نظرات في التربية البديعة في سورة إبراهيم
د. وسيم فتح الله
إن أي تربية لا تتوجه نحو هدف معين هي تربية فاشلة لأنها هيام على غير هدى ومآلها تخبطٌ في أودية الدنيا، ولهذا كان هدف التربية واضحاً جلياً عند إبراهيم - عليه السلام - {واجنبني وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام}؛ نعم هدف التربية هو الوصول بالأبناء إلى توحيد الله - تعالى -وإفراده بالعبودية، ولقد تعزز هذا الهدف ببيان ضلال نقيضه {إنهن أضللن كثيراً من الناس}، بل وبإعلان صريح لتمحور الولاء والبراء على سلوك طريق التوحيد هذا {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم}.
ولما كان الشرك الذي يعكر على المسلم صفاء عقيدته متردداً بين شرك ظاهرٍ معلوم وشركٍ خفي قد يتسلل إلى النفوس من حيث لا يدري المرء كان الالتجاء إلى الله - تعالى -وحده - الذي يعلم الشرك الخفي كما يعلم الظاهر - ليعين المربي على تنقية صفحة التوحيد من لوثات الشرك هذه حيث قال: {ربنا إنك تعلم ما نُخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء}.
اختر لابنك البيئة
فالمربي الناجح هو الذي يتخير لناشئته البيئة الصالحة التي تعزز فيهم التزام أمر الله وتعين عليه، وتنفرهم من مخالفة أمره ولا تروج لباطل أهل الزيغ، تأمل معي الإشارة إلى هذا في قوله - تعالى -: {وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمناً}.
قلت: وأي أمنٍ أعظم من أن يعلو صوت التوحيد فلا يسمع صوت سواه، ولا يضر بعد ذلك أن يكون المكان {غير ذي زرعٍ} طالما أن كلمة التوحيد ظاهرة وبيئة التربية صافية نقية لا صولة للشيطان فيها ولا جولة. وإن الذي يقيم مع ناشئته في مجتمعٍ تفشو فيه معالم الزيغ والضلالة والفسق والكفر ليس بذاك المربي وليس بذاك الحريص حقاً على تقرير عقيدة الوحيد في قلوب الناشئة اللهم ما لم يكن مغلوباً على أمره قد استفرغ الوسع في تأمين البيئة البديلة.
نفهم الإيمان
فليس الإيمان معرفة قلبية محضة، ولا هو تمتمات محرابية فارغة، بل الإيمان قول وعمل يستقر في القلب ويلهج به اللسان وتتحرك به الجوارح، وأنت ترى هذا المعنى واضحاً حين تكرر بيان الهدف من التنشئة - والذي قلنا بدايةً أنه توحيد الله وتعطيل الشرك به - فإذا بالآية الكريمة تصرح بهدف آخر {ربنا ليقيموا الصلاة}، {رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبَّل دعاء}؛ فالهدف إذاً قول القلب - أي طرح عقيدة الشرك وعبادة الأصنام جانباً - وعمل الجوارح وهو هنا الصلاة، وذكر اللسان وهو هنا الدعاء، وهكذا تكاملت عناصر مفهوم الإيمان على الصحيح عند الفرقة الناجية أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحبه.
الأب هو القدوة
فلا تربية دون قدوة وأسوة، ولا يمكن أن نتأمل خيراً من مربٍ يخالف حالُه مقالَه، ولهذا كان إبراهيم-عليه السلام- يشمل نفسه في كل دعاء؛ {واجنبني وبَنِيَّ أن نعبد الأصنام}، {رب اجعلني مقيم الصلاة}، {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب}، فهذا هو المربي الناجح وهذا هو المربي الذي لا يركن إلى شهود الأسباب ولا يجزع من غيابها، بل دأبه الاستعانة بالله - تعالى - والتوكل عليه والالتجاء إليه والافتقار بين يديه إلى الاتصال بحبله المتين لا يثنيه {إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرعٍ} عن {ربنا ليقيموا الصلاة} لأن تكلانه واستعانته بالله - تعالى -فهو يدعوه {فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون} وينشغل بتسبيحه وحمده على الدوام {الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء}.
والأب القدوة هذا الذي يقول ويعمل، يأخذ بالأسباب ويتوكل على خالقها، يفتقر إلى الله ليصل إلى الله، وهو نفسه الأب الشفوق بأبنائه الحريص على هدايتهم ومصلحتهم فهو يلتمس من الله - تعالى -توفيقهم للتوبة والإنابة إليه - تعالى -:{ومن عصاني فإنك غفور رحيم}، ويدعو الله - تعالى -أن يهيأ لهم أسباب الرفق حتى لا ينشغلوا بتحصيل أسباب العيش عن تحقيق الهدف من وراء العيش ذاته {وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون}.
هذه بإيجاز بعض المعالم التربوية في هذه الآيات المعجزة، وحريٌ بمن التزم نهج هذه السورة أن يمنَّ الله-تعالى -عليه بالعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة؛ أما الدنيا فكما قال - تعالى -: {الحمد لله الذي وهب لي على الكِبَر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء}، وأما الآخرة فرجاء عفوه ومغفرته - سبحانه وتعالى -: {ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب}، ولعمر الحق ها نحن نرى آثار دعوة أبي الأنبياء إبراهيم - عليه السلام-.