياء وما فضل من الدرك الأسفل من القلب فللبوساء من سابلة الطريق، لقد بسطت أرض قلبه وحرثت وبذرت بنوازع الإيمان فأثمر أطايب الأقوال والأفعال وجعلها من نصيب أهل الإسلام تكون بردا وسلاما على قلوبهم النقية..
ومنهم من خلط عملا صالحا وآخر سيئا، تتنازعه أهواء نفسه وأشواق روحه، ومطالبه الأرضية وأمانيه العلوية، فيمتد إلى أن يلامس النجوم بقامته ثم يصغر حتى يندس في تراب الحياة، يلقى الناس بوجه سمح تبرق فيه مخايل الفرح وما هو إلا أن يختلط ويتكلم حتى يعود إلى السكون والهمود، وتعتريه سحابة من الهم الأسود تبعثر أفراح العيد وتصنع في قلبه مناحة الفاجعة..
ومنهم من أعرض ونأى بنفسه عن أضواء السعادة ولمسات الطهر وتحبير القرآن ورضي بالظلام يتسقطه في النور يصنع منه حلة يتدثر بها ليخفي ما اجترحته يده، ويواري ما صنعته نفسه، ولا يبرح مكانه حتى تسمع منه أنات العاني، ونشجات الباكي، وخلجات النادم، فحياته صراع أوقدت أتونه الشهوات، وأيامه ممتلئة بالفراغ الأسود، وأعياده بليدة لا معنى لها ولا حياة فيها يقضيها بالنوم المستغرق، والسهر الفاسق، فإذا قدر له أن يلقى أحدا صافحه بيد لا تحمل عاطفة الأخوة، ولا تنبض بدفء العاطفة، وقابله بوجه فيه من كل معنى إلا معنى الإنسانية السامية...
إن الناس يجعلون شهر رمضان محطة يراجع فيها الناس أحوالهم ويتبصرون في محاصيلهم ويؤوبون إلى خالقهم، ويرجعون عن معاصيهم، وإنه لفرصة يجب أن يغتنمها الصادقون ويفرح بها التائبون، ولكن لماذا لا نجعل العيد عنوانا آخر من عناوين التوبة إلى الله، وصفحة أخرى من صفحات الإنابة إليه، وإذا كانت العبادة المخبتة طريقا في رمضان إلى إعادة صياغة القلوب، فلماذا لا تكون العبادة الجذلة السعيدة طريقا آخر إلى إنشاء علاقة مع الله بدايتها الفرح بنعمته، والسعادة بمواهبه، والرضى بهداياه..
إن الناس عندهم ما يكفي من المكدرات، وفي سهوب نفوسهم ما يفي من الهموم، ونحن لا نفتأ نخرج إليهم بوحوش سوداء تدب في الصفحات البيضاء نقتات بها المساحات الصغيرة الباقية في قلوبهم من معارك الحياة، ونفترس بروق الفرح المشعة في أعينهم، ونغتال أطفال البسمات على شفاههم المتشققة. إنهم محتاجون إلى ضحكات العيد ونغمات الفرح ورقصات السعادة تجري في دمائهم وتنثال على حياتهم فتنقلهم في رحلة نفسية بعيدا عن كدر العيش وآلام العمر وحديث الحرب وقصص الفتك وتخطيط العدو، وإذا كان رمضان زمن التداوي بالانكسار والخشوع، فإن العيد زمن التداوي بالضحك والسرور، ينام الأطفال ليلته على نغم الأماني، ونشيد الأحلام وهدهدات الهدايا، ويستقبل الكبار يومه بالصلاة يشكرون ربهم على ما أنعم من أيام الصيام والقيام، ثم يعرجون على البيوت تتطاير من كلماتهم فراشات الحب، وتتقافز من ضحكاتهم عصافير المودة، وتسافر من أيديهم النفحات إلى الرؤوس فتمسحها وإلى الصدور فتضمها وإلى الجيوب فتعمرها، والوالدات والأخوات والعمات والخالات والبنات يستقبلن الأطيار القدسية من آباء وإخوان وأولاد وأولاد الأولاد فلا ينتهي يومهن إلى العام مما امتلأ به من السرور والحبور. وليس هذا الحبور والفرح والكرم مقصورا على الأقارب بل يشمل الفقراء بالعطف، والأيتام بالحنان، والسائلين بالعطاء، وأهل المصائب بالمواساة، والأباعد بالسلام والدعاء لهم بالخير.
جمعـــتُ في العيد حـولي سائرَ الآلِ * * * ومــــــلتقى الآل حـــولي كلُّ آمالـي
أبــــاً دعونـــي ومـــالي فيهــــمُ ولد * * * ولســـتُ للقـــوم غيرَ الـــعمِّ والخال
كـــأننـــي وهــــمُ فــي الدار مطَّلــعٌ * * * منــــــهمْ علــــى أمم شـــتى وأجيال
أُعِدُّهمْ لغــــدٍ مـــمـــا أعـــدُّ غــــــداً * * * فــي هذه الأرض أجــنادي وأبطالي
مـــتا أحسنَ الشـــملَ أرعـاه وأشهده * * * لأمَّهــــــاتٍ وآبــــاءٍ وأطـــــفــــــال
فلا أرى فرقــتة فــــي الدهر قاطعة * * * لمــــطمــــئنٍّ وخفّـــاق و جــــــوّال
ولا يصـــاب هديـــــلٌ فــتي أليــفته * * * ولا الغضــــنفـر فـــي غيـل وأشبال
لتكن أيام العيد أياما مكتنزة بالسعادة، موارة بالفرح، تشهد على أن في ديننا فسحة تنشرح فيها القلوب وتستقبل الحياة ناشطة من عقالها، طلقة من حبالها، تعرف قيم الأشياء وتؤمن أن التعاسة لن تغير من الحال، والعبوس لن يصلح المعوج، ولن يستقيم حال الأمة بحمل الهم في النفس ونثره في طريق الناس، بل بحمل الغصة في مكان لا تصل إليه العيون بنظراتها ولا تناله الظنون بوثباتها، والعمل الجاد على إصلاح النفس والمجتمع عن طريق الوسائل الحاملة معاني الحب والإخاء.
إن من أعظم أبواب النصر أن ننظر إلى الأمور من جانبها الحسن، فنرى الخير حين لا يرى الناس غير الشر، ونلمح الانفراج حين لا يبصر الآخرون إلا الضيق، ونستشعر الاستعلاء حين لا يحس غيرنا بغير الذل... ونعمت العبادة انتظار الفرج... ولا يعني هذا أن ينغمس الناس في اللهو لينفذوا إلى ما حرم الله من الفساد والسرف وتضييع الواجبات وإهدار الحقوق كما يفعل السفهاء في كل زمان ومكان، بل نعني أن يتوسط الإنسان ويكون أقرب إلى سماحة الإسلام الشفيقة، وعذوبته الرقيقة، ورحمته السابغة.. !
29/9/1428
11/10/2007