فضائيات تتاجر بالدجل وروادها فاقدون للثقة..والمسؤولية الإعلامية غائبة؟
يرغب البعض في معرفة ماذا تُخفي له الأيام؟ فيلجأ إلى مطالعة أبواب الأبراج في الصحف والمجلات واستشارة العرافين ممن يدّعون القدرة على معرفة أحداث الغد من خلال قراءة الفنجان والرموز التي تحملها خطوط كف اليد، وها هي أعمال الشعوذة والسحر والكهانة تغزو من خلال الفضائيات ومواقع الإنترنت، ورغم أن هؤلاء يعلمون أن الغيب علمه عند اللّه - سبحانه وتعالى - إلا أنهم يحاولون الهرب من واقعهم المضطرب عبر الصورة المزيفة التي يرسمها لهم هؤلاء الدجالون طمعاً في جمع المال.
الأرقام والإحصائيات تقرع ناقوس الخطر مما يستدعي البحث عن أسباب شيوع الظاهرة، فقد زاد عدد المشعوذين الذين يروجون لبضاعتهم عبر الصحف والمجلات والفضائيات ويكفي أن نشير إلى أن بعض البلدان باتت تعتمد على الدجل كمصدر رئيس من مصادر الدخل القومي فقد تجاوز عدد العرّافات في أحد البلدان العربية 115 ألفاً فيما بلغت حصيلة ما أنفقه البعض على الدجل في عام واحد أربعة مليارات دولار!!
وقد بينت إحدى المجلات الخليجية أن نسبة 15% ممن شملهم البحث هن من فتيات المرحلة الجامعية يعتقدن في الأبراج بل ويحرصن بشغف على متابعتها عبر المجلات والقنوات الفضائية والإذاعة والإنترنت بل إن 98% من جملة العينة قد تأثرن بالأبراج في فترة المراهقة.
وفي بعض الدول الخليجية استطاع بعض الوافدين أن يتكسبوا من ممارسة الشعوذة والسحر مبتزين الجهلاء من الرجال والكثيرات من النساء فكونوا ثروات طائلة، حتى باتت سجلات الجهات المعنية بمكافحة هذه الظاهرة متخمة بقضاياهم، بل إن من مارس الرقية الشرعية بطريقة سليمة تعرض لفتنة الأموال وانحرف عن المسار الصحيح فاتخذها صنعة تُدرّ عليه الأموال، فتحول إلى أعمال الدجل والشعوذة.
فالقنوات الفضائية وخاصة التجارية انتهزت الفرصة واقتحمت مجال الشعوذة من خلال برامج «الكهانة» فاستضافت عدداً من سحرة العرب ليتنبأوا للمتصلين بحظوظهم وما سيحدث في مستقبل الأيام من خلال قراءة «بختهم» أو ما يسمى بقراءة الكف أو الفنجان وإيحاءات الكرة البلورية مقابل مئات الدولارات التي يدفعها المتصل بذلك الساحر طمعاً في خدماته.
فيديو كليب وشعوذة
يقول الداعية الإسلامي د. وائل الحساوي: إن المشكلة برمتها؛ تتجسد في القنوات التجارية التي تبحث عن الربح من خلال الإثارة، بغض النظر عن الإفادة؛لأنها تسعى إلى استقطاب أكبر عدد من المشاهدين، وفي سبيل ذلك فهي تبث العري من خلال الفيديو كليب والشعوذة والمتاجرة بالقضايا الدينية التي تتوسع في طرحها.
وأضاف: هذه الفضائيات لم تجد أمامها سوى الإثارة على اعتبار أنها أقرب الطرق للكسب السريع، ففتحت أبوابها لمفسري الأحلام بشكل لم نعهده من قبل، حيث يقوم المشعوذ بالرد على استفسارات المشاهدين وفق ما يراه بغض النظر عما إذا كان ما يرد عليه يندرج ضمن أضغاث الأحلام أو هو من الرؤيا الصادقة، وهذا بعيد كل البعد عن تعاليم الدين، والأمر لم يقف عند هذا الحد بل تعدَّى ذلك إلى الفتاوى الصاخبة التي لا تراعي واقع الأمة وخاصة فيما يتعلق بالقضايا الأسرية، وبذلك أصبح ضررها أكثر من نفعها؛ لأنها جعلت الربحية هي الأساس.
وأشار د. الحساوي إلى أنه من الواجب على أصحاب هذه القنوات أن يتحملوا مسؤولياتهم فهم مسؤولون أمام الله - سبحانه وتعالى - كما أكد على أهمية الرقابة من الدول على مثل هذه القنوات على غرار ما يفعله النواب حالياً إزاء قانون المطبوعات بحيث تكون هناك ضوابط تحد من التجاوزات خاصة وأن الحرية المنضبطة المسؤولة هي الأساس وليست الحرية المطلقة.
والطبقات المثقفة والسياسيون لهم نصيب
رغم أن انتشار الجهل من أهم أسباب الشعوذة إلا أن الطبقات المثقفة لم تنج من مس السحر والدجل بل وصل الأمر إلي الحد الذي نرى معه سياسيين بارزين ورؤساء دول يستعينون بالدجل ويثقون بالعرافين.
فلم يعد الشغف بالمنجمين والعرافين داء العامة وحدهم كما يعتقد البعض ولكنه مرض امتدت عدواه إلى السياسيين والحكام الذين أصبح التنجيم قاسماً مشتركاً بينهم في السلطة حتى صار المنجم أاو العرافة من أقرب الناس إليهم، والوقائع تقول: إن العديد من الزعماء الكبار كانوا يؤمنون بالمنجمين واستشاروهم في قرارات مصيرية تتعلق بمستقبل شعوبهم.
ففي فرنسا كان نابليون مريضاً بالوسوسة وخاف من القطط السوداء، واستعان الرئيس شارل ديجول والذي يُنظر له كبطل فرنسا في القرن العشرين بأحد المنجمين عمل معه لمدة 25 عاماً، كما ذكرت المنجمة الفاتنة اليزابيث تايلور أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتران طلب نصيحتها أكثر من مرة.
وفي بريطانيا وأثناء الحرب العالمية الثانية كان رئيس الوزراء البريطاني تشرشل يتردد باستمرار على منجمة في لندن اشتهرت بما تدعيه من قدرة على التنبؤ بالمستقبل، وحديثاً اشتهرت الأميرة الراحلة ديانا باستشارتها المنجمين في شتى أمور حياتها كما شوهدت شيري زوجة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير وهي تحمل قلادة سحرية من المفترض -كما تعتقد-أن تحيط مرتديها بالطاقة.
وفي الولايات المتحدة لا يختلف الأمر كثيرًا حيث كانت الشعوذة ضيفاً مستديماً في البيت الأبيض واستعان بها الرؤساء وزوجاتهم إما في تصفية حسابات مع الخصوم أو الاعتداء على الدول الأخرى، كما فعل الرئيس ريجان الذي استشار عرافة قبل قصفه الأراضي الليبية.
وفي "إسرائيل" أثارت العفاريت التي تسكن مكتب رئيس الوزراء «الإسرائيلي» إرييل شارون أزمة في الكنيست بعدما استعان أحد العاملين في المكتب بحاخام للتخلص منها. وليس مكتب شارون مرتعاً للدجل والعفاريت فحسب لكن العرافين والمنجمين أضحوا منتشرين بكثرة في المجتمع «الإسرائيلي» حتى وصل إلى حد امتلاك زوجة وزير دفاع سابق قدرات تنجيمية خاصة.
وخلال عام 2000 وقبيل الانتخابات التشريعية في إسرائيل تردد أن إرييل شارون رئيس حزب الليكود ومرشح اليمين لرئاسة الوزراء عكف على التقرب إلى عدد من كبار المشعوذين اليهود المحسوبين على الحاخامات الشرقيين لنيل بركاتهم؛ لعله يفوز بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة التي كان ينافسه فيها إيهود باراك.
وكانت أول زيارة قام بها شارون لهؤلاء المشعوذين زيارته للحاخام "رينتغين" الذي اشتهر في إسرائيل بقيامه بإعداد أحجبة للفتيات اليهوديات العوانس، واضطر شارون على الرغم من سنه المتقدم وحجمه الضخم إلى السير أكثر من نصف كيلو متر بناء على طلب الحاخام الذي لا يتجاوز عمره الخامسة والأربعين، وقال بعد لقائه بالمشعوذ: إنه جاء للحاخام "رينتغين" لكي يحصل على مباركته، ولكي يقنع الحاخام بأن يحث "محبيه" على التصويت له في الانتخابات المقبلة. واضطر شارون إلى المشاركة في بعض طقوس الشعوذة التي يقوم بها الحاخام "رينتيغن" مثل رمي الحجارة في نار ضخمة أشعلت بالقرب من منزل الحاخام حيث أوجب على كل من يزوره أن يلقي فيها حجارة تحمل توقيعه!!!
وبعد أن أخذ شارون بركات الحاخام «رينتيغن» أعلن أنه بصدد زيارة ديوان الحاخام «إسحاق كدوري» الذي وصف بأنه «سيد المشعوذين» في إسرائيل وأكثرهم شعبية على الإطلاق والذي تجاوز المائة من عمره حيث دأب محبوه على القيام باستئجار طائرة خاصة له في تنقلاته داخل الدولة اليهودية، حيث يعتقد معظم اليهود الشرقيين أن الحصول على مباركة الحاخام كدوري «تجعل الرب يمنح المرء كل ما يريد»!.
ولا يميز الحاخام "إسحاق كدوري" بين قادة الدولة وأي من محبيه. ويقف المئات من اليهود في العادة للحصول على دعاء من كدوري وعلى الخصوص أولئك المرضى واللواتي يبحثن عن زواج أو أرباب الأسر الذين فقدوا أولادهم، وكذلك الذين يريدون التوبة والعودة للدين؛ حيث إنه يدعي أنه قادر على «إقناع الرب أن يعفو عن أصحاب الزلات»!.
فتاوى في السحر والشعوذة الفضائية
سألت امرأةٌ رجلاً مُنجِّماً عن السبب في عدم زواجها، فقال لها: "إنها مَعمول لها عملٌ ويلزم فكُّه في المقابر" فهل هذا صحيح؟
الكهانة والتنجيم وادعاء معرفة الغيب، ليس من الإسلام في شيء، والأولى بالمؤمنين أن يتجهوا لله - تعالى -، وأن يجددوا إيمانهم، فلا يعتقدوا في قوة غير قوة الله - تعالى -.
يقول فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر - رحمه الله -:
حرَّم الدين هذه الوسائل التي يتَّخذها المُفترون وسيلةً لادعاء الغيب، سواء في ذلك حساب النجوم، أو خط الرمل، أو الضرب بالحصى، أو قراءة الكف، أو قراءة الفنجان، أو معرفة الأثَر في الثياب، أو غير ذلك من التُّرَّهَاتِ التي يَحترفها الدجَّالون، ويحتالون بها على الجهلاء.
ومن المأثور عن الإمام علي - رضي الله عنه - وكرم الله وجهه ـ أنه قال: "إيَّاكم وتعلُّم النجوم، إلا ما يُهتدَى به في بَرٍّ أو بَحْرٍ، فإنها تدعو إلى الكهانة، والكاهن كالساحر، والساحر كافر، والكافر في النار".
ويقول بعض الأئمة: إن الالْتجاء إلى هذه الوسائل لمعرفة المستقبل من الأقدار مُفسد للعقول وضارٌّ بالمصالح، إذ يعتقد مَن سمع أقوالهم أنهم قد اطَّلعوا على ما حُجب عنه، فيُقدم أو يُحجم، ويفرح أو يحزن، ويعيش في تصرفاته وراء أوهامٍ وخيالات، وقد يكون الخير فيما ظنه شرًّا، وقد يكون الشر فيما ظنه خيرًا، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، والقرآن الكريم، يقول: (وعسَى أنْ تَكرهوا شيئًاً وهو خيرٌ لكمْ وعسَى أنْ تُحِبُّوا شيئًا وهو شرٌّ لكمْ واللهُ يعلمُ وأنتمْ لا تَعلمونَ). (البقرة: 216).
فالواجب على هذه المرأة ألاَّ تلقي بالاً إلى كلام هذا الخدّاع الأثيم، وأن تعود إلى ربها مؤمنة بأنه النافع الضار، وأن الأمر منه وإليه من قبلُ ومن بعد وهو الفعَّال لما يشاء.
العلاج بالسحر
هل يجوز للمسلم أن يصنع دواءً يُردد عليه ألفاظ الشعوذة قبل استعماله؟
المسلم الحق يعتقد أن ما يجري في الدنيا هو من قدر الله - تعالى -، وأن الذي خلق الداء خلق له الدواء، وأن المشعوذ لا يملك الشفاء، بل قد ارتكب بفعله أكثر من خطأ فقد تجرأ على الطب، وأوهم الناس بالخرافات، ولا يجوز لمسلم أن يعتقد في هذه الشعوذة وعليه أن يبحث عن دواء ناجع ورقية مأثورة.
يقول فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ أحمد الشرباصي الأستاذ بجامعة الأزهر - رحمه الله - في كتابه يسألونك: الإسلام هو دين العقل والفهم والإدراك، والنافع والضار هو الحق جل جلاله وفي سورة آل عمران يقول عز من قائل: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَنْ تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الخَيْرُ إنَّكَ علَى كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ)0 (3الآية: 26) ويقول القرآن في سورة الشعراء على لسان إبراهيم: (الذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. والذِي يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ. وإذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ)0(الآيات: 78 ـ 81) وهذا المُشَعْوِذُ قد ارتكب أكثر من خطأ، فهو قد تطفَّل على الطب وصنع دواء وهذا ليس من اختصاصه، وهو قد ردَّد ألفاظ الشعوذة على الدواء، مُتوهِّمًا أن تلك الألفاظ هي التي تُعطيه قوة الشفاء.
إن الشريعة الغرَّاء كما حافظت على الأبدان بوِقايتها من المُحرمات التي تُضعفها، أو تهدمها كالمُخدرات والمُسْكرات، حافظت على العقول ممَّا يُوهنها أو يُفسدها، ومن ذلك منعها من الجرْي وراء هذا السَّرَاب، حتى يبقى ميزان الفهم ومدار العلم سليمًا من الآفات، وكم يكون الإنسان سعيدًا إذا أخذ في أمره كله بالأسباب الطبيعية، وفكر بعقله مُهتديًا بتجاربه واستشارته ذوي الرأي الناضج، ثم أقدم على ما يريد مُعتمدًا على الله - تعالى -: (ومَنْ يَتَوَكَّلْ علَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). (الطلاق: 3). وكم يكون شقيًّا إذا ظلَّ حياته عبد الأوهام والخُرافات، حليف الشعوذة والتكهنات، يقلد الخادعين، ويجري وراء الدجَّالين، ويُلغي عقله الموهوب له للتفكُّر والتبصر.
وقد قال سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "إنَّ الذي خَلَقَ الداءَ خلق الدواءَ". وقال في حديث آخر: "ما خلق اللهُ داءً إلا خلق له دواءً إلا الهَرَم ".
وعلى هذا لا يجوز لهذا المسلم أن يُردِّد هذه الألفاظ المشعوذة، وألا يعتقد هذا الاعتقاد الباطل.
24/8/2007م